57- (343) عَنْ أَبِى أُسَيْدٍ مَالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ السَّاعِدِىِّ قَالَ بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا جَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِى سَلِمَةَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ بَقِىَ مِنْ بِرِّ أَبَوَىَّ شَىْءٌ أَبَرُّهُمَا بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا قَالَ: « نَعَمِ الصَّلاَةُ عَلَيْهِمَا وَالاِسْتِغْفَارُ لَهُمَا وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِى لاَ تُوصَلُ إِلاَّ بِهِمَا وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا » .رواه أَبُو داود . [1]
أخرجه: أبو داود ( 5142 ) ،وابن ماجه ( 3664 ) ،وإسناده ضعيف لجهالة أحد رواته،وذكره الشيخ الألبانى في سلسلة الأحاديث الضعيفة (597) ،وقال:"هذا إسناد ضعيف،رجاله ثقات كلهم ؛ غير على بن عبيد مولى أبى أسيد الساعدى،لم يوثقه غير ابن حبان،ولم يرو عنه غير ابنه أسيد . وقال الذهبى: (لا يعرف) . وأشار إليه الحافظ بقوله (مقبول) ".
قلت: هو في سنن أبى داود (5144 ) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَهْدِىٍّ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ - الْمَعْنَى - قَالُوا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ أَسِيدِ بْنِ عَلِىِّ بْنِ عُبَيْدٍ مَوْلَى بَنِى سَاعِدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى أُسَيْدٍ مَالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ السَّاعِدِىِّ قَالَ بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا جَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِى سَلِمَةَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ بَقِىَ مِنْ بِرِّ أَبَوَىَّ شَىْءٌ أَبَرُّهُمَا بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا قَالَ: « نَعَمِ الصَّلاَةُ عَلَيْهِمَا وَالاِسْتِغْفَارُ لَهُمَا وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِى لاَ تُوصَلُ إِلاَّ بِهِمَا وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا » . [2]
قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات كلهم ؛ غير علي بن عبيد مولى أبي أسيد الساعدي،تفرد بالرواية عنه ابنه أسيد .
وقد ذكره ابن حبان في الثقات [3] ،وذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل،فلم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا [4] .
وقد قال الحافظ الذهبي في ديوان الضعفاء:"وأما المجهولون من الرواة،فإن كان من كبار التابعين أو أوساطهم ؛ احتمل حديثه وتلقي بحسن الظنِّ ؛إذا سلم من مخالفة الأصول وركاكة الألفاظ".
وعلي بن عبيد مولى أبي أسيد الساعدي ؛ تابعي مدني من أوساط التابعين،وبناءً على قاعدة الذهبى الذهبية فهو ثقة محتجٌّ به،على أن أرجح المذاهب في التابعي المجهول الذي لم يذكر أحد من أهل الجرح والتعديل فيه جرحا ولا تعديلا قبول روايته والاحتجاج بها .
ولهذا قال في الكاشف [5] :"علي بن عبيد عن مولاه أبي أسيد الساعدي وعنه ابنه أسيد . وثق". هذا مع ما سبق تقريره من تناقض القائلين بتضعيف أحاديث المجاهيل الذين لم يُعلم فيهم جرح،وتوَّحد ابن حبان بتوثيقهم،فتارة يحتجون بأحاديثهم مناقضين أنفسهم ومخالفين مذهبهم،وتارة يردون حديثهم !!.
وأما قول ابن حجر عنه في التقريب [6] :"مقبول"،فعلى خلاف ما توهَّمه المتأخرون أنه من ألفاظ التجريح،ومنهم الشيخ الألباني ـ رحمه الله ـ،وقد قاله الحافظ ابن حجر عن جماعة من الثقات الذين احتجَّ بهم الشيخان في الصحيحين،وعدَّتهم مائة وخمسة من الرواة .
وهذه نماذج من الطبقة الثالثة ممن روى له الشيخان أو البخاري أو مسلم،ليكونوا أنموذجًا لمعنى هذا المصطلح عند ابن حجر:
(1) - رافع مولى مروان بن الحكم وبوابه مقبول من الثالثة خ م ت س (1871 )
(2) - عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق التيمي مقبول من الثالثة مات بعد السبعين خ م خد س ق (3425 ) وفي الكاشف (2816) ثقة
(3) - عمر بن عبد الله بن الأرقم الزهري المدني مقبول من الثالثة خ م د س (4927)
(4) - معبد بن كعب بن مالك الأنصاري السلمي بفتحين المدني مقبول من الثالثة خ م خد س ق (6781)
وهؤلاء الأربعة اتفق الشيخان على التخريج لهم جميعا .
(5) - أبو بكر بن عبيد الله بن أبي مليكة التيمي المكي أخو عبد الله مقبول من الثالثة خ (7980 ) وفي الكاشف (6530 ) ثقة
(6) - إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي مقبول من الثالثة خ س ق (205)
(7) - عبيد بن أبي مريم المكي مقبول من الثالثة خ د ت س (4391 )
(8) - عوف بن الحارث بن الطفيل بن سخبرة بفتح المهملة وسكون المعجمة بعدها موحدة مفتوحة الأزدي مقبول من الثالثة خ د س ق (5216)
(9) - نبهان الجمحي مولاهم والد صالح مولى التوءمة مقبول من الثالثة خ (7091 )
(10) - يزيد بن أبي كبشة السكسكي الدمشقي مقبول من الثالثة خ (7765)
وهؤلاء الستة تفرد البخاري بالتخريج لهم في الصحيح .
(11) - أبو بكر بن عمارة بن رويبة براء وموحدة مصغر الثقفي الكوفي مقبول من الثالثة م د س (7983 ) وفي الكاشف ( 6533 ) ثقة
(12) - أبو سعيد مولى المهري مقبول من الثالثة م د ت س (8133) وفي الكاشف ثقة
(13) - أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى القرشي الأسدي مقبول من الثالثة م د س ق (8230) وفي الكاشف ثقة
(14) - أبو عبيدة بن عقبة بن نافع الفهري يقال اسمه مرة مقبول من الثالثة مات سنة سبع ومائة م س (8233 ) وفي الكاشف ثقة
(15) - جعفر بن عمرو بن حريث المخزومي مقبول من الثالثة م د تم س ق (947 ) وفي الكاشف ( 795 ) ثقة
(16) - جعفر ابن أبي ثور واسم أبيه عكرمة وقيل غير ذلك يكنى أبا ثور مقبول من الثالثة م ق (933)
(17) - حبيب الأعور المدني مولى عروة ابن الزبير مقبول من الثالثة مات في حدود الثلاثين ومائة م د س (1112)
(18) - حفص ابن عمر ابن سعد القرظ المدني المؤذن مقبول من الثالثة م د (1413)
(19) - خالد بن غلاق بالغين المعجمة على الصحيح القيسي بالقاف والمهملة أو بالعين المهملة والشين المعجمة مقبول من الثالثة بخ م (1664)
(20) - عامر بن سعد البجلي مقبول من الثالثة م د ت س (3090 ) وفي الكاشف (2530 ) وثق
(21) - عبد الله بن شهاب الخولاني أبو الجزل بفتح الجيم وسكون الزاي كوفي مقبول من الثالثة م (3386)
(22) - عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة بن نوفل الزهري أبو المسور المدني مقبول من الثالثة مات سنة تسعين م (4005 ) وفي الكاشف ( 3311 ) ثقة
(23) - مسلم بن قرظة بفتحات والظاء معجمة الأشجعي ابن أخي عوف ابن مالك مقبول من الثالثة م (6640)
(24) - المنذر بن جرير بن عبد الله البجلي الكوفي مقبول من الثالثة م د س ق (6886) وفي الكاشف ( 5629 ) ثقة
(25) - وهب ابن ربيعة الكوفي مقبول من الثالثة م ت (7476)
(26) - يعقوب ابن عاصم ابن عروة ابن مسعود الثقفي أخو نافع مقبول من الثالثة م د س (7820)
(27) - أبو بكر ابن عمارة ابن رويبة براء وموحدة مصغر الثقفي الكوفي مقبول من الثالثة م د س (7983)
وهؤلاء السبعة عشر تفرد مسلم بالتخريج لهم في الصحيح .
ولعلَّ بعض من يخطئ في تأويل هذا المصطلح"مقبول"يقول: إنما احتجَّ الشيخان بأحاديث هؤلاء المذكورين وغيرهم ممن ذكرت عدتهم في الصحيحين في المتابعات لا في الأصول ؟! .
وأقول: تلك شكاية بادٍ عن العارف المدقق عارُها،ومردود على المتشكي الخليِّ وزرُها،فإن أحاديث الكثيرين من هؤلاء ذكرها الشيخان:
( أولًا ) أصولًا في أبوابها . ( ثانيًا ) أفرادًا لم يُتابع عليها رواتها .
فهل بلغك حديث خالد بن عمير العدوى عن عتبة بن غزوان البصرى ؛ في خطبته عند فتح البصرة،وهو غريب وفرد في بابه،لم يروه عن عتبة بن غزوان غير خالد بن عمير العدوى،أو أتاك نبأ معبد بن كعب بن مالك الأنصارى ؛ في"مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ"فهو غريب تفرد به معبد بن كعب بن مالك الأنصارى عن أبى قتادة،ولم يتابع عليه . ألم يبلغ مسمعك حديث جعفر بن عمرو بن حريث المخزومى عن أبيه،فى"لبس النَّبىِّ - صلى الله عليه وسلم - عمامةً سوداء قد أرخى طرفيها بين كتفيه"،فهو غريب لم يروه عن عمرو بن حريث المخزومي غير ابنه جعفر بن عمرو،ولم يُتابع عليه عن أبيه .
وهذه كلها أحاديث صحاح لا مطعن لأحد فيها،ومخرجة في الصحيحين،على أن رواتها من الموصوفين عند الحافظ ابن حجر بقوله"مقبول"،فهل يعني ذلك أنهم ضعفاء عنده،وأن أحاديثهم في جملة الأحاديث الضعيفة ؟! .
فكيف إذا علمت أن (1535) ألفًا وخمسمائة وخمسة وثلاثين راويًا قد وصفهم الحافظ ابن حجر في التقريب بقوله (مقبول) ،فهل يعني هذا أنهم ضعفاء غير محتجٍّ بأحاديثهم بناءًا على هذا التأويل الخاطئ لهذا المصطلح ؟َ! .
وكيف إذا علمت أن الحافظ الذهبي قد وثق من هؤلاء الرواة (450) أربعمائة وخمسين راويًا تصريحًا بقوله (ثقة) ،أو تلميحًا بقوله (وثق ) ؟! .
ونزيدك إيضاحًا وتبصيرًا،لنصرفك عن تقليد المذاهب الخاطئة ؛ بذكر بعض هذه الأحاديث على وجه التفصيل والبيان:
ففي كتاب الرقاق من صحيح البخاري،قال أبو عبد الله البخارى: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ الأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ فَقَالَ:"مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ"،قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَا الْمُسْتَرِيحُ وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ ؟،قَالَ: الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللهِ،وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلادُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ" [7] ."
قلت: وهذا حديث صحيح غريب ؛ لم يروه عن أبى قتادة غير معبد بن كعب بن مالك الأنصارى السلمي،وقد خرَّجاه في الصحيحين.
ومعبد بن كعب بن مالك الأنصاري ؛ ذكره ابن أبى حاتم الجرح والتعديل [8] ،فلم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا . وقال ابن حجر التقريب [9] :"مقبول من الثالثة"
فقد بان أن معبد بن كعب بن مالك المحتجَّ به في الصحيحين،لم يعرف أبو حاتم الرازى حاله،ووصفه ابن حجر بقوله: مقبول،وتفرد بالرواية عن أبي قتادة،ولم يُتابع . فعلى مذهب من يرى أن المقبول حيث لم يتابع فحديثه ضعيف غير محتج به،فهو ضعيف غير محتج بحديثه . أفلا يعدُّ هذا القول هاهنا شذوذا وخلافًا لأئمة الصحاح والسُّنن الذين تلقَّوا حديثه هذا بالقبول،وأودعوه صحاحهم،وخلافًا لابن حجر نفسه واضع هذا المصطلح !! .
ومن عجب أن الألباني ـ رحمه الله ـ قد خالف أصله هذا في تضعيف حديث المجهول والمقبول الذي لم يتابع،فقد ذكر في صحيحته (401) حديث:"إِذَا قُمْتَ فِي صَلاتِكَ،فَصَلِّ صَلاةَ مُوَدِّعٍ،وَلا تَكَلَّمْ بِكَلامٍ تَعْتَذِرُ مِنْهُ ،وَأَجْمِعِ الْيَأْسَ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ" [10] .
قلت: هذا إسناد رجاله ثقات كلهم ؛ خلا عثمان بن جبير مولى أبى أيوب الأنصارى،فإنه مجهول،لم يرو عنه غير عبد الله بن عثمان بن خثيم،وليس يعرف إلا بهذا الحديث الواحد الفرد،وقال ابن حجر في التقريب: (مقبول) [11] .
وقد أقرَّ الشيخ الألبانيى بذلك كله،فقال:"هذا سند ضعيف لجهالة عثمان بن حبير".
ثم نقض صنيعه هذا،وخالف مذهبه المتشدد في المجاهيل،فصحح حديث عثمان بن جبير المجهول الحال،فقال:"لكن كون الحديث من أوجز الكلمات وأجمعها للحكمة يدلُّ على ثبوته" ؟ .
إذن فعدالة الرواة أو جهالتهم ـ عند الألباني ـ ليست كافيةً وحدها للحكم على الأحاديث بالصحَّة أو الضعف ؛ حتى ينضاف إليها اعتباراتٌ تتعلق بالنظر في متونها وموافقتها أو مخالفتها للأصول،فهلا فعل كذلك في سائر المجاهيل- الذين قال عنهم الحافظ ابن حجر مقبولون-،وإلا فهو مناقض لمذهبه،وطريقته في التضعيف،ولا ينضبط له أصل في هذا الباب !! .
ثم أليس هذا بعض معنى قول الحافظ الذهبي:"وأما المجهولون من الرواة،فإن كان من كبار التابعين أو أوساطهم ؛ احتملَ حديثهُ وتلقِّيَ بحسنِ الظنِّ ؛ إذا سلم من مخالفة الأصول وركاكة الألفاظ".
فإذا تقرر هذا،وبانت دلالتُه،ووضحت حجَّتُه،فقد وجب على الكثيرين ممن يقلدون هذا المذهب الخاطئ في تأويل معنى قول ابن حجر عن الراوي"مقبول"؛ أن يراجعوا أنفسهم عن القول بتضعيف الكثير من الأحاديث - والتي حسنها أو صححها أكثر أهل العلم السابقين -؛ حيث لا حجَّة على تضعيفها إلا وصف الراوي بكونه مقبول ؛ ولم يتابع !! .
ولو نظرنا إلى واقع هؤلاء من خلال عمل الحافظ ابن حجر نفسه لرأينا أنه قد صحح أو حسَّن لهم في التلخيص الحبير وفتح الباري والنكت على ابن الصلاح.
هذا وقد قمت بمقارنة كلامه عن هؤلاء الرواة الذين قال عنهم مقبول فوجدت أن أكثر من (95) خمسة وتسعين بالمائة يدور حديثهم بين الصحة والحسن ومن النادر جدا الضعف اليسير . [12]
مِنْ مَعَانِي الْبِرِّ فِي اللُّغَةِ: الْخَيْرُ وَالْفَضْل وَالصِّدْقُ وَالطَّاعَةُ وَالصَّلاَحُ [14]
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: يُطْلَقُ فِي الأَْغْلَبِ عَلَى الإِْحْسَانِ بِالْقَوْل اللَّيِّنِ اللَّطِيفِ الدَّال عَلَى الرِّفْقِ وَالْمَحَبَّةِ،وَتَجَنُّبِ غَلِيظِ الْقَوْل الْمُوجِبِ لِلنُّفْرَةِ،وَاقْتِرَانِ ذَلِكَ بِالشَّفَقَةِ وَالْعَطْفِ وَالتَّوَدُّدِ وَالإِْحْسَانِ بِالْمَال وَغَيْرِهِ مِنَ الأَْفْعَال الصَّالِحَاتِ . [15] وَالأَْبَوَانِ: هُمَا الأَْبُ وَالأُْمُّ . [16]
وَيَشْمَل لَفْظُ ( الأَْبَوَيْنِ ) الأَْجْدَادَ وَالْجَدَّاتِ . [17] قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَالأَْجْدَادُ آبَاءٌ،وَالْجَدَّاتُ أُمَّهَاتٌ،فَلاَ يَغْزُو الْمَرْءُ إِلاَّ بِإِذْنِهِمْ،وَلاَ أَعْلَمُ دَلاَلَةً تُوجِبُ ذَلِكَ لِغَيْرِهِمْ مِنَ الإِْخْوَةِ وَسَائِرِ الْقَرَابَاتِ . [18]
وقد اهْتَمَّ الإِْسْلاَمُ بِالْوَالِدَيْنِ اهْتِمَامًا بَالِغًا . وَجَعَل طَاعَتَهُمَا وَالْبِرَّ بِهِمَا مِنْ أَفْضَل الْقُرُبَاتِ . وَنَهَى عَنْ عُقُوقِهِمَا وَشَدَّدَ فِي ذَلِكَ غَايَةَ التَّشْدِيدِ . كَمَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: { وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24) [الإسراء/23،24] } ،فَقَدْ أَمَرَ سُبْحَانَهُ بِعِبَادَتِهِ وَتَوْحِيدِهِ وَجَعَل بِرَّ الْوَالِدَيْنِ مَقْرُونًا بِذَلِكَ،وَالْقَضَاءُ هُنَا: بِمَعْنَى الأَْمْرِ وَالإِْلْزَامِ وَالْوُجُوبِ .
كَمَا قَرَنَ شُكْرَهُمَا بِشُكْرِهِ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} (14) سورة لقمان. فَالشُّكْرُ لِلَّهِ عَلَى نِعْمَةِ الإِْيمَانِ،وَلِلْوَالِدَيْنِ عَلَى نِعْمَةِ التَّرْبِيَةِ . وَقَال سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: مَنْ صَلَّى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فَقَدْ شَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى،وَمَنْ دَعَا لِوَالِدَيْهِ فِي أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ فَقَدْ شَكَرَهُمَا .
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَال: سَأَلْتُ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - أَىُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ قَالَ « الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا » . قَالَ ثُمَّ أَىُّ قَالَ « ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ » . قَالَ ثُمَّ أَىُّ قَالَ « الْجِهَادُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ » . قَالَ حَدَّثَنِى بِهِنَّ وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِى [19] . فَأَخْبَرَ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّ بِرَّ الْوَالِدَيْنِ أَفْضَل الأَْعْمَال بَعْدَ الصَّلاَةِ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ دَعَائِمِ الإِْسْلاَمِ . [20]
وَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ بِرَّ الْوَالِدَيْنِ عَلَى الْجِهَادِ ؛ لأَِنَّ بِرَّهُمَا فَرْضُ عَيْنٍ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْقِيَامُ بِهِ،وَلاَ يَنُوبُ عَنْهُ فِيهِ غَيْرُهُ . فعَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى،قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ،فَقَالَ: إِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أَغْزُوَ،وَإِنَّ أَبَوِيَّ يَمْنَعَانِي ؟ قَالَ: أَطِعْ أَبَوَيْك وَاجْلِسْ،فَإِنَّ الرُّومَ سَتَجِدُ مَنْ يَغْزُوهَا غَيْرُك. [21] .
(1) - قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمَوْصُول لَيْسَ بِصِفَةٍ لِلْمُضَافِ إِلَيْهِ بَلْ لِلْمُضَافِ أَيْ الصِّلَة الْمَوْصُوفَة فَإِنَّهَا خَالِصَة بِحَقِّهِمَا وَرِضَاهُمَا لَا لِأَمْرٍ آخَر وَنَحْوه . قُلْت: يَرْجِع الْمَعْنَى إِلَى الْأَوَّل فَتَدَبَّرْ اِنْتَهَى . قَالَ فِي مِرْقَاة الصُّعُود: وَلَفْظ الْبَيْهَقِيِّ وَصِلَة رَحِمهمَا الَّتِي لَا رَحِم لَك إِلَّا مِنْ قِبَلهمَا فَقَالَ مَا أَكْثَر هَذَا وَأَطْيَبه يَا رَسُول اللَّه قَالَ فَاعْمَلْ بِهِ فَإِنَّهُ يَصِل إِلَيْهِمَا .عون المعبود - (ج 11 / ص 182)
(2) - المستدرك للحاكم (7260) وقال:هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الإِسْنَادِ ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ ،تعليق الحافظ الذهبي في التلخيص: صحيح،وقال الذهبي في تاريخ الإسلام - (ج 3 / ص 313) وهذا حديث صالح الإسناد،وأخرجه أحمد (3/497) ، والبخاري في الأدب المفرد (35) ، وابن ماجه (3664) ، والروياني في المسند (1460) ، وابن حبان (419) في صحيحه، والطبراني في الكبير (19/267/592) ، والخطيب في موضح الأوهام (1/76،77) جميعا من طريق أسيد بن علي بن عبيد عن أبيه علي بن عبيد مولى أبي أسيد عن أبي أسيد الساعدى مرفوعًا .
(3) - الثقات (5/166/4396)
(4) - الجرح والتعديل (6/195/1072)
(5) - الكاشف: (2/44/3943)
(6) - تقريب التهذيب [ ج 1 -ص 403 ] (4767 )
(7) - وأخرجه كذلك مالك الموطأ (1/239. تنوير الحوالك ) ، وعبد الرزاق المصنف (3/443/6254) ، وأحمد (5/304،302،296) ، وعبد بن حميد (193) ، ومسلم (7/20. نووي ) ، والنسائي الكبرى (1/628/2057) والمجتبى (4/48) ، وابن حبان (3001) ، وأبو نعيم المسند المستخرج (3/33/2128،2127) و حلية الأولياء ( 6/336) ، والبيهقي في السنن الكبرى (3/279) و شعب الإيمان (7/9/9264) ، وابن عبد البر في التمهيد (13/62) ، والمزي في تهذيب الكمال (28/237) من طرق عن معبد بن كعب بن مالك الأنصارى عن أبي قتادة الأنصاري به .
(8) - الجرح والتعديل (8/279/1279)
(9) - التقريب (1/539/6781)
(10) - أخرجه أحمد (5/412) ، وابن ماجه (4117) ، والطبراني في الكبير (4/154/3987) ، وأبو نعيم في الحلية (1/462) ، والبيهقي في الزهد الكبير (2/87/102) ، والمزي في تهذيب الكمال (19/346) من طرق عن عبد الله بن عثمان بن خثيم حدثني عثمان بن جبير مولى أبي أيوب عن أبي أيوب الأنصارى قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله علمني وأوجز؟ ، فقال: فذكره .
(11) - تقريب التهذيب [ ج 1 -ص 382 ] (4453 )
(12) - انظر كتابي الحافظ ابن حجر ومنهجه في تقريب التهذيب - المرتبة السادسة ( المقبول) ، والمنهج المأمول ببيان معنى قول ابن حجر مقبول لأبي محمد الألفي ، وانظر كتاب منهج دراسة الأسانيد والحكم عليها للعاني ص 52-84
(13) - الموسوعة الفقهية الكويتية - (ج 8 / ص 63- 73) و انظر فتاوى الأزهر - (ج 8 / ص 307) وضع الطعام مع الميت وفتاوى الأزهر - (ج 8 / ص 315) صلة الأحياء بالأموات ومجموع فتاوى و مقالات ابن باز - (ج 8 / ص 305) إهداء بعض أعمال الخير للميت،فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 3 / ص 331) رقم الفتوى 10602 ما ينبغي فعله للوالدين بعد وفاتهما وفتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 3 / ص 5249) رقم الفتوى 18806 كيف يبر الأبناء آباءهم بعد موتهم؟ وفتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 4 / ص 2788) رقم الفتوى 22777 كيف تبرُّ أبويك بعد وفاتهما،وفتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 4 / ص 5308) رقم الفتوى 25252 كيف يبر أبويه من كان عاقًا لهما في حياتهما وفتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 4 / ص 6097) رقم الفتوى 25972 الهدي النبوي في بر الأبوين بعد موتهما وفتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 6 / ص 3195) رقم الفتوى 44341 من بر الوالدين بعد موتهما الدعاء لهما وفتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 8 / ص 1095) رقم الفتوى 51370 سبل بر الآباء بعد موتهم،فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 9 / ص 4855) رقم الفتوى 65825 تنفذ الوصية مالم تكن بإثم أو قطيعة رحم وفتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 9 / ص 5706) رقم الفتوى 66807 صور من بر الأبوين بعد موتهما وموسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 176) بر الوالدين وموسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 661) البر بالوالدين والعقوق
(14) - لسان العرب ، والمصباح المنير ، الصحاح مادة"برر"، والكليات لأبي البقاء 1 / 398 ط دمشق ، وزارة الثقافة 1974
(15) - الفواكه الدواني على رسالة القيرواني 2 / 382 ـ 383 ، والزواجر عن اقتراف الكبائر للهيثمي 2 / 66 ط دار المعرفة ببيروت
(16) - لسان العرب ، والصحاح 1 / 5
(17) - حاشية ابن عابدين 3 / 220 ( التعليق على قول الشارح له أبوان ) ، وتبيين الحقائق شرح كنز الدقائق 3 / 242 ، والمهذب في فقه الإمام الشافعي 2 / 230 ، وتحفة المحتاج بشرح المنهاج 9 / 232ـ 233 ومطالب أولي النهى 2 / 513
(18) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 10 / 241 .
(19) - صحيح البخارى (527 )
(20) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 10 / 237ـ 238 .
(21) - مصنف ابن أبي شيبة (ج 12 / ص 474) (34144) صحيح ، وانظر المهذب في فقه الإمام الشافعي 2 / 230 .