68 - ( 990) - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا سَافَرَ فَأَقْبَلَ اللَّيْلُ قَالَ: « يَا أَرْضُ رَبِّى وَرَبُّكِ اللَّهُ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّكِ وَشَرِّ مَا فِيكِ وَشَرِّ مَا خُلِقَ فِيكِ وَمِنْ شَرِّ مَا يَدِبُّ عَلَيْكِ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ أَسَدٍ وَأَسْوَدَ وَمِنَ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ وَمِنْ سَاكِنِ الْبَلَدِ وَمِنْ وَالِدٍ وَمَا وَلَدَ » .". رواه أبو داود"
وَ الأَسْوَدُ: الشَّخْصُ،قَالَ الخَطَّابِيُّ: وَ سَاكِنُ البَلَدِ: هُمُ الجِنُّ الَّذِينَ هُمْ سُكَّانُ الأرْضِ . قَالَ: وَالبَلَد مِنَ الأرْضِ: مَا كَانَ مَأْوَى الحَيَوانِ،وَإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ بِنَاءٌ وَمَنَازلُ . قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أنَّ المُرَادَ: بِالوَالِدِ إبليسُ: وَمَا وَلَدَ: الشَّيَاطِينُ .
قال الألباني: قلت: الحديث في إسناده جهالة وإن صححه الحاكم والذهبي وحسنه العسقلاني فانظر ( الضعيفة ) رقم ( 4837 ) [ 382 ]
قلت: هو في سنن أبى داود (2605 ) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ حَدَّثَنِى صَفْوَانُ حَدَّثَنِى شُرَيْحُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا سَافَرَ فَأَقْبَلَ اللَّيْلُ قَالَ: « يَا أَرْضُ رَبِّى وَرَبُّكِ اللَّهُ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّكِ وَشَرِّ مَا فِيكِ وَشَرِّ مَا خُلِقَ فِيكِ وَمِنْ شَرِّ مَا يَدِبُّ عَلَيْكِ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ أَسَدٍ وَأَسْوَدَ وَمِنَ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ وَمِنْ سَاكِنِ الْبَلَدِ وَمِنْ وَالِدٍ وَمَا وَلَدَ » . [1]
وقال أبو عبد الله الحاكم:"صحيح الإسناد ولم يخرجاه"،وأقرَّه الذهبى .
وهو كما قالا،فهذا إسناد رجاله كلهم ثقات،بقية بن الوليد فمن فوقه،وقد صرَّح بقية بالسماع من صفوان بن عمرو أبى عمرو السكسكي الحمصى الثبت الحجة المتقن،وتابعه: أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج الحمصي . والزبير بن الوليد شامي ؛ تفرد بالرواية عنه شريح بن عبيد الحمصي الشامي .
وقد ذكره ابن حبان في الثقات (4/261) . وقال الذهبي في الكاشف (1/402/1628) :"ثقة". وأما قول الحافظ ابن حجر في التقريب (1/214/2006) عنه:"مقبول من الرابعة"،فهو كقوله عن ثلاثة ممن أخرج لهم نجم الأئمة مالك بن أنس في موطئه:
(1) عمران الأنصاري،والد محمد بن عمران (5176) .
(2) عمرو بن رافع القرشي العدوى،مولى عمر بن الخطاب (5029) .
(3) المسور بن رفاعة بن أبى مالك القرظى المدنى،ابن أخى ثعلبة بن أبى مالك (6670)
وعن ثلاثةٍ ممن أخرج لهم البخاري في صحيحه:
(1) عطاء أبو الحسن السوائي الكوفي (4608) .
(2) القاسم بن عاصم التميمي البصري (5465) .
(3) أبو يزيد المدني،نزيل البصرة (8452) .
وعن أربعة عشر ممن أخرج لهم مسلم في صحيحه:
(1) سالم بن أبي سالم سفيان بن هانىء الجيشاني المصري (2173) .
(2) صهيب أبو الصهباء البكري البصري،مولى ابن عباس (2956) .
(3) عبد الله بن عمرو بن عبدٍ القارى،ابن أخى عبد الرحمن بن عبدٍ (3500) .
(4) عبد الله بن واقد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب،القرشى العدوي العمري (3685)
(5) عبد الرحمن بن عبد الله كيسان المازني أبو حمزة البصري،جار شعبة، ( 3930)
(6) مسلم بن هيصم العبدي (6650) .
(7) مسلم بن يسار المصري،أبو عثمان الطنبذي (6653) .
(8) موسى بن سعد بن زيد بن ثابت الأنصاري المدني (6965) .
(9) أبو سعيد مولى عبد الله بن عامر بن كريز الخزاعى (8132) .
(10) أبو الحسن مولى بني نوفل (8049)
(11) أبو شمر الضبعي البصري (8162) .
(12) أبو عيسى الأسواري البصري (8294) .
(13) أبو الوليد المكي عن جابر هو سعيد ابن مينا وقيل يسار ابن عبدالرحمن (8438)
(14) أبو يحيى مولى آل جعدة بن هبيرة المخزومى (8447) .
فهؤلاء عشرون نفسًا من الثقات الذين احتج بهم مالك والشيخان،وصفهم جميعًا الحافظ ابن حجر في التقريب بقوله"مقبول من الرابعة".
وإنما أوردتهم هاهنا كأمثلة لرجالات هذه الطبقة [2] - يعني صغار أوساط التابعين - عند الحافظ ابن حجر،للدلالة على أن المقبول من مراتب التوثيق والتعديل،وليس كما يفهم كثير من المتأخرين،فليتنبه ! .
ولا يذهبن عنك ما ذكرناه آنفًا بقولنا: فكيف إذا علمت أن (1535) ألفًا وخمسمائة وخمسة وثلاثين راويًا قد وصفهم ابن حجر في التقريب بقوله (مقبول) ،فهل يعنى هذا أنهم ضعفاء غير محتج بأحاديثهم بناءًا على التأويل الخاطئ لهذا المصطلح ؟َ!
وكيف إذا علمت أن الحافظ الذهبي قد وثق من هؤلاء الرواة (450) أربعمائة وخمسين راويًا تصريحًا بقوله (ثقة) ،أو تلميحًا بقوله (وثق) ؟! .
وقد حسَّن البخارى،بل وصحَّح الكثير من الأحاديث لجماعة من الرواة الذين يترجم لهم الحافظ ابن حجر بقوله عنهم (مقبول) ،بل هذا مذهب كثير من أئمة النقد والتحقيق.
والخلاصة فإن قول الحافظ ابن حجر: (مقبول) على خلاف ما توهمه المتأخرون أنه من ألفاظ التجريح،لا سيما وقد قاله عن جماعة من الثقات الذين احتجَّ بهم الشيخان في (الصحيحين) ،وعدَّتهم مائة وخمس من الرواة.
القول الفصل
في الرواة المسكوت عنهم
أقول: لقد تبين لديَّ بالاستقراء أنَّ كلَّ راوٍ سكتَ عليه الإمامُ البخاري في التاريخ وآبو حاتم الرازي في الجرح والتعديل،وقال عنه الإمام الذهبي وُثِّقَ أو الحافظ ابن حجر (مقبول ) أو كانوا من الطبقة الثالثة حتى السادسة ممن قيل فيه مجهول الحال أو مستور ، فحديثه حسنٌ إن شاءَ اللهُ تعالى إذا لم يخالف أو ينكر عليه.
وهو الذي يحِّسنُ له عادة الإمام الترمذي أو يصحح له ابن حبان أو ابن خزيمة أو الحاكم في المستدرك،ويحسِّنُ له الإمام المنذري في الترغيب والترهيب أو الإمام الهيثمي في مجمع الزوائد أو الحافظ العراقي في تخريج أحاديث الإحياء،وهو عادة يكون من الرواة المقلين،فليس له سوى حديث أو حديثين،وغالب هؤلاء في التابعين .
وقد غفل عن هذه القاعدة أكثر الباحثين اليوم،فتراهم من كان بهذه الشاكلة يضعفون حديثه،فكم من حديث حسنه أو صححه الأقدمون بناء على هذه القاعدة فجاء المعاصرون فضعَّفوه،وذلك لعدم فهمهم هذه القاعدة،التي جرى عليها العمل في الجرح والتعديل .
قال الشيخ العلامة عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله في تعليقه على كتاب الرفع والتكميل في الجرح والتعديل للكنوي رحمه الله:
"وعلى هذا، فيكون اعتبار السكوت من باب التعديل أولى من اعتباره من باب التجهيل،وهو الذي مشى عليه جمهور كبار الجهابذة المتأخرين ."
وفي كتاب الجرح والتعديل":باب في رواية الثقة عن غير المطعون عليه أنها تقويه،وعن المطعون عليه أنها لا تقويه حدثنا عبد الرحمن قال سألت أبي عن رواية الثقات عن رجل غير ثقة مما يقويه ؟ قال إذا كان معروفًا بالضعف لم تقوه روايته عنه وإذا كان مجهولا نفعه رواية الثقة عنه."
حدثنا عبد الرحمن قال سألت أبا زرعة عن رواية الثقات عن رجل مما يقوي حديثه ؟ قال أي لعمري،قلت: الكلبي روى عنه الثوري،قال إنما ذلك إذا لم يتكلم فيه العلماء،وكان الكلبي يُتكلَّمُ فيه،والتعجب فتعلقوا عنه روايته [3] .
فهذا نصٌّ في أن الثقة إذا روى عن رجلٍ لم يضعَّف،نفعه ذلك،فسكوت البخاري ِّ وابن أبي حاتم وغيرهما يدلُّ على تقوية الرجل إذا روى عنه الثقة،ولذلك يقول ابن حجر مرارًا: إنَّ البخاريَّ أو ابن أبي حاتمَ ذكره وسكت عليه،أو لم يذكر فيه جرحًا .
وخالف الجمهور في ذلك: الحافظُ ابن القطان أبو الحسن علي بن محمد الفاسي المغربي،المشهور بابن القطان المتوفى سنة 628 هـ رحمه الله،فاعتبر سكوت أحد هؤلاء الحفاظ النقاد عن الراوي تجهيلًا لهُ !!
وابن القطان هذا معروف بتعنته وتشدده في الرجال،كما ذكر ذلك الإمام الذهبي في مواضع من كتبه،منها في ترجمته في تذكرة الحفاظ 4/1407،ومنها في ترجمته في تاريخ الإسلام كما نقله الدكتور عواد بشار معروف في كتابه الذهبي ومنهجه في كتابه تاريخ الإسلام ص 173،ومنها في الميزان 4/301 في ترجمة (هشام بن عروة ) ونكَّتَ عليه فيه،وعاب تشدده وخلْطهُ الأئمة الأثبات بالضعفاء والمخلِّطين
وفي نصب الراية:"حَدِيثٌ فِي النَّهْيِ عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْجِلْدِ: أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي"سُنَنِهِ"عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِى إِسْحَاقَ الأَنْصَارِىِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - مِنَ الأَنْصَارِ أَخْبَرَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ نَهَى أَنْ يَسْتَطِيبَ أَحَدٌ بِعَظْمٍ أَوْ رَوْثٍ أَوْ جِلْدٍ..اهـ [4] "
قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: لَا يَصِحُّ ذِكْرُ الْجِلْدِ انْتَهَى .
قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي"كِتَابِهِ"وَعِلَّتُهُ الْجَهْلُ بِحَالِ مُوسَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ،قَالَ: وَذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ،وَلَمْ يُعَرِّفْ مِنْ أَمْرِهِ بِشَيْءٍ،فَهُوَ عِنْدَهُ مَجْهُولٌ،وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَيْضًا مَجْهُولٌ،قَالَ: وَهُوَ أَيْضًا مُرْسَلٌ ؛ لِأَنَّهُ عَمَّنْ لَمْ يُسَمِّ مِمَّنْ يَذْكُرُ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ رَأَى أَوْ سَمِعَ،وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ لِأَحَدِهِمْ التَّابِعِيُّ الرَّاوِي عَنْهُ بِالصُّحْبَةِ انْتَهَى كَلَامُهُ [5] .
وفي نصب الراية: "قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي"كِتَابِهِ": كُلُّ مَنْ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ مَعْرُوفٌ إلَّا مُحَمَّدَ بْنَ الْحُصَيْنِ فَإِنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ،وَمَجْهُولُ الْحَالِ،وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ الْمُقَدَّمِيُّ ."
والدراوردي يَقُولَانِ: عَنْ قُدَامَةَ بْنِ مُوسَى عَنْ أَيُّوبَ بْنِ الْحُصَيْنِ وَقَالَ عثمان ابن عُمَرَ أَنْبَأَ قُدَامَةُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي حَنْظَلَةَ،وَذَكَرَ هَذَا الِاخْتِلَافَ الْبُخَارِيُّ،وَلَمْ يُعْرَفْ هُوَ،وَلَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَالِهِ بِشَيْءٍ،فَهُوَ عِنْدَهُمَا مَجْهُولٌ انْتَهَى كَلَامُهُ [6] .
وقد حمَّل ابنُ القطان البخاريُّ وابن أبي حاتم ما لم يقولاه،أما البخاري فإنه ما نصَّ على شيء في حكم سكوته عن الراوي،فمن أين أضاف إليه: ( فهو عنده مجهول ) ؟
والعلماء الحفاظُ الجهابذة مثلُ المجد ابن تيمية والمنذري والذهبي وابن القيم وابن عبد الهادي والزيلعي وابن كثير والزركشي والهيثمي وابن حجر وغيرهم ... فهموا من تتبع صنيع البخاري وعادته ودراسة أحكامه في الرجال: أن من سكت عنه لا يعدُّ مجروحًا،ولا مجهولًا،فقول ابن القطان بأنَّ من سكت عنه البخاري (فهو مجهول ) تقويلٌ وتحميلٌ غير سائغٍ .
وأما ابن أبي حاتم فإنه قال: على أنا قد ذكرنا أسامي كثيرة مهملة من الجرح والتعديل كتبناها ليشتمل الكتابُ على كلِّ من رويَ عنه العلمُ،رجاءَ وجودِ الجرحِ والتعديل فيهم،فنحن ملحقوها بهم إن شاءَ اللهُ تعالى) اهـ [7]
والجهالة جرحٌ بلا ريبٍ،فلا يصحُّ لابن القطان رحمه الله أن يضيفه إلى ابن أبي حاتم فيقول: ( فهو عنده مجهول ) ،فإن ابن أبي حاتم قال: ( رجاء وجود الجرح فيهم ) فابن أبي حاتم لم يجعل توقفه فيمن توقف فيه ( جرحًا) له،فجعل ابن القطان هذا التوقف ( جرحًا ) عند ابن أبي حاتم: تقويلٌ له ما لم يقلْه.
يضافُ إلى ذلك أن ابن أبي حاتم أو والده،حين يصرح أحدهما في حكمه على الراوي بقوله ( مجهول) فقد جزمَ بجهالته عنده،وأما حين يسكت عن الراوي فإنه لم يجزم بجهالته،فكيف يجعلُ ابنُ القطان سكوتَ أحدهما عن الراوي مثل تصريحه،ولا نصَّ عنهما في ذلك ؟ فهذا منه رحمه الله تعالى تقويلٌ لهما ما لم يقولاهُ .واضطرب فيها مسلك الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله في هذه المسألة،فمشى مرةً على نحو مسلك ابن القطان،ومرةَ على مسلك الجمهور:
قال الزيلعي رحمه الله:"أَخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ فِي"الْكَامِلِ"عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ سَعْدٍ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ { أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَمَرَ بِلَالًا أَنْ يُدْخِلَ إصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ،وَقَالَ: إنَّهُ أَرْفَعُ لِصَوْتِك،وَأَنَّ أَذَانَ بِلَالٍ كَانَ مَثْنَى مَثْنَى،وَإِقَامَتَهُ مُفْرَدَةٌ،قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ مَرَّةً وَاحِدَةً } [8] ،قَالَ ( يعني ابن دقيق العيد) فِي"الْإِمَامِ": وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ عَدِيٍّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ هَذَا بِجَرْحٍ وَلَا تَعْدِيلٍ،فَهُوَ مَجْهُولٌ عِنْدَهُ،وَأَمَّا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فَذَكَرَ تَضْعِيفَهُ،وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ هَذَا وَأَبُوهُ وَجَدُّهُ كُلُّهُمْ لَا يُعْرَفُ لَهُمْ حَالٌ،انْتَهَى . [9] "
ويقال في الردِّ عليه ما قيل على ابن القطان .
وقال أيضا كما في نصب الراية:"قَالَ الشَّيْخُ فِي"الْإِمَامِ": وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ أَبُو عَبْدِ الصَّمَدِ الْعَمِّيُّ حَدَّثَ عَنْهُ أَحْمَدُ وَقَالَ: كَانَ ثِقَةً،وَوَثَّقَهُ أَبُو زُرْعَةَ أَيْضًا،وَذَكَرَهُ ابْنُ حبان فِي"الثِّقَاتِ"أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ،وَرَوَى لَهُ فِي"صَحِيحِهِ"،وَيُوسُفُ بْنُ الزُّبَيْرِ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ غَيْرِ جَرْحٍ وَلَا تَعْدِيلٍ،وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ." [10]
وهذا الحديث نفسه أورده الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد 3/282 وقال: رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجاله ثقات اهـ
وهذا يدلُّ على أن سكوت ابن أبي حاتم ليس جرحًا ولا جهالة عند الحافظ الهيمثي،فلذا قال في هذا الحديث (ورجاله ثقات) فمن سكت عليه ابنُ أبي حاتم - ومثله البخاري ...- يعدُّ ثقةً عند الحافظ الهيثمي رحمه الله .
ولكن ابن دقيق العيد رحمه الله له أقوال تدلُّ على أخذه بمذهب الجمهور،فقد ذهب إلى أن خلوَّ كتب الضعفاء - ومنها الكامل لابن عديٍّ -عن ذكر الراوي المذكور بالرواية: يقتضي توثيقه،فقد جاء في نصب الراية:" { حَدِيثٌ آخَرُ } : أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي"مُسْتَدْرَكِهِ"عَنْ تَلِيدٍ الرُّعَيْنِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ دَاوُدَ الْحَرَّانِيُّ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، وَثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ: إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ فَلْيُصَلِّ فِيهِمَا ، وَلْيَمْسَحْ عَلَيْهَا ، ثُمَّ لاَ يَخْلَعْهُمَا إِنْ شَاءَ إِلاَّ مِنْ جَنَابَةٍ".
قَالَ الْحَاكِمُ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ ، وَعَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ دَاوُدَ ثِقَةٌ غَيْرَ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَ أَهْلِ الْبَصْرَةِ عَنْ حَمَّادٍ انْتَهَى [11] .
وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي"سُنَنِهِ"سنن الدارقطنى (793 ) حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ صَاعِدٍ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ زُيَيْدِ بْنِ الصَّلْتِ قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ رضى الله عنه يَقُولُ إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ فَلْيَمْسَحْ عَلَيْهِمَا وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا وَلاَ يَخْلَعْهُمَا إِنْ شَاءَ إِلاَّ مِنْ جَنَابَةٍ. ،قَالَ صَاحِبُ"التَّنْقِيحِ": إسْنَادُهُ قَوِيٌّ،وَأَسَدُ بْنُ مُوسَى صَدُوقٌ،وَثَّقَهُ النَّسَائِيّ وَغَيْرُهُ انْتَهَى .
وَلَمْ يُعِلَّهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي"التَّحْقِيقِ"بِشَيْءٍ،وَإِنَّمَا قَالَ: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مُدَّةِ الثَّلَاثِ،قَالَ الشَّيْخُ فِي"الْإِمَامِ"قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: هَذَا مِمَّنْ انْفَرَدَ بِهِ أَسَدُ بْنُ مُوسَى عَنْ حَمَّادٍ،وَأَسَدُ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ لَا يُحْتَجُّ بِهِ،قَالَ الشَّيْخُ: وَهَذَا مَدْخُولٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: عَدَمُ تَفَرُّدِ أَسَدٍ بِهِ،كَمَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ عَنْ عَبْدِ الْغَفَّارِ ثَنَا حَمَّادٌ .
الثَّانِي: أَنَّ أَسَدًا ثِقَةٌ،وَلَمْ يُرَ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الضُّعَفَاءِ لَهُ ذِكْرٌ،وَقَدْ شَرَطَ ابْنُ عَدِيٍّ أَنْ يَذْكُرَ فِي"كِتَابِهِ"كُلَّ مَنْ تُكُلِّمَ فِيهِ،وَذَكَرَ فِيهِ جَمَاعَةً مِنْ الْأَكَابِرِ وَالْحُفَّاظِ،وَلَمْ يَذْكُرْ أَسَدًا،وَهَذَا يَقْتَضِي تَوْثِيقَهُ،وَنَقَلَ ابْنُ الْقَطَّانِ تَوْثِيقَهُ عَنْ الْبَزَّارِ،وَعَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْكُوفِيِّ" [12] "
ومثل ذلك قول الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسيره حيث قال عقب روايته لقصة هاروت وماروت - والتي لا يصح رفعها بحال- قال:"وَهَذَا حَدِيث غَرِيب مِنْ هَذَا الْوَجْه وَرِجَاله كُلّهمْ ثِقَات مِنْ رِجَال الصَّحِيحَيْنِ إِلَّا مُوسَى بْن جُبَيْر هَذَا وَهُوَ الْأَنْصَارِيّ السُّلَمِيّ مَوْلَاهُمْ الْمَدِينِيّ الْحَذَّاء وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَأَبِي أُمَامَة بْن سَهْل بْن حُنَيْف وَنَافِع وَعَبْد اللَّه بْن كَعْب بْن مَالِك وَرَوَى عَنْهُ اِبْنه عَبْد السَّلَام وَبَكْر بْن مُضَر وَزُهَيْر بْن مُحَمَّد وَسَعِيد بْن سَلَمَة وَعَبْد اللَّه بْن لَهِيعَة وَعَمْرو بْن الْحَرْث وَيَحْيَى بْن أَيُّوب وَرَوَى لَهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَهْ وَذَكَرَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم فِي كِتَاب الْجَرْح وَالتَّعْدِيل وَلَمْ يَحْكِ شَيْئًا مِنْ هَذَا وَلَا هَذَا فَهُوَ مَسْتُور الْحَال" [13]
وتابعه على هذا المسلك - وهو اعتبار المسكوت عليه مستور الحال- تلميذه الإمام بدر الدين الزركشي في كتابه الدرر المنثورة في الأحاديث المشهورة - مخطوط- فقال في الباب السابع في القصص والأخبار في كلامه على هذا الحديث: أخرجه أحمد في مسنده من جهة موسى بن جبير عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا،وموسى بن جبير ذكره ابن أبي حاتم في كتابه ( الجرح والتعديل ) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا،فهو مستور الحال""
والشاهد من هذا النصِّ عن الإمام ابن كثير خصوصُ حكمه في قوله ( ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل،ولم يحكِ فيه شيئًا،فهو مستور الحال) بصرف النظر عما حول الحديث وراويه مما أشرت إليه آنفًا .
ورواية مستور الحال يحتجُّ بها لدى طائفةٍ معتبرةٍ من العلماء،قال الحافظ العراقي [14] :"مجهولُ العدالةِ الباطنةِ،وهو عدلٌ في الظاهرِ،فهذا يحتَجُّ به بعضُ مَنْ رَدَّ القسمَينِ الأولَينِ،وبهِ قطعَ الإمامُ سُلَيمُ بنُ أيوبَ الرازيُّ،قال: لأنَّ الإخبارَ مَبنيٌّ على حُسْنِ الظَّنِّ بالراوي ؛ لأنَّ روايةَ الأخبارِ تكونُ عندَ مَنْ تَتَعذَّرُ عليه معرفةُ العدالةِ في الباطنِ،فاقتُصِرَ فيها على معرفةِ ذلك في الظاهرِ . وتُفَارِقُ الشهادَةَ،فإنَّها تكونُ عند الحُكَّامِ،ولا يتعذّرُ عليهم ذلكَ،فاعتُبِرَ فيها العدالةُ في الظاهرِ والباطنِ. قالَ ابنُ الصّلاحِ [15] : ويشبهُ أنْ يكونَ العملُ على هذا الرأي في كثيرٍ من كتبِ الحديثِ المشهورةِ في غيرِ واحدٍ من الرُّواةِ الذين تقادَمَ العهدُ بهم،وتعذَّرَتِ الخِبْرةُ الباطنةُ بهم،واللهُ أعلمُ . وأطلقَ الشافعيُّ كلامَهُ في اختلافِ الحديثِ أنَّهُ لا يحتجُّ بالمجهولِ،وحكى البيهقيُّ في"المدخلِ": أنَّ الشافعيَّ لا يحتجُّ بأحاديثِ المجهولينَ . ولما ذكرَ ابنُ الصلاحِ هذا القسمَ الأخيرَ،قال: وهو المستورُ،فقد قال بعضُ أئمتِنا: المَسْتُورُ مَنْ يكونُ عَدْلًا في الظَّاهرِ،ولا تُعْرَفُ عدالتُهُ باطنًا . انتهى كلامُه . وهذا الذي نَقَلَ كلامَهُ آخرًا،ولم يسمِّهِ،هو البغويُّ،فهذا لفظُهُ بحروفِهِ في"التهذيبِ"،وتَبِعهُ عليه الرافعيُّ. وحكى الرافعيُّ في الصومِ وجهين في قبولِ روايةِ المستورِ من غيرِ ترجيحٍ. وقالَ النوويُّ في"شرحِ المهذّبِ": (إنَّ الأصحَّ قبولُ روايتِهِ) "
قلتُ: قال الإمام النووي رحمه الله:"وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْفَاسِقُ وَالْمُغَفَّلُ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمْ فِيهِ بِلَا خِلَافٍ , وَلَا خِلَافَ فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ الظَّاهِرَةِ فِيمَنْ نَقْبَلُهُ ."
(1) - وأخرجه كذلك أحمد في المسند (3/124) ، والنسائي في السنن الكبرى (4/443/7862 و 6/144/10398) وعمل اليوم والليلة (563) ، وابن خزيمة (4/152/2572) ، والطبراني في مسند الشاميين (2/58/962) ، والحاكم (2/110) ، والبيهقى فس السنن الكبرى (5/253) ، والمزي في تهذيب الكمال (9/331) ، والذهبي في سير الأعلام (12/327) من طريقى بقية بن الوليد وأبي المغيرة ، كلاهما قال ثنا صفوان بن عمرو عن شريح بن عبيد عن الزبير بن الوليد عن عبد الله بن عمر به .
(2) - جملة من وصفهم الحافظ ابن حجر في التقريب بقوله (( مقبول من الرابعة ) ):190راوٍ ، وقد وثق منهم الحافظ الذهبى:83 راويًا ، إما تصريحًا بقوله (( ثقة ) )أو تلميحًا بقوله (( وثق ) )، والمحتج به منهم عند الشيخان: 17 راويًا ، على البيان المذكور عاليه .
(3) - الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (ج 2 / ص 36)
(4) - سنن الدارقطني (155)
(5) - نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية (ج 1 / ص 491)
(6) - نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية (ج 2 / ص 65)
(7) - الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (ج 1 / ص 13) والجرح و (ج 2 / ص 38)
(8) - سنن ابن ماجه (759 )
(9) - نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية (ج 2 / ص 102)
(10) - نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية (ج 5 / ص 441)
(11) - المستدرك (643) وسنن الدارقطنى ( 795 ) ، تعليق الحافظ الذهبي في التلخيص: على شرط مسلم تفرد به عبدالغفار وهو ثقة والحديث شاذ
(12) - نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية (ج 1 / ص 376)
(13) - تفسير ابن كثير (ج 1 / ص 353)
(14) - شرح التبصرة والتذكرة (ج 1 / ص 114) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي (ج 1 / ص 247)
(15) - مقدمة ابن الصلاح (ج 1 / ص 21) والشذا الفياح من علوم ابن الصلاح (ج 1 / ص 247)