فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 94

4- ( 200 ) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « إِنَّ أَوَّلَ مَا دَخَلَ النَّقْصُ عَلَى بَنِى إِسْرَائِيلَ كَانَ الرَّجُلُ يَلْقَى الرَّجُلَ فَيَقُولُ يَا هَذَا اتَّقِ اللَّهِ وَدَعْ مَا تَصْنَعُ فَإِنَّهُ لاَ يَحِلُّ لَكَ ثُمَّ يَلْقَاهُ مِنَ الْغَدِ فَلاَ يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَكِيلَهُ وَشَرِيبَهُ وَقَعِيدَهُ فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ ضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ » . ثُمَّ قَالَ: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ(78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (81) [المائدة/78-82] ) ثُمَّ قَالَ: « كَلاَّ وَاللَّهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدَىِ الظَّالِمِ وَلَتَأْطُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا وَلَتَقْصُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ قَصْرًا » ."رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن ."

هذا لفظ أبي داود ولفظ الترمذي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « لَمَّا وَقَعَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ فِى الْمَعَاصِى نَهَتْهُمْ عُلَمَاؤُهُمْ فَلَمْ يَنْتَهُوا فَجَالَسُوهُمْ فِى مَجَالِسِهِمْ وَوَاكَلُوهُمْ وَشَارَبُوهُمْ فَضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ وَلَعَنَهُمْ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ » . قَالَ فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ « لاَ وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ حَتَّى تَأْطِرُوهُمْ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا » [1] . قوله"تأطروهم": أي تعطفوهم ."ولتقصرونه": أي لتحبسنه .

( ضعيف ) . [ مداره على أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود ولم يسمع من أبيه ] .

قلت: أخرجه داود (4338 ) من طريق عَنْ أَبِى عُبَيْدَةَ بن عبد الله عن أبيه والترمذي (3322 ) وقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ،وأحمد في مسنده (3785) كلهم من طريقه.

وهو من رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود ولم يسمع مِن أبيه،ولكنه كَانَ أعلم بحديث أبيه مِن حنيف بن مالك ونظرائه كما قال الدارقطني،وأخذ أحاديث أبيه عن أمه زينب الثقفية خاصة ومسروق وكلاهما ثقة . [2]

وقال ابن المديني فِي حديث يرويه أبي عبيدة عن أبيه: هو منقطع،وهو حديث ثبت،وقال يعقوب بن شيبة:"إنما استجاز أصحابنا أن يدخلوا حديث أبي عبيدة عن أبيه فِي المسند - يعني فِي الحديث المتصل - لمعرفة أبي عبيدة بحديث أبيه وصحتها،وأنه لَمْ يأت فيها بحديث منكر" [3] .

وأنكر الألبانى فِي الضعيفة [4] على الترمذي تحسينه لهذا الحديث،وزعم أنه من تساهله الذي عُرف به !!

والحقُّ مع الترمذي كما ترى،هذا على فرض أنه لم يرو إلا عن أبيه،وقد روي من طريق أبي عبيدة عن أبي موسى الأشعري وقد سمع منه،كما في مشكل الآثار للطحاوي (984) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَحْيَى بْنِ جَنَّادٍ الْبَغْدَادِيُّ،قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ الْوَاسِطِيُّ،قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيُّ،عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيِّبِ،عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ،عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ،عَنْ أَبِي مُوسَى،قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"كَانَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ إِذَا عَمِلَ الْعَامِلُ مِنْهُمْ بِالْخَطِيئَةِ نَهَاهُمُ النَّاهِي تَعْزِيرًا , فَإِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ جَالَسَهُ وَآكَلَهُ وَشَارَبَهُ كَأَنَّهُ لَمْ يَرَهُ عَلَى خَطِيئَةٍ بِالْأَمْسِ،فَلَمَّا رَأَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ذَلِكَ مِنْهُمْ ضَرَبَ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ , ثُمَّ لَعَنَهُمْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِمْ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا،ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ،وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلْتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدَيِ السَّفِيهِ وَلَتَأْطُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا أَوْ لَيَضْرِبَنَّ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ وَيَلْعَنَكُمْ كَمَا لَعَنَهُمْ".

وهذا إسناده صحيح ، فتسقط الشبهةُ من أصلها ويصحُّ الحديث .

إنَّ الخيرية للأمة الإسلامية منوطة بتحقيق أصلين أساسيين:

أولهما: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأنهما سياج الدين،ولا يمكن أن يتحقق بنيان أمة على الخير والفضيلة إلا بالقيام بهما،فهما من الأسباب التي استحق بنو إسرائيل اللعنة من أجل تركهما .

وثانيهما: الإيمان بالله - تعالى - وبجميع ما أمر الله - تعالى - بالإيمان به .

هذان هما الأمران الذان يجب أن يتحققا لتكون هذه الأمة الإسلامية خير أمة أخرجت للناس لأن الأمة التي تهمل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا تؤمن بالله لا يمكن أن تكون خير أمة بل لا توصف بالخيرية قط،لأنه لا خير إلا في الفضائل والحق والعدل،ولا تقوم هذه الأمور إلا مع وجود الإيمان بالله وكثرة الدعاة إلى الخير والناهين عن الشر،ويكون لدعوتهم آثارها القوية التي تحيا معها الفضائل وتزول بها الرذائل . [5]

ومعنى الآيات القرآنية: لَعَنَ اللهُ الذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الزَّبُورِ وَالإِنْجِيلِ،فَقَدْ لَعَنَ دَاوُدُ،عَلَيْهِ السَّلاَمُ،مِنْ اعْتَدَى مِنْهُمْ فِي السَّبْتِ،أَوْ لَعَنَ العَاصِينَ المُعْتَدِينَ مِنْهُمْ عَامَّةً،وَكَذَلِكَ لَعَنَهُمْ عِيسَى بِنِ مَرْيَمَ،وَسَبَبُ ذَلِكَ اللَّعْنِ هُوَ تَمَادِيهِمْ فِي العِصْيَانِ،وَتَمَرُّدُهُمْ عَنْ طَاعَةِ اللهِ،وَتَمَادِيهِمْ فِي الظُّلْمِ وَالفَسَادِ ( بِمَا كَانُوا يَعْتَدُونَ ) .

فَقَدْ كَانُوا لاَ يَنْهَى أَحَدٌ مِنْهُمْ أَحَدًا عَنِ مُنْكَرٍ يَقْتَرِفُهُ مَهْمَا بَلَغَ مِنَ القُبْحِ وَالضَّرَرِ . وَالنَّهِيُ عَنِ المُنْكَرِ هُوَ حِفَاظُ الدِّينِ،وَسِيَاجُ الفَضَائِلِ وَالآدَابِ،فَإذَا تَجَرّأ المُسْتَهْتِرُونَ عَلى إِظْهَارِ فِسْقِهِمْ وَفُجُورِهِمْ،وَرَآهُمُ الغَوْغَاءَ مِنَ النَّاسِ قَلَّدُوهُمْ فِيهِ،وَزَالَ قُبْحُهُ مِنْ نُفُوسِهِمْ،وَصَارَ عَادَةً لَهُمْ،وَزَالَ سُلْطَانُ الدِّينِ مِنْ قُلُوبِهِمْ،وَتُرِكَتْ أَحْكَامُهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ،وَفِي ذَلِكَ إِشَارَةٌ إلى فَشْوِ المُنْكَرَاتِ فِيهِمْ . وَيُقَبِّحُ اللهُ تَعَالَى سُوءَ فِعْلِهِمْ،وَيَذُمُّهُمْ عَلَى اقْتِرَافِ المُنْكَرَاتِ،وَإِصْرَارِهِمْ عَلَيْهَا وَسُكُوتِ الآخَرِينَ عَنْهَا،وَرِضَاهُمْ بِهَا .

وَتَرَى يَا مُحَمَّدُ كَثِيرًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ،يَتَوَلَّوْنَ الذِينَ كَفَرُوا مِنْ مُشْرِكِي العَرَبِ وَيُحَالِفُونَهُمْ عَلَيْكَ،وَيُحَرِّضُونَهُمْ عَلَى قِتَالِكَ،وَأَنْتَ تُؤْمِنُ بِاللهِ،وَبِمَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رُسُلِهِ وَأَنْبِيَائِهِ،وَتَشْهَدُ لَهُمْ بِصِدْقِ الرِّسَالَةِ،وَأُولَئِكَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِكِتَابٍ وَلاَ رَسُولٍ،وَلاَ يَعْبُدُونَ اللهَ وَحْدَهُ،وَلَولا اتِّبَاعُ الهَوَى،وَتَزْيينُ الشَّيْطَانِ لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ،مَا فَعَلُوا ذَلِكَ،فَبِئْسَ مَا قَدَّمُوهُ لأَنْفُسِهِمْ فِي آخِرَتِهِمْ مِنَ الأَعْمَالِ التِي اسْتَوْجَبَتْ سَخَطَ اللهِ،وَعَظِيمَ غَضَبِهِ عَلَيْهِمْ،وَسَيُجْزَوْنَ عَلَى ذَلِكَ شَرَّ الجَزَاءِ،وَسَيُحِيطَ بِهُمُ العَذَابُ،وَلا يَجِدُونَ عَنْهُ مَصْرِفًا،وَيَخْلُدُونَ فِي النَّارِ أَبَدًا .

وَلَوْ كَانَ هَؤُلاَءِ اليَهُودُ،الذِينَ يَتَوَلَّوْنَ الكَافِرِينَ مِنْ مُشْرِكِي العَرَبِ،يُؤْمِنُونَ بِالنَّبِيِّ الذِي يَدَّعُونَ اتِّبَاعَهُ ( وَهُوَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ ) ،وَمَا أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنَ الهُدَى وَالبَيِّنَاتِ،لَمَا اتَّخَذُوا أُولَئِكَ الكَافِرِينَ مِنْ عَابِدِي الأَوْثَانِ،أَوْلِياءً وَأَنْصَارًا،وَلَكَانَتْ عَقِيدَتُهُمْ الدِّينِيَّةُ صَدَّتْهُمْ عَنْ ذَلِكَ،وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مُتَمَرِّدُونَ فِي النِّفَاقِ،خَارِجُونَ عَنْ حَظِيرَةِ الدِّينِ،وَلاَ يُرِيدُونَ إلاَّ الجَاهَ وَالرِّيَاسَةَ،وَيَسْعَوْنَ إلى تَحْصِيلِهِمَا بِأيَّةِ طَرِيقَةٍ كَانَتْ،وَبِأيَّةِ وَسِيلَةٍ قَدَرُوا عَلَيْها . [6]

ـــــــــــــــــ

(1) - قَالَ فِي الْمَجْمَعِ: أَيْ لَا تَنْجُونَ مِنْ الْعَذَابِ حَتَّى تَمْنَعُوهُمْ مِنَ الظُّلْمِ وَتُمِيلُوهُمْ عَنِ الْبَاطِلِ إِلَى الْحَقِّ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ: حَتَّى مُتَعَلِّقَةٌ بِلَا كَأَنَّ قَائِلًا قَالَ لَهُ عِنْدَ ذِكْرِ مَظَالِمِ بَنِي إِسْرَائِيلَ هَلْ يُعْذَرُ فِي تَخْلِيَةِ الظَّالِمِينَ وَشَأْنَهُمْ ، فَقَالَ:لَا حَتَّى تَأْطِرُوهُمْ وَتَأْخُذُوا عَلَى أَيْدِيهمْ . وَالْمَعْنَى لَا تُعْذَرُونَ حَتَّى تُجْبِرُوا الظَّالِمَ عَلَى الْإِذْعَانِ لِلْحَقِّ وَإِعْطَاءِ النَّصَفَةِ لِلْمَظْلُومِ . تحفة الأحوذي - (ج 7 / ص 369)

(2) - تهذيب الكمال للمزي - (ج 14 / ص 61) (3051 ) وتهذيب التهذيب [ج 5 -ص65 ] ( 121)

(3) - شرح علل الترمذي لابن رجب - (ج 1 / ص 198)

(4) - رقم (1105)

(5) - الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 700)

(6) - انظر تفسير الطبري - (ج 10 / ص 489) وتفسير ابن كثير - (ج 3 / ص 160) والجامع لأحكام القرآن للقرطبي - (ج 1 / ص 1766) وتفسير الألوسي - (ج 5 / ص 95) وتفسير الرازي - (ج 6 / ص 129) و أيسر التفاسير لأسعد حومد - (ج 1 / ص 748) فما بعدها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت