24- ( 947 ) عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: فَإِذَا دَفَنْتُمُونِى فَشُنُّوا عَلَىَّ التُّرَابَ شَنًّا ثُمَّ أَقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِى قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزُورٌ وَيُقْسَمُ لَحْمُهَا حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ وَأَنْظُرَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّى.. رواه مسلم .
قال الشافعي رحمه الله: ويستحبُّ أن يقرأ عنده شيء من القرآن وإن ختموا القرآن عنده كان حسنا
[ قال الشيخ الألباني رحمه الله[1] :"لا أدري أين قال ذلك الشافعي رحمه الله تعالى،وفي ثبوته عنه شك كبير عندي كيف لا ومذهبه أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى كما نقله عنه الحافظ ابن كثير في تفسير قوله تعالى: {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} (39) سورة النجم ,وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى عدم ثبوت ذلك عن الإمام الشافعي بقوله في"الاقتضاء": ( لا يحفظ عن الشافعي نفسه في هذه المسألة كلام وذلك لأن ذلك كان عنده بدعة وقال مالك: ما علمنا أحدا فعل ذلك فعلم أن الصحابة والتابعين ما كانوا يفعلون ذلك ) ."
قلت: وذلك هو مذهب أحمد أيضا: أن لا قراءة على القبر كما أثبته في كتابي"أحكام الجنائز"،وهو ما انتهى إليه رأي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كما حققته في كتابي المذكور ] .
قلتُ: وفي هذا الكلام أمور:
الأول- أخرجه مسلم (336 ) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِىُّ وَأَبُو مَعْنٍ الرَّقَاشِىُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ كُلُّهُمْ عَنْ أَبِى عَاصِمٍ - وَاللَّفْظُ لاِبْنِ الْمُثَنَّى - حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ - يَعْنِى أَبَا عَاصِمٍ - قَالَ أَخْبَرَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ قَالَ حَدَّثَنِى يَزِيدُ بْنُ أَبِى حَبِيبٍ عَنِ ابْنِ شِمَاسَةَ الْمَهْرِيِّ ، قَالَ: حَضَرْنَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ ، وَهُوَ فِي سِيَاقَةِ الْمَوْتِ ، يَبَكِي طَوِيلًا ، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ إِلَى الْجِدَارِ ، فَجَعَلَ ابْنُهُ يَقُولُ: يَا أَبَتَاهُ ، أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِكَذَا ؟ أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِكَذَا ؟ قَالَ: فَأَقْبَلَ بِوَجْهِهِ ، فَقَالَ: إِنَّ أَفْضَلَ مَا نُعِدُّ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، إِنِّي قَدْ كُنْتُ عَلَى أَطْبَاقٍ ثَلَاثٍ ، لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَمَا أَحَدٌ أَشَدَّ بُغْضًا لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنِّي ، وَلَا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَكُونَ قَدِ اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ ، فَقَتَلْتُهُ ، فَلَوْ مُتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَكُنْتُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ ، فَلَمَّا جَعَلَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ فِي قَلْبِي أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - ، فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلْأُبَايِعْكَ ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ ، قَالَ: فَقَبَضْتُ يَدِي ، قَالَ:"مَا لَكَ يَا عَمْرُو ؟"قَالَ: قُلْتُ: أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ ، قَالَ:"تَشْتَرِطُ بِمَاذَا ؟"قُلْتُ: أَنْ يُغْفَرَ لِي ، قَالَ:"أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ ؟ وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا ؟ وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ ؟"وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وَلَا أَجَلَّ فِي عَيْنِي مِنْهُ ، وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلَأَ عَيْنَيَّ مِنْهُ إِجْلَالًا لَهُ ، وَلَوْ سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ مَا أَطَقْتُ ؛ لِأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَمْلَأُ عَيْنَيَّ مِنْهُ ، وَلَوْ مُتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَرَجَوْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، ثُمَّ وَلِينَا أَشْيَاءَ مَا أَدْرِي مَا حَالِي فِيهَا ، فَإِذَا أَنَا مُتُّ فَلَا تَصْحَبْنِي نَائِحَةٌ ، وَلَا نَارٌ ، فَإِذَا دَفَنْتُمُونِي فَشُنُّوا عَلَيَّ التُّرَابَ شَنًّا ، ثُمَّ أَقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزُورٌ وَيُقْسَمُ لَحْمُهَا ، حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ ، وَأَنْظُرَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي. [2]
وفي مسند أبي عوانة (156 ) عَنِ ابْنِ شِمَاسَةَ الْمَهْرِيِّ،به وفي آخره قال:"فَإِذَا دَفَنْتُمُونِي فِي قَبْرِي فَسُنُّوا عَلَيَّ التُّرَابَ سَنًّا،فَإِذَا فَرَغْتُمْ مِنْ دَفْنِي فَأَقِيمُوا عِنْدَ قَبْرِي قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزُورٌ وَيُقَسَّمُ لَحْمُهَا حَتَّى أَعْلَمَ مَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي فَإِنِّي أَسْتَأْنِسُ بِكُمْ،مَعْنَى حَدِيثِهِمْ وَاحِدٌ" [3] .
وقد حكم عليه الشيخ ناصر رحمه الله بالضعف وهو في صحيح مسلم،بما لم يسبق إليه. وهو من أصحِّ أحاديث المصريين .
ثانيا- قوله عن كلام الإمام الشافعي رحمه الله": ويستحبُّ أن يقرأ عنده شيء من القرآن وإن ختموا القرآن عنده كان حسنا ." (لا أدري أين قال ذلك الشافعي رحمه الله تعالى،وفي ثبوته عنه شك كبير...)
قلت: الإمامُ النووي رحمه الله كان من أعلم الناس بمذهب الإمام الشافعي رحمه الله،وهو رأسٌ من رؤوسه،فإذا كنتَ لا تدري مصدر هذا الكلام،فالإمام النووي رحمه الله يدري،ولا يمكن أن يقوِّلَ الإمامَ الشافعي رحمه الله ما لم يقل .
قال العلامةُ ابن علان رحمه الله:" (قال الشافعي رحمه اللّه: ويستحب أن يقرأ عنده شيء من القرآن) ليصيبه من الرحمة النازلة على القراء للقرآن نصيب (وإن ختموا القرآن) أي قرءوه (كله كان حسنًا) لعظيم فضله." [4]
ولم يعقِّبْ على الإمام النووي بأنه يقوِّلُ الإمام الشافعي ما لم يقل،بل بين المقصود من كلام الشافعي
وفي المجموع شرح المهذب للنووي رحمه الله [5] :
" ( الثَّامِنَةُ ) يُسْتَحَبُّ أَنْ يَمْكُثَ عَلَى الْقَبْرِ بَعْدَ الدَّفْنِ سَاعَةً يَدْعُو لِلْمَيِّتِ وَيَسْتَغْفِرُ لَهُ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ , قَالُوا: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُقْرَأَ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ وَإِنْ خَتَمُوا الْقُرْآنَ كَانَ أَفْضَلَ , ... وَيُسْتَدَلُّ لِهَذَا الْمُكْثِ وَالدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ بِحَدِيثِ عُثْمَانَ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ , وَبِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ قَالَ حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ:"فَإِذَا دَفَنْتُمُونِى فَشُنُّوا عَلَىَّ التُّرَابَ شَنًّا ثُمَّ أَقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِى قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزُورٌ وَيُقْسَمُ لَحْمُهَا حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ وَأَنْظُرَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّى."رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ وَهُوَ بَعْضُ حَدِيثٍ طَوِيلٍ مُشْتَمِلٍ عَلَى جُمَلٍ مِنْ الْفَوَائِدِ وَالْقَوَاعِدِ ( قَوْلُهُ ) سُنُّوا عَلَيَّ التُّرَابَ رُوِيَ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْعُجْمَةِ , وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَمَعْنَاهُمَا مُتَقَارِبٌ , وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما اسْتَحَبَّ قِرَاءَةَ أَوَّلِ الْبَقَرَةِ وَآخِرِهَا عِنْدَ الْقَبْرِ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ."
وفي أسنى المطالب [6] :"قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْأَصْحَابِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُقْرَأَ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ , وَإِنْ خَتَمُوا الْقُرْآنَ كَانَ أَفْضَلَ ..."
وفي تحفة الحبيب على الخطيب [7] :"وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُقْرَأَ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ , وَإِنْ خَتَمُوا الْقُرْآنَ كَانَ أَفْضَلَ ; شَرْحُ الرَّوْضِ اهـ"
قلت: فهؤلاء الأئمة أدرى بأقوال الإمام الشافعي منا بيقين . فالاعتراضُ عليهم في غير محلِّه . وسوف يمرُّ معنا صحة هذا القول إن شاء الله.
ثالثا- وأما قوله:"وفي ثبوته عنه شك كبير عندي كيف لا ومذهبه أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى كما نقله عنه الحافظ ابن كثير في تفسير قوله تعالى: {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} (39) سورة النجم" [8]
قلت: قد بين ابن علان معنى كلام الإمام الشافعي رحمه الله .
وقد بين الإمام النووي رحمه الله في المجموع ذلك بقوله:"يُسْتَحَبُّ أَنْ يَمْكُثَ عَلَى الْقَبْرِ بَعْدَ الدَّفْنِ سَاعَةً يَدْعُو لِلْمَيِّتِ وَيَسْتَغْفِرُ لَهُ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ , قَالُوا: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُقْرَأَ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ وَإِنْ خَتَمُوا الْقُرْآنَ كَانَ أَفْضَلَ" [9]
فأمَّا وصول ثواب القراءة للميت وانتفاعه بها بعد ذلك فهذا أمرٌ آخر،لا علاقة له بالموضوع نفسه،لأن حديث عمرو رضي الله عنه صريح في مكوثهم بعد الدفن قدر نحر الجزور وتقطيعها .
وأمَّا قول ابن تيمية رحمه الله فهذا هو بتمامه [10] :
"لكن اختلفوا في القراءة عند القبور: هل تكره،أم لا تكره؟"
والمسألة مشهورة،وفيها ثلاث روايات عن أحمد:
إحداها أن ذلك لا بأس به . وهي اختيار الخلال وصاحبه،وأكثر المتأخرين من أصحابه . وقالوا: هي الرواية المتأخرة عن أحمد،وقول جماعة من أصحاب أبي حنيفة،واعتمدوا على ما نقل عن ابن عمر رضي الله عنهما،أنه أوصى أن يقرأ على قبره وقت الدفن بفواتيح البقرة،وخواتيمها [11] .
ونقل أيضا عن بعض المهاجرين قراءة سورة البقرة .
والثانية: أن ذلك مكروه . حتى اختلف هؤلاء: هل تقرأ الفاتحة في صلاة الجنازة إذا صُلِّيَ عليها في المقبرة ؟ وفيه عن أحمد روايتان،وهذه الرواية هي التي رواها أكثر أصحابه عنه،وعليها قدماء أصحابه الذين صحبوه،كعبد الوهاب الوراق [12] ،وأبي بكر المروزي،ونحوهما،وهي مذهب جمهور السلف،كأبي حنيفة ومالك وهشيم بن بشير وغيرهم،ولا يحفظ عن الشافعي نفسه في هذه المسألة كلام،وذلك لأن ذلك كان عنده بدعة .
وقال مالك:"ما علمت أحدًا يفعل ذلك"،فعلم أن الصحابة والتابعين ما كانوا يفعلونه .
والثالثة: أن القراءة عنده وقت الدفن لا بأس بها،كما نقل عن ابن عمر رضي الله عنهما،وبعض المهاجرين،وأما القراءة بعد ذلك - مثل الذين ينتابون [13] القبر للقراءة عنده - فهذا مكروه،فإنه لم ينقل عن أحد من السلف مثل ذلك أصلا
وهذه الرواية لعلها أقوى من غيرها،لما فيها من التوفيق بين الدلائل .
والذين كرهوا القراءة عند القبر،كرهها بعضهم،وإن لم يقصد القراءة هناك،كما تكره الصلاة،فإن أحمد نهى عن القراءة في صلاة الجنازة هناك .
ومعلوم أن القراءة في الصلاة ليس المقصود بها القراءة عند القبر،ومع هذا فالفرق بين ما يفعل ضمنا وتبعا،وما يفعل لأجل القبر،بُيِّنَ كما تقدم .
والوقوف [14] التي وقفها الناس على القراءة عند قبورهم،فيها من الفائدة أنها تعين على حفظ القرآن،وأنها رزق لحفاظ القرآن،وباعثة لهم على حفظه ودرسه وملازمته،وإن قدر أن القارئ لا يثاب على قراءته فهو مما يحفظ به الدين،كما يحفظ بقراءة الفاجر وجهاد الفاجر،وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: « إِنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ » [15] "."
قلت: وهو يؤيد القراءة على القبر ولم يمنعها،كما أنه بين جواز الوقف بقراءة القرآن عند القبر،وبين منافعها،بعكس ما ذهب إليه الشيخ ناصر رحمه الله ،الذي لم يذكر نص كلام ابن تيمية،وإنما أشار إليه إشارة فقط !!
قلت: وهناك آراء متناقضة لابن تيمية في هذه المسألة،قال في مجموع الفتاوى:"تَنَازَعَ النَّاسُ فِي الْقِرَاءَةِ عَلَى الْقَبْرِ فَكَرِهَهَا أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَحْمَد فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ وَرَخَّصَ فِيهَا فِي الرِّوَايَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ لَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَوْصَى أَنْ يُقْرَأَ عِنْدَ دَفْنِهِ بِفَوَاتِحِ الْبَقَرَةِ وَخَوَاتِمِهَا ."
وَقَدْ نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْأَنْصَارِ أَنَّهُ أَوْصَى عِنْدَ قَبْرِهِ بِالْبَقَرَةِ،وَهَذَا إنَّمَا كَانَ عِنْدَ الدَّفْنِ فَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ،وَلِهَذَا فُرِّقَ فِي الْقَوْلِ الثَّالِثِ بَيْنَ الْقِرَاءَةِ حِينَ الدَّفْنِ وَالْقِرَاءَةِ الرَّاتِبَةِ بَعْدَ الدَّفْنِ،فَإِنَّ هَذَا بِدْعَةٌ لَا يُعْرَفُ لَهَا أَصْلٌ . [16]
وَمَنْ قَالَ: إنَّ الْمَيِّتَ يَنْتَفِعُ بِسَمَاعِ الْقُرْآنِ وَيُؤْجَرُ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ غَلِطَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ". [17] . فَالْمَيِّتُ بَعْدَ الْمَوْتِ لَا يُثَابُ عَلَى سَمَاعٍ وَلَا غَيْرِهِ،وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ يَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ وَيَسْمَعُ سَلَامَ الَّذِي يُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَيَسْمَعُ غَيْرَ ذَلِكَ لَكِنْ لَمْ يَبْقَ لَهُ عَمَلٌ غَيْرُ مَا اسْتَثْنَي" [18] "
قلتُ: الاستدلالُ بالحديث على ما ذهب إليه فيه نظر كبير،لأن الحديث يتكلم عن عمل المرء نفسه،ولا يتكلم عن عمل غيره أصلًا،ولو صحَّ هذا التعيم المزعوم،لما انتفع الميت بدعاء غيره وقضاء دينه والحج عنه وغير ذلك،وهذا لا يقول به مسلم . [19]
وكلامه هذا يناقض كلامه في اقتضاء الصراط المستقيم ، والراجح ما ورد في اقتضاء الصراط المستقيم .
أمَّا قول الألباني الأخير:" قلت: وذلك هو مذهب أحمد أيضا: أن لا قراءة على القبر كما أثبته في كتابي"أحكام الجنائز"،وهو ما انتهى إليه رأي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كما حققته في كتابي المذكور ] ."
قلت: هذا رأيه فهو حرٌّ بهِ،ومثله رأيُ الشيخ صالح بن عثيمين رحمه الله،قال في شرحه لرياض الصالحين:"وأما القراءة عند القبر فالأصحُّ أنها مكروهة وأنه يكره للإنسان أن يذهب إلى القبر ثم يقف أو يجلس عنده ويقرأ لأن هذا من البدع،وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -"كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَة"ٌ [20] ،وأقلُّ أحوالها أن تكون مكروهة والله الموفق" [21] .
وقال في تعليقه على شرح زاد المستقنع:
"قال المصنف رحمه الله: [ولا تكره القراءة على القبر] ."
المراد بالقراءة: قراءة القرآن،وجمهور العلماء من السلف رحمة الله عليهم كالحنفية والمالكية والشافعية وطائفة من أصحاب الإمام أحمد -وهي الرواية الثانية عنه- على أنه لا تشرع القراءة على القبور؛ وأنها من الحدث؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقرأ على قبور أصحابه،ولا قرأ أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا من بعدهم من السلف الصالح من الأئمة ومن أُمرنا بالائتساء بهم،فحينئذٍ فإن هذا الفعل يعتبر من البدعة والحدث.
وجاءت رواية عند الإمام أحمد أنه رخَّص في ذلك،وفي ذلك ما يحكَى عن ابن عمر رضي الله عنهما.
والصحيح مذهب الجمهور: أنه لا تشرعُ القراءة على القبر؛ فإن وقعت إجارةً كأن يستأجر مقرئًا يقرأ على القبر،فالإجماعُ قائم على المنع والتحريم،وإنما الخلاف في المحتسب،وهو الذي يقرأ على القبر تبرعًا،أمَّا من استؤجر للقراءة فإن الإجماعَ منعقدٌ على أنها إجارة باطلة،وفي ذلك حديث (يس) ،أنه إذا قرئ على القبور (يس) أنه يخفف عنه ذلك اليوم،ويكون له من الحسنات والأجور على عدد الموتى،وهو حديثٌ ضعيف.
والصحيح الذي هو من هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أن السنَّة إذا قُبِر الميت أن يقام على قبره،وأن يدعى له؛ ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح لما انتهى من دفن الميت: « اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ وَسَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ فَإِنَّهُ الآنَ يُسْأَلُ » [22] . فدلَّ على أن المشروع هو الدعاء،وهذا هو ظاهر التنزيل في قول الحق تبارك وتعالى: { وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ } [الحشر:10] فدلَّ على أن المشروع هو الدعاء،والدعاءُ أنفع وأصلح للميت والحي: أمَّا للميت فلأنه رحمة جعلها الله للأموات عند الأحياء؛ ولما يكون بسبب هذا الدعاء من الخير له؛ فيفسح له في القبر وينوَّر له فيه،خاصةًَ إذا كان الداعي مخلصًا لله عز وجل.
وفيه مصلحةٌ للحيِّ؛ لأن الحيَّ يكتب الله أجره بإحسانه لأخيه المسلم ودعائه وترحمه واستغفاره له؛ ولذلك وصف الله الأخيار بأنهم يترحمون على إخوانهم الأموات الذين سبقوهم بالإيمان،ومن حقِّ المسلم على المسلم بعد موته أن يترحم عليه وأن يدعو له وأن يستغفر له.
أمَّا بالنسبة للقراءة فقلنا: إن الصحيح أنها لا تشرعُ،لا تخصيصًا بسورةٍ معينة ولا تشرعُ عمومًا،وهذا هو هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ،والمتأمِّل لفعله صلوات الله وسلامه عليه وهديه يعلم علمًا واضحًا بينًا أنه لا يشرعُ أن يقرأ على القبر؛ لأنه لو كان مشروعًا لفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ،ولفعله من بعده من الخلفاء الذين أمرنا بالاستنان بسنتهم،فحيثُ لم يفعل ذلك لا من رسول - صلى الله عليه وسلم - ولا من الخلفاء الراشدين،فإنه يبقى على الحظر؛ لأنَّ أمورَ العبادة توقيفيةٌ،ولا يجوزُ لأحدٍ أن يجتهد فيها ولو كان الأمر مستحسنًا." [23] ."
قلت: وهذا الكلامُ الذي قاله مليء بالأخطاء ،ولا سيما قوله أن جمهور السلف على منع قراءة القرآن على القبر،وقوله أنها من المحدثات،وزعمه أنها لم تحدث في عهد الصحابة والتابعين،وقوله أن الإجماع قائم على منع الاستئجار للقراءة على القبر،وقوله أن القراءة لا تشرعُ،لا تخصيصًا بسورةٍ معينة ولا تشرعُ عمومًا،وقوله أن هذا هو هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ،وقوله أنه لا يشرعُ أن يقرأ على القبر؛ لأنه لو كان مشروعًا لفعله الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ...
فكل ذلك فيه نظر ، وعمل السلف الصالح لا يستطيع أحد أن يستأثر به دون الناس ...
وقد خالف الشيخ مذهب الإمام أحمد الذي ينتسب إليه !!! .
(1) - في تعليقه على رياض الصالحين - (ج 1 / ص 370) ( 954) وحكم على الحديث بالضعف
(2) - السياقة: حال حضور الموت = الأطباق: أحوال واحدها طبق
(3) - المسند المستخرج على صحيح الإمام مسلم - (ج 1 / ص 190) (315 ) والسنن الكبرى للبيهقي (ج 4 / ص 56) (7318) ومعرفة السنن والآثار للبيهقي (2333 ) ومختصر صحيح المسلم للمنذري - (ج 1 / ص 12) (64)
(4) -دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين - (ج 6 / ص 251)
(5) - المجموع شرح المهذب - (ج 5 / ص 294)
(6) - أسنى المطالب - (ج 4 / ص 342) و المجموع شرح المهذب - (ج 5 / ص 294)
(7) - حاشية البجيرمي على الخطيب - (ج 6 / ص 196)
(8) - انظر تفسير ابن كثير - (ج 7 / ص 465)
(9) - المجموع شرح المهذب - (ج 5 / ص 294)
(10) - اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم - (ج 2 / ص 236)
(11) - أشار البيهقي بإسناده عن عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج ، عن أبيه أن ابن عمر يستحب ذلك . انظر: السنن الكبرى ( 4 / 56 ، 57 ) ، باب ما ورد في قراءة القرآن عند القبر ، وقال النووي في الأذكار: « وروينا في سنن البيهقي بإسناد حسن أن ابن عمر استحب أن يقرأ على القبر بعد الدفن أول سورة البقرة وخاتمتها » . انظر: الفتوحات الربانية ( 4 / 194 ) .
(12) - هو: عبد الوهاب بن الحكم بن نافع الوراق ، أبو الحسن ، صحب الإمام أحمد وسمع عنه ، وكان صالحا ورعا ثقة ، توفي سنة ( 251هـ ) ، انظر: طبقات الحنابلة ( 1 / 209 - 212 ) ، ( ت 281 ) ؛ وتقريب التقريب ( 1 / 528 ) ، ( ت 1403 ) .
(13) - أي يترددون .
(14) - أي الأوقاف ، جمع وقف ، قال في الروض المربع: « يقال: وقف الشيء وحبسه وأحبسه وسبله ، بمعنى واحد » ، ثم قال: « وهو: تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة على بر أو قربة » . انظر: الروض المربع بحاشية العنقري ( 2 / 452 ) .
(15) - صحيح البخارى (3062 ، 4203 ، 4204 ، 6606 ) وصحيح مسلم (319) وفيه قصة.
(16) - قلت: هذا نفي لا دليل عليه ، بل لها أصل أصيل ، والمثبت مقدَّمُ على النافي.
(17) - صحيح مسلم (4310)
وَقَالَ الْحَافِظ اِبْن الْقَيِّم: اُخْتُلِفَ فِي الْعِبَادَات الْبَدَنِيَّة كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاة وَقِرَاءَة الْقُرْآن وَالذِّكْر ، فَمَذْهَبُ أَحْمَد وَجُمْهُور السَّلَف وُصُولهَا ، وَهُوَ قَوْل بَعْض أَصْحَاب أَبِي حَنِيفَة رَحِمَهُ اللَّه . وَالْمَشْهُور مِنْ مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَمَالِك أَنَّ ذَلِكَ لَا يَصِل اِنْتَهَى مُخْتَصَرًا كَذَا فِي ضَالَّة النَّاشِد الْكَئِيب .عون المعبود - (ج 6 / ص 343)
(18) - مجموع فتاوى ابن تيمية - (ج 5 / ص 469)
(19) - مختصر الفتاوي المصرية لابن تيمية - (ج 1 / ص 183و 230و365)
(20) - صحيح مسلم (2042 )
(21) - شرح رياض الصالحين لابن عثيمين - (ج 4 / ص 114) وانظر مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين - (ج 9 / ص 447) و (ج 17 / ص 42) و (ج 17 / ص 132) وفتاوى الإسلام سؤال وجواب - (ج 1 / ص 1399) سؤال رقم 14285- حكم قراءة القرآن عند القبر ووضع الورود والريحان وفتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 3 / ص 1555) رقم الفتوى 12862 الأمر واسع في شأن وصول ثواب القراءة للميت وفتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 3 / ص 2664) رقم الفتوى 14865 أقوال العلماء في القراءة عند القبر وفتاوى إسلامية - (ج 2 / ص 96) حكم قراءة القرآن على القبر بعد الدفن والدرر السنية في الأجوبة النجدية - الرقمية - (ج 5 / ص 147) وفتاوى اللجنة الدائمة - 2 - (ج 2 / ص 176) قراءة الفاتحة عند القبر
(22) - سنن أبى داود (3223 ) صحيح
(23) - شرح زاد المستقنع لابن عثيمين - (ج 86 / ص 10)