10- ( 482 ) عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: « لَيْسَ لاِبْنِ آدَمَ حَقٌّ فِى سِوَى هَذِهِ الْخِصَالِ بَيْتٌ يَسْكُنُهُ وَثَوْبٌ يُوَارِى عَوْرَتَهُ وَجِلْفُ الْخُبْزِ وَالْمَاءِ » . قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيح"."
( منكر ) . [ فيه حريث بن السائب،ضعيف يروي الإسرائيليات،وهذا منها ] .
وذكره الألبانى في الضعيفة (1063) وضعيف الجامع (4914) .
قلتُ: رواه الترمذى (2512 ) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا حُرَيْثُ بْنُ السَّائِبِ قَالَ سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ حَدَّثَنِى حُمْرَانُ بْنُ أَبَانَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: « لَيْسَ لاِبْنِ آدَمَ حَقٌّ فِى سِوَى هَذِهِ الْخِصَالِ بَيْتٌ يَسْكُنُهُ وَثَوْبٌ يُوَارِى عَوْرَتَهُ وَجِلْفُ الْخُبْزِ وَالْمَاءِ » . قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَهُوَ حَدِيثُ الْحُرَيْثِ بْنِ السَّائِبِ. [1]
وقد صحح الحديث المرفوع الترمذي والحاكم والذهبي والمنذري والعراقي والمناوي والزبيدي وصاحب تحفة الأحوذي ودليل الفالحين لطرق رياض الصالحين [2]
قلت: وهذه أسانيد رجالها ثقات كلهم رجال الصحيحين،خلا حريث بن السائب وهو ثقة على الصحيح. [3]
وقد كان يكفى في توثيقه وتعديله اتفاق الإمامين: يحيى بن معين وأبى حاتم الرازى . ولا يذهبن عنك قول الحافظ الذهبى:"لم يجتمع اثنان من علماء هذا الشأن قط على توثيق ضعيف،ولا على تضعيف ثقة" [4] ،فكيف وقد وثَّق حريثًا هذا الجمع ؟! .
فإذا بان ذلك وتقررت دلالته،عُلم أن قول الحافظ ابن حجر في التقريب"حريث بن السائب التميمي البصري . صدوق يخطئ" [5] فيه نظر وتفصيل،وإلا فليس لحريث بن السائب في الكتب الستة إلا هذا الحديث !!،وقد تفرد به الترمذى وصحَّحه .
فأما التفصيل،ففي قوله صدوق،فإنه لم يجتزئ بتوثيق الإمامين ابن معين وأبى حاتم،وأراد التوفيق بين ذلك وما قيل في حقِّ حريث من التضعيف،فقد ذكره أبو زكريا الساجى في كتابه في الضعفاء وضعَّفه،وفى سؤالات الآجرى:"سألت أبا داود عن حريث بن السائب فقال: ليس بشيء" [6] . بينما ذكره أبو جعفر العقيلى في الضعفاء،فلم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا،وإنما قال:"لا يتابع على حديثه" [7] ،وهذا مجمل قد يقال عن الثقة إذا تفرد،كما يقال عن غيره .
ومما لا يرتاب فيه أهل المعرفة بمراتب الحفاظ،أن أحكام الحافظ ابن حجر في الجرح والتعديل أعدل وأنصف وأحكم من أحكام الحافظ أبي الفرج بن الجوزي ؛ الذي يجرِّح الراوي بأدنى كلمة تشير إلى توهينه . ألم تر كيف اقتصر في ترجمة حريث في الضعفاء والمتروكين على تضعيفه فقال:"حريث بن السائب المؤذن بصري ضعَّفه الساجي،وقال أحمد بن حنبل: روى عن الحسن حديثًا منكرًا" [8] ،ولم يذكر قول واحدٍ ممن وثَّقه،سيما وموثقوه من المتشددين في توثيق الرواة: يحيى بن معين،وأبو حاتم الرازى !! .
وأما النظر،ففي قوله يخطئ،فإن حريثًا ليس له كثير حديث،وما يقع في حديثه من الخطأ فليس منه ولا يتعمده بحالٍ [9]
والخلاصة،فإن حريث بن السائب ثقة صدوق مستقيم الحديث،وحديثه صحيح .
فإن قيل: قد أنكر الإمامان أحمد والدارقطني حديثه،ونسبا حريثًا إلى الوهم،وقالا: قتادة يخالفه،فقد رواه روح ثنا سعيد عن قتادة عن الحسن عن حمران عن بعض أهل الكتاب ؟ [10] .
قلت: لا يوجب ذلك نكارة حديث حريث بن السائب المسند الموصول،ولو ثبت سماع قتادة من الحسن،وابن أبى عروبة من قتادة،فكيف وهما مدلسان،ولم يصرح واحد منهما بالسماع ؟!.
وأمَّا قول الساجي: قال أحمد: روى عن الحسن , عن حمران , عن عثمان حديثًا منكرًا (يعني الذي أخرجه الترمذي) وقد ذكر الأثرم عن أحمد علته . فقال: سُئل أحمد , عن حريث . فقال: هذا شيخ بصري روى حديثًا منكرًا , عن الحسن , عن حمران , عن عثمان , كل شيء فضل , عن ظل بيت , وجلف الخبز،وثوب يواري عورة ابن آدم فلا حق لابن آدم فيه . قال: قلت: قتادة يخالفه . قال: نعم , سعيد , عن قتادة عن الحسن , عن حمران , عن رجل من أهل الكتاب . قال أحمد: حدثناه روح , حدثنا سعيد , يعني عن قتادة , به". [11] "
قلتُ: أمَّا قول الإمام أحمد رحمه الله ومن تابعه فعجيبٌ،فإذا كان منكرًا فلم رواه في مسنده وفي الزهد ولم ينبه عليه فيهما ؟
ففي مسند أحمد (448) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ حَدَّثَنِى أَبِى حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ حَدَّثَنَا حُرَيْثُ بْنُ السَّائِبِ قَالَ سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ حَدَّثَنِى حُمْرَانُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: « كُلُّ شَىْءٍ سِوَى ظِلِّ بَيْتٍ وَجِلْفِ الْخُبْزِ وَثَوْبٍ يُوَارِى عَوْرَتَهُ وَالْمَاءِ فَمَا فَضَلَ عَنْ هَذَا فَلَيْسَ لاِبْنِ آدَمَ فِيهِنَّ حَقٌّ » .
وفي الزهد لأحمد بن حنبل (116) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ،حَدَّثَنَا أَبِي،حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ،حَدَّثَنَا حُرَيْثُ بْنُ السَّائِبِ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: حَدَّثَنِي حُمْرَانُ بْنُ أَبَانَ،عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"كُلُّ شَيْءٍ سِوَى ظِلِّ بَيْتٍ،وَجِلْفِ الْخُبْزِ،وَثَوْبٍ يُوَارِي عَوْرَتَهُ". حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ،حَدَّثَنَا أَبِي،حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ،حَدَّثَنَا حُرَيْثُ بْنُ السَّائِبِ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: حَدَّثَنِي حُمْرَانُ بْنُ أَبَانَ،عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"كُلُّ شَيْءٍ سِوَى ظِلِّ بَيْتٍ،وَجِلْفِ الْخُبْزِ،وَثَوْبٍ يُوَارِي عَوْرَتَهُ،وَالْمَاءِ،فَمَا فَضَلَ عَنْ هَذَا فَلَيْسَ لِابْنِ آدَمَ فِيهِ حَقٌّ".
فهذا القولُ عنه إمَّا أنه غيرُ صحيح،أو أنه يقصدُ التفرد كما ورد في حالات كثيرة عنه .
وممن رواهُ عن حريث بالرفع عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ ومُسْلِمُ بن إِبْرَاهِيمَ وأبو داود الطيالسي و النضر بن شميل،وكلهم ثقات أثبات ،فالرفع زيادة ثقة على الصحيح فتقبل .
وأمَّا الادعاء بأنه روي عن الحسن , عن حمران , عن رجل من أهل الكتاب فلم نر هذه الرواية أصلًا،وما لفظها،لأن الذين رووه من المشاهير لم يذكروها أصلًا .
وقد ذكره العقيلي ولم يعله بذلك،قال: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ،حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ،حَدَّثَنَا حُرَيْثُ بْنُ السَّائِبِ،حَدَّثَنَا الْحَسَنُ،حَدَّثَنَا حُمْرَانُ بْنُ أَبَانَ،مَوْلَى عُثْمَانَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"كُلُّ شَيْءٍ فَضَلَ عَنْ ظِلِّ الْبَيْتِ،وَجِلْفِ الْخُبْزِ،وَثَوْبٍ يُوَارِي عَوْرَةَ ابْنَ آدَمَ فَلَا حَقَّ لِابْنِ آدَمَ فِيهِ"حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا،حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ الْخُزَاعِيُّ قَالَ: سَأَلْتُ النَّضْرَ بْنَ شُمَيْلٍ عَنْ حُرَيْثِ بْنِ السَّائِبِ فَقَالَ: بَيْنَ الْمُطِيعِ وَبَيْنَ الْمُدْبِرِ الْعَاصِي وَقَدْ رُوِيَ فِي هَذَا الْمَعْنَى عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - بِغَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ،وَالرِّوَايَةُ فِيهِ أَيْضًا لَيِّنَةٌ [12] .
ومما يشهد له ما ورد في شعب الإيمان للبيهقي أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّلَمِيُّ , أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ , ثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدَنِيُّ , ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ , أَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ , ثَنَا هِشَامٌ , عَنِ الْحَسَنِ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"ثَلَاثٌ لَا يُحَاسَبُ الْعَبْدُ بِهِنَّ: كِسْرَةٌ يَشُدُّ بِهَا صُلْبَهُ , وَثَوْبٌ يُوَارِي عَوْرَتَهُ , وَظِلُّ خَصٍّ يَسْتَظِلُّ بِهِ"هَكَذَا جَاءَ مُرْسَلًا , وَهُوَ مُرْسَلٌ جَيِّدٌ .."َ [13] ."
وفي الزهد لأحمد بن حنبل ( 65 ) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ،حَدَّثَنَا بَيَانُ بْنُ الْحَكَمِ،حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ،حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ الْحَارِثِ،حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ،عَنْ هِشَامٍ،عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"ثَلَاثٌ لَا يُحَاسَبُ بِهِنَّ الْعَبْدُ: ظِلُّ خُصٍّ يَسْتَظِلُّ بِهِ،وَكِسْرَةٌ يَشُدُّ بِهَا صُلْبَهُ،وَثَوْبٌ يُوَارِي عَوْرَتَهُ" [14] .وإسناده صحيح مرسل
قلت: وروايته مرسلًا لا تعلُّ روايته موصولًا،لأن الذين رووه موصولًا ثقاتٌ أثباتٌ .
وله شاهد في القناعة لابن السني (63 ) أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدَوَيْهِ،حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَمَّادٍ،حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ،أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ،حَدَّثَنِي ابْنُ زَحْرٍ،عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ،عَنِ الْقَاسِمِ،عَنْ أَبِي أُمَامَةَ،أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"مَا فَوْقَ الْخُبْزِ،وَجَرَّةِ الْمَاءِ،أَوْ ظِلِّ الْحَائِطِ،أَوْ ظِلِّ شَجَرَةٍ فَضْلٌ يُحَاسَبُ بِهِ ابْنُ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"وهو ضعيف،علي بن يزيد ضعيف [15]
وله شاهد آخر في حلية الأولياء ( 5001) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حُبَيْشٍ،ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ الْبُخَارِيُّ،ثنا ابْنُ أَبِي رِزْمَةَ،ثنا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ،ثنا أَبُو حَمْزَةَ،عَنْ لَيْثٍ،عَنْ أَبِي فَزَارَةَ،عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ،عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"مَا فَوْقَ الْإِزَارِ،وَجِلْفُ الْخُبْزِ،وَظِلُّ الْحَائِطِ،وَجَرَّةُ الْمَاءِ،فَضْلٌ يُحَاسَبُ بِهِ،أَوْ يُسْأَلُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ . لَمْ نَكْتُبْهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ لَيْثٍ،وَأَبُو حَمْزَةَ هُوَ السُّكَّرِيُّ الْمَرْوَزِيُّ وَاسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَيْمُونٍ". [16] "
قلت: وهو ثقة [17] ،وليث بن أبي سليم فيه لين،لكن حديثه في المتابعات لا بأس به.
وثمَّة مرجِّح لحديث حريث المسند الموصول،فإنه يشبه في بعض معانيه ودلالته ما أخرجه مسلم عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ يَقْرَأُ (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) قَالَ « يَقُولُ ابْنُ آدَمَ مَالِى مَالِى - قَالَ - وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلاَّ مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ » . [18] .
وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: « يَقُولُ الْعَبْدُ مَالِى مَالِى إِنَّمَا لَهُ مِنْ مَالِهِ ثَلاَثٌ مَا أَكَلَ فَأَفْنَى أَوْ لَبِسَ فَأَبْلَى أَوْ أَعْطَى فَاقْتَنَى وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ ذَاهِبٌ وَتَارِكُهُ لِلنَّاسِ » [19] ..
والخلاصة: أنه قد روي هذا الحديثُ موصولًا،وروي نحوه مرسلًا،وله شاهدان فيهما ضعف،فالصواب أنه حديثٌ صحيحٌ مرفوعٌ،وليس فيه شيء يخالف الشرع،فمسألة أنه عن أهل الكتاب مما لا دليل صحيح عليه فتردُّ .
ومن ثم لا يجوز التسرع بالتضعيف،ولا توهيم العلماء الأفذاذ الذين بلغوا القنطرة كالإمام الترمذي رحمه الله وغيره .
وعلى الذين ضعَّفوا هذا الحديث وأمثاله إعادة النظر فيما ذهبوا إليه والرجوع للصواب.
قال الخطيب البغدادي في الكفاية:"بَابُ الْقَوْلِ فِي حُكْمِ خَبَرِ الْعَدْلِ إِذَا انْفَرَدَ بِرِوَايَةِ زِيَادَةٍ فِيهِ لَمْ يَرْوِهَا غَيْرُهُ قَالَ الْجُمْهُورُ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَأَصْحَابِ الْحَدِيثِ: زِيَادَةُ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ , إِذَا انْفَرَدَ بِهَا وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ زِيَادَةٍ يَتَعَلَّقُ بِهَا حُكْمٌ شَرْعِيُّ أَوْ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا حُكْمٌ , وَبَيْنَ زِيَادَةٍ تُوجِبُ نُقْصَانًا مِنْ أَحْكَامٍ تَثْبُتُ بِخَبَرٍ لَيْسَتْ فِيهِ تِلْكَ الزِّيَادَةُ , وَبَيْنَ زِيَادَةٍ تُوجِبُ تَغْيِيرَ الْحُكْمِ الثَّابِتِ , أَوْ زِيَادَةٍ لَا تُوجِبُ ذَلِكَ , وَسَوَاءٌ كَانَتِ الزِّيَادَةُ فِي خَبَرٍ رَوَاهُ رَاوِيهِ مَرَّةً نَاقِصًا , ثُمَّ رَوَاهُ بَعْدُ وَفِيهِ تِلْكَ الزِّيَادَةُ , أَوْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ قَدْ رَوَاهَا غَيْرُهُ وَلَمْ يَرْوِهَا هُوَ ."
وَقَالَ فَرِيقٌ مِمَّنْ قَبِلَ زِيَادَةَ الْعَدْلِ الَّذِي يَنْفَرِدُ بِهَا: إِنَّمَا يَجِبُ قَبُولُهَا إِذَا أَفَادَتْ حُكْمًا يَتَعَلَّقُ بِهَا , فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا حُكْمٌ فَلَا .
وَقَالَ آخَرُونَ: يَجِبُ قَبُولُ الزِّيَادَةِ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ دُونَ الْمَعْنَى , وَحُكِيَ عَنْ فِرْقَةٍ مِمَّنْ يَنْتَحِلُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا قَالَتْ: تُقْبَلُ الزِّيَادَةُ مِنَ الثِّقَةِ إِذَا كَانَتْ مِنْ جِهَةِ غَيْرِ الرَّاوِي , فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي رَوَى النَّاقِصَ , ثُمَّ رَوَى الزِّيَادَةَ بَعْدُ فَإِنَّهَا لَا تُقْبَلُ .
وَقَالَ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ: زِيَادَةُ الثِّقَةِ إِذَا انْفَرَدَ بِهَا غَيْرُ مَقْبُولَةٍ , مَا لَمْ يَرْوِهَا مَعَهُ الْحُفَّاظُ , وَتَرْكُ الْحُفَّاظِ لِنَقْلِهَا وَذَهَابُهُمْ عَنْ مَعْرِفَتِهَا يُوهِنُهَا وَيُضْعِفُ أَمْرَهَا وَيَكُونُ مُعَارِضًا لَهَا .
وَالَّذِي نَخْتَارُهُ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ أَنَّ الزِّيَادَةَ الْوَارِدَةَ مَقْبُولَةٌ عَلَى كُلِّ الْوُجُوهِ , وَمَعْمُولٌ بِهَا إِذَا كَانَ رَاوِيهَا عَدْلًا حَافِظًا وَمُتْقِنًا ضَابِطًا،وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ أُمُورٌ: أَحَدُهَا:اتِّفَاقُ جَمِيعِ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ لَوِ انْفَرَدَ الثِّقَةُ بِنَقْلِ حَدِيثٍ لَمْ يَنْقُلْهُ غَيْرُهُ , لَوَجَبَ قَبُولُهُ , وَلَمْ يَكُنْ تَرْكُ الرُّوَاةِ لِنَقْلِهِ إِنْ كَانُوا عَرَفُوهُ وَذَهَابُهُمْ عَنِ الْعِلْمِ بِهِ مُعَارِضًا لَهُ , وَلَا قَادِحًا فِي عَدَالَةِ رَاوِيهِ , وَلَا مُبْطِلًا لَهُ , فَكَذَلِكَ سَبِيلُ الِانْفِرَادِ بِالزِّيَادَةِ" [20] ."
إذا اختلفَ الثقاتُ في حديثٍ ، فرواهُ بعضُهم متّصلًا ، وبعضُهم مرسلًا . فاختلفَ أهلُ الحديثِ فيهِ هلِ الحكمُ لمَنْ وصلَ ، أو لمَنْ أرسلَ ، أو للأكثرِ ، أو للأحفظِ ؟ على أربعةِ أقوالٍ:
أحدُها: أنَّ الحكمَ لَمنْ وصلَ ، وهو الأظهرُ الصحيحُ . كما صحّحَهُ الخطيبُ. وقال ابنُ الصلاحِ: إنّهُ الصحيحُ في الفقِهِ وأصولِهِ .
والقولُ الثاني: أنَّ الحكمَ لمَنْ أرسلَ . وحكاهُ الخطيبُ عن أكثرِ أصحابِ الحديثِ .
والقولُ الثالثُ: أنَّ الحكمَ للأكثرِ ، فإنْ كان مَنْ أرسلَهُ أكثرَ ممَّن وصلَهُ ، فالحكمُ للإرسالِ ، وإنْ كانَ من وَصَلَهُ أكثرَ ، فالحكمُ للوصلِ .
والقولُ الرابعُ: أنَّ الحكمَ للأحفظِ ، فإنْ كانَ مَنْ أرسلَ أحفظَ ، فالحكمُ له ، وإن كان مَنْ وصلَ أحفظَ فالحكمُ له ،وينبني على هذا القولِ الرابعِ - وهو أنَّ الحكمَ للأحفظِ - ما إذا أرسلَ الأحفظُ ، فهلْ يقدحُ ذلكَ في عدالةِ مَنْ وصَلَهُ ، وأهليَّتِهِ ، أوْ لاَ ؟ فيهِ قولانِ: أصحُّهُما ، وبه صَدَّرَ ابنُ الصلاحِ كلامَهُ أنَّهُ: لا يَقدَحُ . قالَ: ومنهم مَنْ قالَ: يَقدَحُ في مسندِهِ ، وفي عدالتِهِ ، وفي أهليتِهِ". [21] "
ولَوْ أَرْسَلَهُ هُوَ مَرَّةً ، وَأَسْنَدَهُ أُخْرَى ، فَإِنْ فَرَّعْنَا عَلَى قَبُولِ الْمُرْسَلِ ، فَلَا شَكَّ فِي قَبُولِهِ ، وَإِلَّا فَاخْتَلَفُوا ، فَجَزَمَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَالرَّازِيَّ وَأَتْبَاعُهُ بِأَنَّ الْحُكْمَ لِوَصْلِهِ .
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَهُوَ الصَّحِيحُ ، وَعَنْ بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ لِإِرْسَالِهِ ، وَقِيلَ: الِاعْتِبَارُ بِمَا يَقَعُ فِيهِ أَكْثَرُ ، وَإِنْ وَقَعَ وَصْلُهُ أَكْثَرُ مِنْ إرْسَالِهِ ، فَالْحُكْمُ لِلْوَصْلِ ، وَإِلَّا فَلَا" [22] ."
ـــــــــــــــــ
(1) - وأخرجه كذلك أحمد (1/62) و (( الزهد ) ) (ص21) ، وعبد بن حميد (( المنتخب ) ) (46) والسهمى (( تاريخ جرجان ) ) (ص221) ، وأبو الشيخ (( طبقات المحدثين بأصبهان ) ) (3/20) ، والحاكم (4/347) ، والبيهقى (( شعب الإيمان ) ) (5/157/6180) ، والخطيب (( تاريخ بغداد ) ) (6/183) ، وابن الجوزى (( العلل المتناهية ) ) (2/798/1334) ، والمقدسى (( الأحاديث المختارة ) ) (1/455/331،329) وغيرهم من طرق عن عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا حُرَيْثُ بْنُ السَّائِبِ سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ حَدَّثَنِي حُمْرَانُ بْنُ أَبَانَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ به .
(2) - - (ج 1 / ص 18) و- (ج 4 / ص 286)
(3) - قال العباس بن محمد الدورى في تاريخ ابن معين (4/133/3555) :"سمعت يحيى يقول: حريث بن السائب البصري . يروي عنه: عبد الرحمن ، ووكيع . وهو ثقة"،ونقله بنصه أبو حفص بن شاهين في تاريخ معرفة الثقات (1/74/302) فقال:"حريث ابن السائب البصري . يروى عنه: عبد الرحمن بن مهدي ، ووكيع . وهو ثقة ، قاله يحيى". وذكره ابن حبان في الثقات (6/234/7507) و مشاهير علماء الأمصار (ص154) وقال:"من متقنى أهل البصرة". وقال العجلى في معرفة الثقات (1/290/282) :"حريث بن السائب التميمي لا بأس به"،وقال الحافظ الذهبي في المغني في الضعفاء (1/154/1355) و الكاشف (1/318) :"حريث بن السائب البصري عن الحسن . ثقة . ضعَّفه زكريا الساجي . ووثقه ابن معين وأبو حاتم".
(4) - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 241) ونزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 45) والرفع والتكميل في الجرح والتعديل - (ج 1 / ص 13) وتوجيه النظر إلى أصول الأثر - (ج 1 / ص 61) ومنهج النقد في علوم الحديث - دار الفكر - الرقمية - (ج 1 / ص 101)
(5) - تقريب التهذيب [ ج 1 - ص156 ] (1180)
(7) - ضعفاء العقيلي [ ج 1 - ص287 ] ( 351)
(9) -فقد ذكر له أبو أحمد بن عدى الكامل (2/200) أربعة أحاديث فقط: اثنان مرسلان ، واثنان موصولان ،فأما المرسلان ، فقد صدق فيهما ولم يخطئ ، بل رواهما على ما سمعهما ، ولم يرفعهما ،وأما الموصولان ، فأولهما توبع عليه ، والحمل في ثانيهما على غيره.
(10) - علل الدارقطنى (3/29/265) "وسئل عن حديث حمران عن عثمان عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم:"كُلُّ شَيْءٍ يَفْضُلُ عَنْ ابْنِ آدَمَ من جِلْفِ الخُبْزِ...."فذكره . قال: كذا رواه حريث بن السائب عن الحسن عن حمران عن عثمان عن النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ووهم فيه . والصواب عن الحسن عن حمران عن بعض أهل الكتاب".:
(11) - موسوعة أقوال الإمام أحمد في الجرح والتعديل - (ج 2 / ص 71) وتهذيب التهذيب [ ج 2 -ص204 ] (431)
(12) - ضعفاء العقيلي [ج 1 - ص 287 ] (351)
(13) - شعب الإيمان للبيهقي (9981 )
(14) - وهو في مسند ابن الجعد (2695 ) وتفسير عبد الرزاق (3594) وهناد (564)
(15) - انظر ترجمته في تقريب التهذيب [ ج 1 - ص406 ] (4817) والكاشف [ ج 2 - ص49 ] (3983)
(16) - (ج 2 / ص 119) وهو في شعب الإيمان للبيهقي (9973) من الطريق نفسه
(17) - تقريب التهذيب [ ج 1 - ص510 ] (6348 )
(18) - صحيح مسلم (7609 )
(19) - صحيح مسلم (7611 )
(20) - الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي (ج 3 / ص 461) وانظر شرح التبصرة والتذكرة (ج 1 / ص 82)
(21) - شرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 76)
(22) - البحر المحيط - (ج 5 / ص 405)