فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 94

3: باب الصبر

79- (43) عن أنس رضى الله عنه قال قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:"إِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا،وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". وقالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -:"إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلاءِ،وَإِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاهُمْ،فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا،وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ".رواه الترمذى وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .

ذكره حسان عبد المنان في ذيل تهذيب رياض الصالحين له،وضعفه براويه عن أنس: سعد بن سنان الكندي،وذكر من ضعَّفه من الأئمة،وقال: فلا عبرة بتوثيق ابن معين وحده،لا سيما وأن فيه جهالة أو بعض جهالة"كذا قال ."

قلت: هو في سنن الترمذى (2575 ) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى حَبِيبٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِى الدُّنْيَا وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَفَّى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .

(2576 ) وَبِهَذَا الإِسْنَادِ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: « إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلاَءِ وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاَهُمْ فَمَنْ رَضِىَ فَلَهُ الرِّضَا وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ » . قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. [1]

وهذا إسناد مصري حسن،رجاله موثقون كلهم،غير أنهم اختلفوا في اسم التابعي راويه عن أنس،كما اختلف عليه غيرُهم على ثلاثة أقوال:

( الأول ) سنان بن سعد،هكذا يقوله عن يزيد بن أبى حبيب: عمرو بن الحارث،وابن لهيعة،ومحمد بن إسحاق،وابن أبي ذئب،وسعيد بن أبى أيوب،والليث من رواية عبد الله بن صالح عنه .

( الثانى ) سعد بن سنان،هكذا يقوله عن يزيد بن أبى حبيب: الليث بن سعد من رواية معظم أصحابه عنه،ولا يتابع عليه .

( الثالث ) سعيد بن سنان،هكذا روى محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عنه عدة أحاديث سمَّاه في بعضها سعيد بن سنان،وفي بعضها سعد بن سنان،وفي بعضها سنان بن سعد،قاله أبو بكر الخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق (2/168) .

وأصحُّ ما في هذه الأسماء وأصوبه أولها سنان بن سعد ،كما صوَّبه البخاري وابن حبان وابن يونس وابن شاهين وجماعة .

قال أبو عيسى الترمذى:"وسَمِعْت مُحَمَّدًا ـ يعني البخاري ـ يَقُولُ: وَالصَّحِيحُ سِنَانُ بْنُ سَعْدٍ".

وقال ابن حبان في مشاهير علماء الأمصار (ص122) :"سنان بن سعد . من جلة المصريين،وهو الذي يخطىء الرواة فيه،منهم من قال سعد بن سنان،وقال بعضهم سعيد بن سنان . والصحيح سنان بن سعد والله أعلم".

وقال في الثقات (4/336/3210) :"سنان بن سعد . يروي عن أنس بن مالك . حدَّث عنه المصريون،وهم مختلفون فيه،يقولون سعد بن سنان،وسعيد بن سنان،وسنان بن سعيد . وأرجو أن يكون الصحيح سنان بن سعد. وقد اعتبرت حديثه،فرأيت ما روي عن سنان بن سعد يشبه أحاديث الثقات،وما روي عن سعد بن سنان وسعيد بن سنان فيه المناكير كأنهما اثنان فالله أعلم".

وقال أبو حفص بن شاهين في تاريخ أسماء الثقات (ص104) :"قال أحمد بن صالح: سنان بن سعد ثقة،ليس في قلبي من حديثه شيء،هو من أهل البصرة".

ولهذا الاختلاف والاضطراب في اسمه،تكلم فيه من ضعَّفه من الأئمة . قال أحمد بن أبي يحيى سمعت أحمد بن حنبل يقول: لم أكتب أحاديثه،لأنهم اضطربوا فيها،فقال بعضهم سعد بن سنان،وبعضهم سنان بن سعد . وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: تركت حديثه،لأنه حديث مضطرب،وسمعته يقول: يشبه حديثه حديث الحسن،ولا يشبه أحاديث أنس [2] . وقال السعدي: أحاديثه واهية لا تشبه أحاديث الناس عن أنس . وقال النسائي: منكر الحديث .

وأمَّا من رجَّح الوجه الأول من أسمائه،فلم يتردد في توثيقه وقبوله . فقال أبو بكر بن أبي خيثمة: سئل يحيى بن معين عن سنان بن سعد الذي روى عنه يزيد بن أبي حبيب،فقال: ثقة،وقال العجلي في معرفة الثقات (1/390/564) :"بصرى تابعي ثقة". وذكره ابن حبان في كتاب الثقات (4/336/3210) ،وقال في مشاهير علماء الأمصار (ص122) :"من جلة المصريين". وقال أبو حفص بن شاهين في تاريخ أسماء الثقات (ص104) :"قال أحمد بن صالح: سنان بن سعد ثقة،ليس في قلبي من حديثه شيء،هو من أهل البصرة".

وقال ابن حجر في التقريب: (1/231/2238) :"صدوق له أفراد".

وأما الحافظ الذهبى،فقد أسند في سير الأعلام (8/138) حديثه عن أنس أنَّ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"تَكُونُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ فِتَنٌ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ،يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا،وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا،يَبِيعُ أَقْوَامٌ دِينَهُمْ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا"ثم قال:"هذا الحديث حسنٌ عالٍ،أخرجه الترمذي عن قتيبة،فوافقناه بعلوٍ".

وفيما ذكرناه من النقول عمن وثقه واعتمده،ردٌّ على قوله الخاطئ:"فلا عبرة بتوثيق ابن معين وحده". وفيما قاله الأمير ابن ماكولا في ترجمته (سنان بن سعد الكندي،عن أنس وعن أبيه،روى عنه يزيد بن أبي حبيب ومحمد بن يزيد بن أبي زياد الثقفي - وقيل فيه سعد بن سنان،قال ابن يونس: وسنان بن سعد أصح) [3] ،ردٌّ على الخطأ الثاني:"لا سيما وأن فيه جهالة أو بعض جهالة"!!

فالصواب أن حديثه حسن كما قال الترمذي،وحسنه الألباني في صحيح الجامع (308) والصحيحة (1220) وأشار ابن تيمية إلى صحته أثناء الاحتجاج به -مجموع الفتاوى - (ج 14 / ص 112)

قلت: وللحديث الأول شاهد بنحوه ففي المعجم الكبير للطبراني (11676) حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بن إِسْحَاقَ التُّسْتَرِيُّ،وَجَعْفَرُ بن مُحَمَّدِ بن مَالِكٍ الْفَزَارِيُّ الْكُوفِيُّ،قالا: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بن يَعْقُوبَ الأَسَدِيُّ،حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن مُحَمَّدِ بن عُبَيْدِ اللَّهِ الْعَرْزَمِيُّ،عَنْ شَيْبَانَ،عَنْ قَتَادَةَ،عَنْ عِكْرِمَةَ،عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَسِيلُ وَجْهُهُ دَمًا،فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي اتَّبَعْتُ امْرَأَةً،فَلَقِيَنِي رَجُلٌ فَصَنَعَ بِي مَا تَرَى،فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَيْرًا عَجَّلَ عُقُوبَةَ ذَنْبِهِ فِي الدُّنْيَا،وَإِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ شَرًّا أَمْسَكَ عَلَيْهِ بِذَنَبِهِ حَتَّى يُوافِيَهُ""

وفي صحيح ابن حبان (2911) أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى،قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى،قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ،قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ،قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ،عَنِ الْحَسَنِ،عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُغَفَّلِ،أَنَّ رَجُلًا لَقِيَ امْرَأَةَ كَانَتْ بَغِيًّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ،فَجَعَلَ يُلاَعِبُهَا حَتَّى بَسَطَ يَدَهُ إِلَيْهَا،فَقَالَتْ: مَهْ،فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ بِالشِّرْكِ وَجَاءَ بِالإِسْلاَمِ،فَتَرَكَهَا وَوَلَّى فَجَعَلَ يَلْتَفِتُ خَلْفَهُ وَيَنْظُرُ إِلَيْهَا حَتَّى أَصَابَ وَجْهُهُ حَائِطًا،ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - ،وَالدَّمُ يَسِيلُ عَلَى وَجْهِهِ،فَأَخْبَرَهُ بِالأَمْرِ،فَقَالَ - صلى الله عليه وسلم -: أَنْتَ عَبْدٌ أَرَادَ اللَّهُ بِكَ خَيْرًا ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلاَ إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَيْرًا،عَجَّلَ عُقُوبَةَ ذَنْبِهِ،وَإِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ شَرًّا أَمْسَكَ عَلَيْهِ ذَنْبَهُ،حَتَّى يُوَافِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ عَائِرٌ.

والحديث الثاني كما في مسند أحمد (24340) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ حَدَّثَنِى أَبِى حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِى عَمْرٍو عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيَحْمِى عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ مِنَ الدُّنْيَا وَهُوَ يُحِبُّهُ كَمَا تَحْمُونَ مَرِيضَكُمْ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ تَخَافُونَهُ عَلَيْهِ » . (24341) وَبِهَذَا الإِسْنَادِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « إِنَّ اللَّهَ عَزًّ وَجَلًّ إِذَا أَحَبًّ قَوْمًا ابْتَلاَهُمْ فَمَنْ صَبَرَ فَلَهُ الصَّبْرُ وَمَنْ جَزِعَ فَلَهُ الْجَزَعُ » . وهو في الصحيحة ( 146) وصحيح الجامع ( 1706)

فالحديث يصبح صحيحًا لغيره بهذه الشواهد .

إنَّ الإنسان لا يخلو من خطأ ومعصية وتقصير في الواجب،فإذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا إما بماله أو بأهله أو بنفسه أو بأحد ممن يتصل به .

المهم أن تعجل له العقوبة،لأن العقوبات تكفر السيئات فإذا تعجلت العقوبة وكفر الله بها عن العبد فإن يوافي الله وليس عليه ذنب قد طهرته المصائب والبلايا حتى إنه ليشدد على الإنسان موته لبقاء سيئة أو سيئتين عليه،حتى يخرج من الدنيا نقيا من الذنوب،وهذه نعمة لأن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة .

لكن إذا أراد الله بعبده الشر أمهل له واستدرجه وأدرَّ عليه النعم ودفع عنه النقم حتى يبطر ويفرح فرحًا مذموما بما أنعم الله به عليه .

وحينئذ يلاقي ربه وهو مغمور بسيئاته فيعاقب بها في الآخرة نسأل الله العافية، فإذا رأيت شخصًا يبارز الله بالعصيان وقد وقاه الله البلاء وأدرَّ عليه النعم، فاعلم أنَّ الله إنما أراد به شرًا لأنَّ الله أخَّرَ عنه العقوبة حتى يوافي بها يوم القيامة .

ثم ذكر في هذا الحديث أن عظم الجزاء من عظم البلاء ،يعني أنه كلما عظم البلاء عظم الجزاء فالبلاء السهل له أجر يسير والبلاء الشديد له أجر كبير ؛لأن الله عز وجل ذو فضل على الناس إذا ابتلاهم بالشدائد أعطاهم عليها من الأجر الكبير، وإذا هانت المصائب هان الأجر .

وإن الله إذا أحب قوم ابتلاهم فمن رضى فله الرضى ومن سخط فله السخط ،وهذه بشرى للمؤمن إذا ابتلي بالمصيبة فلا يظن أن الله سبحانه يبغضه؛ بل قد يكون هذا من علامة محبة الله للعبد يبتليه سبحانه بالمصائب ،فإذا رضي الإنسان وصبر واحتسب فله الرضى ،وإن سخط فله السخط .

وفي هذا حث على أن الإنسان يصبر على المصائب، حتى يكتب له الرضى من الله عز وجل ،والله الموفق [4] .

? الإمام النووي رحمه الله إمام جليل،أجمعت الأمة عليه،وقد بلغ الذروة العليا من التقى والورع والعلم .

? كتاب رياض الصالحين من الكتب النافعة والقيمة للإمام النووي رحمه الله،وقد تلقَّته الأمة بالقبول،وأكبَّ عليه العلماء حفظًا ودرسًا وشرحًا .

? ليس أحدٌ من البشر معصومًا غير الأنبياء والمرسلين،فعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: « كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ » [5] .

? يجوز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال بالإجماع،وفي الأحكام عند أكثر أهل العلم إذا لم يوجد في الباب ما هو أقوى منه،ولذا فإن القول بمنع العمل بالحديث - ضعفًا يسيرًا - وتحذير الأمة منه قول مبتدع لا أصل له عند السلف والخلف .

? الأخطاء التي وقع فيها الإمام النووي رحمه الله في كتابه رياض الصالحين،ما هي إلا قطرة من بحر،فلا يجوز الوقوف عندها ولا التشنيع عليه،حيث لا يخلو إنسان من أوهام يقع فيها،وهو مأجور على كلا الحالتين،فعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: « إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ،وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ » [6] .

وهؤلاء الذين يشنِّعون عليه من المعاصرين ولا سيما الذين أفردوا هذه الأحاديث التي زعموا ضعفها وأخذوا يضعونها في مواقع النت محذرين الأمة منها على حدِّ زعمهم،لا يقبل كلامهم،لأنهم مخالفون للسَّلف والخلف بتصرفهم هذا،وليسوا أكثر من حُطَّاب ليل ليس إلا .

? والذين ينكرون على الإمام النووي رحمه الله تصحيحه أو تحسينه لبعض الأحاديث في كتابه هذا ولا تستحق ذلك،قد حسَّنوا وصححوا ما هو دونها بكثير.

? يحرم على طالب العلم ازدراء أهل العلم الأولين،لأننا حسنة من حسناتهم،ونتطفَّلُ على موائدهم،ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: « لَيْسَ مِنْ أُمَّتِى مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرَفْ لِعَالِمِنَا » [7] ،ولقوله تعالى: { وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10) [الحشر/10] } ،وفي هذه الآية دلالة على أنه ينبغي للمسلم أن يذكر سلفه بخير،ويدعو لهم،وأن يحبَّ صحابة رسول الله، - صلى الله عليه وسلم - ،ويذكرهم بخير،ويترضَّى عنهم.

? منهج السلف الصالح في فهم أمور الدين ليس حكرًا على جماعة معينة ، بل كلُّ المسلمين في الأرض يقتدون بالسَّلف الصالح ، ويترضون عليهم ، ومن ثم فإن تخويف الناس بأنه مخالفون لمنهج السلف ، ما هو إلا تهويل ليس له دليل صحيح ، فلن يستأثر أحد بهم دون سائر الناس ، وليس منهجهم محصورًا في كتاب واحد ، ولكن بمثات الكتب الموجودة في جميع أصقاع المعمورة .

? لا يجوز اتهام المخالفين لنا بالرأي - المعتبر- بأنهم خارجون عن السنَّة ،مبتدعون في الدِّين ، وهذا سلاح البطالين ، وذوي الأهواء .

? كثيرٌ ممن يدَّعي نصرة السنَّة النبوية يخالفُ صريح القرآن والسنَّة وإجماع المسلمين الصريح .

? لا يجوز فهم السنَّة النبوية فهما يخالف ما كان عليه جمهور أهل العلم السابقين.

? يحرمُ علينا التسرُّع بالحكم على الحديثِ،ولا سيما الأحاديث التي حكم عليها جهابذة المحدِّثين بحجة التحقيق العلمي المزعوم،فهم أعلم وأتقى منا بكثير .

? يحرمُ الحكمُ على الحديث قبلَ البحث عن سائر طرقه وشواهده،سواء أكانت لفظية أو معنوية،وما قاله أهل الفنِّ السابقين.

? يقوَى الحديثُ الضعيفُ إنْ كان له متابعٌ مثلُه فأكثرُ،أو كان لهُ شاهدٌ بلفظهِ أو معناهُ،أو آيةٌ قرآنيةٌ،أو عمِلَ بهِ كثيرٌ منَ العلماء السابقينَ،أو تلقَّوهُ بالقبولِ ونحو ذلك .." [8] ."

? لا يجوز ردُّ الحديثَ بحجة أنه يخالفُ عقولنا القاصرة،وما ألفناهُ من عادات وتقاليد مخالفة للإسلام .

? لا يجوزُ ردُّ حديثٍ من أحاديث الصحيحين بحجَّة أن صاحبي الصحيح من البشر يمكن أن يقعا في الخطأ والوهم...،وذلك لأن الأمة قد تلقتهما بالقبول،وبحثَ علماء الحديث جميع أحاديثهما سندا ومتنًا،فردُّ أحاديثهما أو بعضها هو خرق للإجماع بلا ريب،وكبيرة من الكبائر يخشى على صاحبها الهلاك،واتباع غير سبيل المؤمنين .

? الجرح والتعديل قائم على غلبة الظنِّ،وليس على القطع واليقين،ومن ثمَّ فقد يخطئ العالم في حكمه على الراوي،قال أبو حاتم الرازي [9] : مَثَلُ معرفة الحديث كمثل فصٍّ ثمنه مئة دينار،وآخر مثله على لونه،ثمنُه عشرة دراهم،قال: وكما لا يتهيأ للناقدِ أنْ يُخبر بسبب نقده،فكذلك نحن رُزقنا علمًا لا يتهيأُ لنا أنْ نُخبِر كيف علمنا بأنَّ هذا حديثٌ كذِبٌ،وأنَّ هذا حديثٌ مُنكرٌ إلا بما نعرفه،قال: وتُعرَفُ جودةُ الدينارِ بالقياسِ إلى غيره،فإنْ تخلف عنه في الحمرة والصَّفاء علم أنَّه مغشوش،ويُعلم جنسُ الجوهر بالقياس إلى غيره،فإنْ خالفه في المائيَّة والصَّلابة،علم أنَّه زجاج،ويُعلَمُ صحةُ الحديث بعدالة ناقليه وأنْ يكون كلامًا يصلح مثلُه أنْ يكون كلامَ النبوّة،ويُعرف سُقمه وإنكاره بتفرُّد من لم تصحَّ عدالته بروايته،والله أعلم.

? الجهابذةُ النقادُ العارفون بعلل الحديث أفرادٌ قليلٌ من أهل الحديث جدًا،وأوَّل من اشتهر بالكلام في نقد الحديث ابنُ سيرين،ثم خلفه أيوبُ السَّختياني،وأخذ ذلك عنه شعبةُ،وأخذ عن شعبة يحيى القطّان وابنُ مهدي،وأخذ عنهما أحمد،وعليُّ بن المديني،وابن معين،وأخذ عنهم مثلُ البخاري وأبي داود وأبي زُرعة وأبي حاتم [10] ،ولما مات أبو زرعة،قال أبو حاتم: ذهب الذي كان يُحسن هذا - يعني: أبا زرعة - ما بقي بمصر ولا بالعراق واحد يحسن هذا [11] . وقيل له بعدَ موت أبي زُرعة: تعرف اليوم أحدًا يعرف هذا ؟ قالَ: لا [12] ،وجاء بعد هؤلاء جماعة،منهم: النَّسائي والعقيلي وابنُ عدي والدارقطني،وقلَّ من جاء بعدهم ممَّن هوَ بارع في معرفة ذَلِكَ حتَّى قالَ أبو الفرج بن الجوزي في أوَّل كتابه"الموضوعات" [13] : قد قلَّ من يفهم هذا بل عُدِمَ،والله أعلم .اهـ

? لا يجوز الحكم على راو معيَّنٍ إلا بعد استيعاب أقوال أهل الجرح والتعديل فيه،ووضع كل قول في مكانه،والموازنة بينها،وفهم مقاصدهم،ثم الحكم عليه،هذا إذا لم يحكم عليه سابقًا بحكم واضحًٍ .

? لا يجوز الاعتماد على الكتب المختصرة في الجرح والتعديل ولا سيما في الحكم على الرواة المختلف فيهم .

? لا يجوز اتباع نهج المتشددين في الجرح والتعديل،ولا نهج المتساهلين كذلك . وخير الأمور الوسط .

? من الأخطاء الفاحشة التي وقع فيها كثير من طلاب العلم المعاصرين،المشتغلين بالسنَّة النبوية،عدم فهمهم لقوانين الرواية والدراية بشكل دقيق،فضعَّفوا كثيرا من الأحاديث التي لا تستحق التضعيف،أو التي صححها أو حسَّنها جهابذة هذا الفنِّ من قبلُ .

? على طالب العلم التحرر من إسار التقليد الأعمى،وضيق الأفق،وليكن رائده قول الله تعالى: { وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100) [التوبة/100،101] }

? يجب أن يعلم أي واحد منا أن الله تعالى سوف يسأله عن كل قول يقوله أو فعل يفعله،فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ،قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ اللَّهَ سَائِلٌ كُلَّ رَاعٍ عَمَّا اسْتَرْعَاهُ،حَفِظَ ذَلِكَ أَمْ ضَيَّعَ،حَتَّى يَسْأَلَ الرَّجُلَ عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ" [14]

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

ـــــــــــــــــ

(1) - وأخرج الأول كذلك أبو يعلى (7/247/4254،4255) ، وابن عدي في الكامل (3/355) ، والدارقطني في مجلس إملاء في رؤية الله تبارك وتعالى (180) من طرق عن ليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن سعد بن سنان به ،وأخرجه الحاكم (4/651) من طريق ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث وابن لهيعة عن سنان بن سعد به

وأخرج الثانى ابن ماجه (4031) ، وأبو يعلى (7/247/4253) ، وابن عدي في الكامل (3/356) ، والدارقطني في مجلس إملاء في رؤية الله تبارك وتعالى (244) ، والقضاعي في مسند الشهاب (1121) ، والبيهقي في شعب الإيمان (7/144/9783) من طرق عن ليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن سعد بن سنان به

وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (7/144/9782) من طريق ابن وهب أخبرني ابن لهيعة وعمرو بن الحارث والليث عن يزيد بن أبي حبيب عن سنان بن سعد به

(2) - موسوعة أقوال الإمام أحمد في الجرح والتعديل - (ج 3 / ص 44)

(3) - الإكمال لابن ماكولا - (ج 3 / ص 116)

(4) - شرح رياض الصالحين لابن عثيمين - (ج 1 / ص 131)

(5) - سنن الترمذى (2687 ) والحاكم (7617 ) وصحيح الجامع (4515) وهو صحيح لغيره

(6) - صحيح البخارى (7352 )

(7) - مسند أحمد (23425) والمستدرك للحاكم (421) والأحاديث المختارة للضياء - (ج 4 / ص 34) (445) وهو صحيح لغيره

(8) - قواعد التحديث للقاسمي- (ج 1 / ص 69) وفتح المغيث بشرح ألفية الحديث- (ج 1 / ص 66) وأصول الحديث 349-350 وتدريب الراوي ص 104 والرسالة للشافعي 461-462 وشرح شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر- (ج 1 / ص 408)

(9) - في"الجرح والتعديل"1/84 ، و"العلل"1/196 .

(10) - انظر: الجرح والتعديل 1/314 .

(11) - ذكره: ابن أبي حاتم في"الجرح والتعديل"1/287 - 288 .

(12) - ذكره: ابن أبي حاتم في"الجرح والتعديل"1/314 .

(13) - الموضوعات 1/31 .

(14) - مسند أبي عوانة (5660 ) صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت