فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 94

234 : باب فضل الجهاد

73- (1291) عن عثمان رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَنَازِلِ"رواه الترمذى وقال: حديث حسن صحيح .وذكره الشيخ الألبانى في ضعيف الجامع (3084) .

قلت: هو في سنن الترمذى (1768 ) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ الْخَلاَّلُ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ حَدَّثَنِى أَبُو عَقِيلٍ زُهْرَةُ بْنُ مَعْبَدٍ عَنْ أَبِى صَالِحٍ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ سَمِعْتُ عُثْمَانَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ إِنِّى كَتَمْتُكُمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَرَاهِيَةَ تَفَرُّقِكُمْ عَنِّى ثُمَّ بَدَا لِى أَنْ أُحَدِّثَكُمُوهُ لِيَخْتَارَ امْرُؤٌ لِنَفْسِهِ مَا بَدَا لَهُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: « رِبَاطُ يَوْمٍ فِى سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَنَازِلِ » . قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَبُو صَالِحٍ مَوْلَى عُثْمَانَ اسْمُهُ تُرْكَانُ.. [1]

قلت: وهذا إسناد رواته ثقات كلهم،وأبو صالح مولى عثمان اسمه الحارث،قاله ابن أبي حاتم وابن حبان والدارقطني . وقيل: اسمه بركان،قاله البخاري . وهو ثقة . وثَّقه العجلي في معرفة الثقات [2] ،وابن حبان في الثقات [3] .

قلت: قوله في اسمه (تركان) بالتاء المثناة تصحيف،وإنما هو بركان ـ بالباء الموحدة التحتية ـ . هكذا سمَّاه البخارى في (تاريخه)

الرِّبَاطُ وَالْمُرَابَطَةُ مُلاَزَمَةُ ثَغْرِ الْعَدُوِّ،وَأَصْلُهُ أَنْ يَرْبِطَ كُلٌّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ خَيْلَهُ،ثُمَّ صَارَ لُزُومُ الثَّغْرِ رِبَاطًا،وَرُبَّمَا سُمِّيَتِ الْخَيْل أَنْفُسُهَا رِبَاطًا،وَيُقَال: الرِّبَاطُ مِنَ الْخَيْل: الْخَمْسُ فَمَا فَوْقَهَا . وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (200) سورة آل عمران،أَيْ: أَقِيمُوا عَلَى جِهَادِ عَدُوِّكُمْ . وَيُطْلَقُ الرِّبَاطُ عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ،أَوْ مُدَاوَمَةِ الْجُلُوسِ فِي الْمَسْجِدِ،كَمَا جَاءَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « أَلاَ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ » . قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ « إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ وَانْتِظَارُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الصَّلاَةِ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ » . [5] .

وَالأَْرْبِطَةُ: الْبُيُوتُ الْمُسَبَّلَةُ لإِِيوَاءِ الْفُقَرَاءِ وَالْغُرَبَاءِ وَطَلَبَةِ الْعِلْمِ وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْمَكَانِ الَّذِي يُرَابِطُ فِيهِ الْمُجَاهِدُونَ [6] .

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

أَوَّلًا: الرِّبَاطُ بِمَعْنَى مُلاَزَمَةِ الثُّغُورِ: الرِّبَاطُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ ؛ لأَِنَّهُ حِفْظُ ثُغُورِ الإِْسْلاَمِ وَصِيَانَتُهَا،وَدَفْعٌ عَنِ الْمُسْلِمِينَ،وَعَنْ َرِيمِهِمْ،وَقُوَّةٌ لأَِهْل الثَّغْرِ وَلأَِهْل الْغَزْوِ،قَال أَحْمَدُ: هُوَ أَصْل الْجِهَادِ وَفَرْعُهُ [7] .

وَجَاءَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ الأَْمْرُ بِهِ،قَال اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (200) سورة آل عمران.

وَقَال الْقُرْطُبِيُّ: قَال جُمْهُورُ الأُْمَّةِ فِي تَفْسِيرِ الآْيَةِ: رَابِطُوا أَعْدَاءَكُمْ بِالْخَيْل،وَعَزَا إِلَى ابْنِ عَطِيَّةَ قَوْلَهُ: الْقَوْل الصَّحِيحُ فِي مَعْنَى رَابِطُوا: أَنَّ الرِّبَاطَ هُوَ الْمُلاَزَمَةُ فِي سَبِيل اللَّهِ،أَصْلُهَا مِنْ رَبْطِ الْخَيْل،ثُمَّ سُمِّيَ كُل مُلاَزِمٍ لِثَغْرٍ مِنْ ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ مُرَابِطًا،فَارِسًا كَانَ أَمْ رَاجِلًا [8] .

فَضْل الرِّبَاطِ: وَرَدَ فِي فَضْل الرِّبَاطِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا: عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِىِّ - رضى الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: « رِبَاطُ يَوْمٍ فِى سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا،وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا،وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا الْعَبْدُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ الْغَدْوَةُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا » [9] . .

وعَنْ سَلْمَانَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: « رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِى كَانَ يَعْمَلُهُ وَأُجْرِىَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ وَأَمِنَ الْفَتَّانَ » [10] .

وعَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: « كُلُّ الْمَيِّتِ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إِلاَّ الْمُرَابِطَ فَإِنَّهُ يَنْمُو لَهُ عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَيُؤَمَّنُ مِنْ فَتَّانِ الْقَبْرِ » . [11]

أَفْضَل الرِّبَاطِ: أَفْضَل الرِّبَاطِ: أَشَدُّ الثُّغُورِ خَوْفًا ؛ لأَِنَّ مُقَامَهُ بِهِ أَنْفَعُ،وَأَهْلَهُ أَحْوَجُ [12]

الْمَحَل الَّذِي يَتَحَقَّقُ فِيهِ الرِّبَاطُ: اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمَحَل الَّذِي يَتَحَقَّقُ فِيهِ الرِّبَاطُ،فَإِنَّهُ لاَ يَتَحَقَّقُ فِي كُل مَحَلٍّ،فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: الْمُخْتَارُ: أَنَّهُ لاَ يَكُونُ الرِّبَاطُ،إِلاَّ فِي مَوْضِعٍ لاَ يَكُونُ وَرَاءَهُ إِسْلاَمٌ ؛ لأَِنَّ مَا دُونَهُ لَوْ كَانَ رِبَاطًا فَكُل الْمُسْلِمِينَ فِي بِلاَدِهِمْ مُرَابِطُونَ،وَقَال بَعْضُهُمْ: إِذَا أَغَارَ الْعَدُوُّ عَلَى مَوْضِعٍ مَرَّةً سُمِّيَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ رِبَاطًا،أَرْبَعِينَ سَنَةً [13] .

وَالأَْصْل فِي هَذَا: حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ: « مَنْ حَرَسَ مِنْ وَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مُتَطَوِّعًا لاَ يَأْخُذُهُ سُلْطَانٌ لَمْ يَرَ النَّارَ بِعَيْنَيْهِ إِلاَّ تَحِلَّةَ الْقَسَمِ فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا) » [14] .

وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: « تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ،إِنْ أُعْطِىَ رَضِىَ،وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ،تَعِسَ وَانْتَكَسَ،وَإِذَا شِيكَ فَلاَ انْتَقَشَ،طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ،أَشْعَثَ رَأْسُهُ مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ،إِنْ كَانَ فِى الْحِرَاسَةِ كَانَ فِى الْحِرَاسَةِ،وَإِنْ كَانَ فِى السَّاقَةِ كَانَ فِى السَّاقَةِ،إِنِ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ،وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ » [15] .

وَقَال ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي: إِذَا نَوَى بِالإِْقَامَةِ فِي أَيِّ مَكَانٍ وَإِنْ كَانَ وَطَنَهُ دَفْعَ الْعَدُوِّ،فَإِنَّهُ يَكُونُ مُرَابِطًا،قَال: وَمِنْ ثَمَّ اخْتَارَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ سُكْنَى الثُّغُورِ . وَعَزَا إِلَى ابْنِ التِّينِ أَنَّهُ قَال: الرِّبَاطُ مُلاَزَمَةُ الْمَكَانِ الَّذِي بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ لِحِرَاسَةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ،بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ الْوَطَنِ،وَعَزَا ذَلِكَ إِلَى ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ [16] .

وَقَال الْقُرْطُبِيُّ: الْمُرَابِطُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ هُوَ الَّذِي يَشْخَصُ إِلَى ثَغْرٍ مِنَ الثُّغُورِ لِيُرَابِطَ فِيهِ مُدَّةً مَا . أَمَّا سُكَّانُ الثُّغُورِ دَائِمًا بِأَهْلِيهِمُ الَّذِينَ يَعْمُرُونَ وَيَكْتَسِبُونَ هُنَالِكَ فَهُمْ وَإِنْ كَانُوا حُمَاةً فَلَيْسُوا بِمُرَابِطِينَ" [17] ."

ـــــــــــــــــ

(1) - وأخرجه كذلك الطيالسي (87) ، وابن أبي شيبة (4/218/19455) ، وأحمد (1/65،75) ، والدارمي (2424) ، والبخاري (( التاريخ الكبير ) ) (2/148/2005) ، والنسائى (( الكبرى ) ) (3/27/4377) ، والبزار (2/63/406) ، وابن أبي عاصم (( كتاب الجهاد ) ) (2/685/299) ، وابن حبان (4590) ، والحاكم (2/143) ، والمقدسي (( الأحاديث المختارة ) ) (1/451/325،326) ، والمزي (( تهذيب الكمال ) ) (33/421) جميعا من طريق أبى عقيل زهرة بن معبد عن أبى صالح مولى عثمان سمعت عثمان وهو على المنبر يقول: إنِّى كتمتكم حديثًا سمعته من رسول الله صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّم كراهية تفرقكم عنِّى ... فذكره . وقال أبو عبد الله الحاكم: (( هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه ) )، وأقره الذهبى .

(2) - معرفة الثقات (2/408/2177) والبخارى في التاريخ الكبير (2/148/2005) وتهذيب التهذيب (12/146/619)

(3) - الثقات (4/84/1936)

(4) - انظر الموسوعة الفقهية الكويتية - (ج 22 / ص 76)

(5) - صحيح مسلم (610 )

(6) - تاج العروس، ولسان العرب، والمصباح المنير، والقرطبي تفسير آية: آل عمران الأخيرة، وحاشية ابن عابدين 3 / 217 .

(7) - المغني 8 / 354، ومطالب أولي النهى 2 / 509، وفتح القدير 4 / 278 .

(8) - تفسير القرطبي 4 / 323 .

(9) - صحيح البخارى (2892 )

(10) - صحيح مسلم (5047 )

(11) - سنن أبى داود (2502 ) صحيح

(12) - مطالب أولي النهى 2 / 509، والمغني 8 / 355 .

(13) - فتح القدير 4 / 278، وحاشية الطحطاوي 2 / 437 .

(14) - مسند أحمد ( 16017) حسن لغيره

(15) - صحيح البخارى (2887 ) -شيك: أصابته الشوكة =انتقش: لم يجد من يخرجها بالملقاط

(16) - فتح الباري لابن حجر - (ج 9 / ص 39)

(17) - تفسير القرطبي 4 / 323 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت