71- (330) عن سلمان بن عامر رضى الله عنه عن النَّبىِّ - صلى الله عليه وسلم - قال:"إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ،فَإِنَّهُ بَرَكَةٌ،فَإِنْ لَمْ يَجِدْ تَمْرًا،فَالْمَاءُ،فَإِنَّهُ طَهُورٌ". رواه الترمذى وقال: حديث حسن .
وذكره الشيخ الألباني في ضعيف الجامع (389) ،وفي الإرواء (4/50) .
قلت: هو في سنن الترمذى (660 ) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنِ الرَّبَابِ عَنْ عَمِّهَا سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: « إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ فَإِنَّهُ بَرَكَةٌ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ تَمْرًا فَالْمَاءُ فَإِنَّهُ طَهُورٌ » . وَقَالَ: « الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ وَهِىَ عَلَى ذِى الرَّحِمِ ثِنْتَانِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ » . قَالَ وَفِى الْبَابِ عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَجَابِرٍ وَأَبِى هُرَيْرَةَ.
قَالَ أَبُو عِيسَى حَدِيثُ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَالرَّبَابُ هِىَ أُمُّ الرَّائِحِ بِنْتُ صُلَيْعٍ. وَهَكَذَا رَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِىُّ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنِ الرَّبَابِ عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - نَحْوَ هَذَا الْحَدِيثِ. وَرَوَى شُعْبَةُ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ.
وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنِ الرَّبَابِ. وَحَدِيثُ سُفْيَانَ الثَّوْرِىِّ وَابْنِ عُيَيْنَةَ أَصَحُّ. وَهَكَذَا رَوَى ابْنُ عَوْنٍ وَهِشَامُ بْنُ حَسَّانَ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنِ الرَّبَابِ عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ. [1]
وصحَّح الموصول بذكر الرباب بنت صليع البصرية: أبو حاتم الرازى،وابن خزيمة،وابن حبان،والحاكم . ووافقهم عليه أكابر الحفاظ: النووي،وابن القيم،والذهبي،وابن حجر،والصنعاني،والشوكاني،وجماعة .
وهو كما قالوا،فهذا إسناد رجاله كلهم ثقات،غير الرباب بنت صليع أم الرائح الضبيَّة البصرية ؛ وقد وثقت وصحَّح الأئمة الفحول حديثها كما سلف . وقال الحافظ أبو الحجاج المزي:"استشهد بها البخارى ـ يعني ذكر حديثها في صحيحه تعليقًا ـ وروى لها الباقون سوى مسلم اهـ [2] ."
ويعني الحافظ باستشهاد البخاري بها ؛ تقوية أمرها والاعتبار بمتابعتها،فقد علَّق البخاري حديثها في كتاب العقيقة (3/304 . سندى) عقب حديث سلمان بن عامر"مع الغلام عقيقة"،فقال ( 5472 ) وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ عَاصِمٍ وَهِشَامٍ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنِ الرَّبَابِ عَنْ سَلْمَانَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم -""
وقد ترجم الحافظ الذهبي في الميزان:"فصل ف"،وذكر منهن الرباب بنت صليع أم الرائح البصريَّة .
ولا يختلف حال الرباب بنت صليع عن مثيلاتها من النساء المجهولات اللاتى ذكرهن ابن حجر في التقريب وقال عنهن:"مقبولة من الثالثة"؛ يعني الطبقة الوسطى من التابعيات،أمثال:
(1) مرجانة أم علقمة،تفرد عنها ابنها علقمة،واحتج بها مالك في الموطأ
(3،2) دحيبة وصفية بنتا عليبة بن حرملة العنبريتان،تفرد عنهما عبد الله بن حسان .
(4) دقرة ـ بكسر الدال وسكون القاف ـ بنت غالب الراسبية البصرية ؛ أم عبد الرحمن بن أذينة قاضى البصرة،تفرد عنها محمد بن سيرين .
(5) سائبة ؛ مولاة الفاكه بن المغيرة المخزومى،تفرد عنها نافع مولى ابن عمر.
(6) عديسة بنت أهبان بن صيفى،تفرد عنها عبد الله بن عبيد الحميرى المؤذن .
فى عشرات أمثالهن ؛ ممن وثقن،واحتج بأحاديثهن أكابر الأئمة: كمالك،وأبو داود،والترمذي،وابن خزيمة،وابن حبان،والحاكم،والضياء المقدسي،ومن لا يُحصى كثرة من الحفاظ المتأخرين عن هؤلاء الأئمة الفحول،وفي مقدمتهم شيخ الإسلام الحافظ أبو زكريا النووي،والحافظ الذهبي [3]
ومن أعجب طرق الاستدلال لدى من يضعِّف أحاديث المجهولات من النساء كالرباب،ورائطة بنت مسلم،وصفية بنت عصمة،وضباعة بنت المقداد وغيرهن،كالألباني ومن يقلِّده في ذلك،أنهم يحتجُّون بتجهيل الحافظ الذهبي إياهن،ويتغاضون عما قرَّره من أن الجهالة عنده لا تعني الضعف ولا ترك الاحتجاج بحديث المجهولة .
وأما الشيخ الألباني في الإرواء (4/50) ،فقد قال عقب تحسين الترمذى الحديث،وقول الحاكم: صحيح على شرط البخارى بنصه:"وليس كذلك،فإن الرباب هذه إنما أخرج لها البخاري تعليقًا،ثم هي لا تعرف إلا برواية حفصة بنت سيرين عنها،كما قال الذهبي في الميزان،وقد وثقها ابن حبان وصحَّح حديثها هذا،وهو في ذلك تابع لشيخه ابن خزيمة،فقد صحَّح الحديث أيضًا كما في بلوغ المرام،وكذا صحَّحه أبو حاتم الرازي كما في تلخيص الحبير (192) ."
وأقول: ولا أدري ما وجه هذا التصحيح،لا سيما من مثل أبي حاتم،فإنه معروف بالتشدد في التصحيح،والقواعد الحديثية تأبى مثل هذا التصحيح،لتفرد حفصة عن الرباب كما تقدم ومعنى ذلك أنها مجهولة،فكيف يصحَّح حديثها ؟! مع عدم وجود شاهد له،اللهم إلا حديث أنس،وهو معلول بمخالفة سعيد بن عامر للثقات،كما سبق بيانه"انتهى بنصه ."
وأقول: لولا قوة الحُجَُّة لدى خصماء الشيخ الألباني في هذا الحديث ؛ لم يكثر من هذه التساؤلات،ولمَا تحيَّر قائلًا: لا أدري ما وجه هذا التصحيح ؟!،سيما وهو مخالف لمن يكثر الاحتجاج بتصحيحهم وأحكامهم !! .
وقد لا يخفاك أن القائلين بتصحيح هذا الحديث من أصحاب التأصيل لهذه القواعد الحديثية التي زعم الألباني ـ رحمه الله ـ أنها تأبى تصحيحه .
وأقول: وليس مع الشيخ الألباني من موجبات تضعيف الحديث إلا أمرين:
( أولهما ) أن الرباب بنت صليع البصرية مجهولة،لم يرو عنها غير حفصة بنت سيرين .
( ثانيهما ) أنها لم تتابع على حديثها .
فإن كان ذلك كذلك،فلماذا صحَّح نظائر وأشباه له كثيرة ؟! .
ففي ثنايا تقريره بطلان حديث"نعم المذكر السبحة"في سلسلته الضعيفة (1/112) ،ذكر ما نصه:"أنه مخالف لأمره - صلى الله عليه وسلم - ،حيث قال لبعض النسوة (عَلَيْكُنَّ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّقْدِيسِ،وَلا تَغْفُلْنَ فَتَنْسَيْنَ التَّوحِيدَ،وَاعْقِدْنَ بِالْأَنَامِلِ،فَإِنَّهُنَّ مَسْئُولَاتٌ مُسْتَنْطَقَاتٌ) . وهو حديث حسن،أخرجه أبو داود وغيره،وصحَّحه الحاكم والذهبي،وحسَّنه النووي والعسقلاني"اهـ .
فالألبانى هاهنا يعتمد تصحيح الحاكم والنووي والذهبي والعسقلاني لهذا الحديث،والراوية له: حميضة بنت ياسر مجهولة،لم يرو عنها غير ابنها هانئ بن عثمان الجهني،وهانئ هذا لم يوثقه غير ابن حبان ؟!،وحديثها فرد غريب لم يتابعها عليه أحد ؟!
وقال ابن حجر في تقريب التهذيب [4] :"حميضة بنت ياسر. مقبولة من الرابعة".
فلماذا يخالف الألباني هاهنا مذهبه في المجهولات والمقبولات ؟! . [5]
وقد رووه جميعا من طريق هانئ بن عثمان عن أمه حميضة بنت ياسر عن جدتها يسيرة وكانت من المهاجرات قالت: قال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"يا نِسَاءَ المُؤمِنَاتِ عَلَيْكُنَّ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّقْدِيسِ،وَلا تَغْفُلْنَ فَتَنْسَيْنَ الرَّحْمَةَ،وَاعْقِدْنَ بِالأَنَامِلِ،فَإِنَّهُنَّ مَسْئُولاتٌ مُسْتَنْطَقَاتٌ".
ففى إسناد الحديث حميضة بنت ياسر،إحدى المجهولات اللاتي لم يروعنهن إلا راوٍ واحد،ممن تفرد ابن حبان بتوثيقهن،وقال ابن حجر عن كلٍّ منهن:"مقبولة"،فسبيلها في قبول حديثها كسبيل الرباب بنت صليع البصرية لا يفترقان في شئٍ البتة،كلتاهما تابعية مجهولة لم يوثقها غير ابن حبان،وقال عنهما ابن حجر:"مقبولة"،فكيف فرَّق بينهما الألباني،فحسَّن حديث حميضة وضعَّف حديث الرباب ؟! .
أليس هذا من الاعتداد بقواعد وأصول علم الجرح والتعديل في موضع،ونقضه في موضع آخر ؟!
على أن ثمَّة أمرٍ آخر زائدٍ في حديث حميضة،الذي تلقاه الألباني بالقبول وحسَّنه،أن في إسناده هانئ بن عثمان الجهني وقد تفرد عن أمِّه حميضة،ولم يوثقه إلا الإمام العلم الجهبذ ابن حبان،ولهذا قال ابن حجر في التقريب عنه:"مقبول" [6] ! .
فلماذا تغافل عنه الألباني،وتناسى ما يكثر أن يعلل به تضعيف أحاديث المجاهيل بقوله:"توثيق ابن حبان لا يعُتمد،لأنه متساهل في التوثيق"؟! [7]
وعندي أن الحكم على الحديثين ـ حديث الرباب وحديث حُميضة ـ واحد،كلاهما صحيح،ولا يضرُّ راويتهما تفرد راوٍ عنهما وعدم اشتهارهما،وسبيلهما سبيل أمثالهن وأشباههن ممن احتج بهن مالك في موطئه: كزينب بنت كعب بن عجرة،وسائبة مولاة الفاكه بن المغيرة المخزومي،ومرجانة أم علقمة مولاة عائشة،وأم محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان وغيرهن ..
قلت: يظهر لي أن سبب هذا التناقض عند الألباني رحمه الله عدة احتمالات:
الأول- عدم ضبطه لعلم الجرح والتعديل بشكل دقيق،ذلك لأنه بحرٌ خِضمٌّ لا ساحل له
الثاني- فيه شيء من اتباع الهوى،فالحديث الذي يروق له يقويه بأية وسيلة كحديث المستنطقات مثلا،والذي لا يروق له كأحاديث التوسل فهو يردُّها مهما كانت قوية ويخالف جمهور الأمة بحجَّة التحقيق العلمي .
الثالث -عدم اطلاعه على شواهد الحديث ومتابعاته،وقد كثر تناقضه إلى حدٍّ كبير في سائر كتبه ، نسأل الله تعالى العافية ، والتجاوز عن ذنوبنا وذنوبه ، وتقصيرنا وتقصيره .
ـــــــــــــــــ
(1) - وأخرجه كذلك الطيالسي (1181) ، وعبد الرزاق (4/224/7587) ، والحميدي (823/2) ، وأحمد (4/214،18،17) ، والدارمي (1701) ، وعلي بن الجعد في المسند (2/826/2244) ، والنسائي في السنن الكبرى (2/254/3323:3319) ، أبو داود (2355) ، وابن ماجه (1699) ، وابن خزيمة (2067) ، وابن حبان (3506) ، والطبراني في الكبير (6/334:333/6197:6192) ، والحاكم (1/431) ، والبيهقى في السنن الكبرى (4/238) وشعب الإيمان (7/479/3615) ، والبغوي في شرح السنة (1743) ، والمزي في تهذيب الكمال (35/171) من طرق عن عاصم الأحول عن حفصة بنت سيرين عن الرباب بنت صليع عن عمها سلمان بن عامر مرفوعًا .
(2) - تهذيب الكمال (35/171/7836)
(3) - انظر الإكليل ببيان احتجاج الأئمة بروايات المجاهيل لأبي محمد الألفي
(4) - تقريب التهذيب (1/746/8570)
(5) - وقد أخرج حديثها ابن أبى شيبة (2/160/7656 و6/53/29414 و7/168/35038) ، وأحمد (6/370) ، وإسحاق بن راهويه (1/199:198) ، وابن سعد (( الطبقات الكبرى ) ) (8/310) ، والدورى (( تاريخ يحيى بن معين ) ) (3/51) ، وعبد بن حميد (( المنتخب ) ) (1570) ، وأبو داود (1501) ، والترمذى (3583) ، وابن أبى عاصم (( الآحاد والمثانى ) ) (6/73/3285) ، وابن حبان كما فى (( موارد الظمآن ) ) (2333) ، والطبرانى (( الكبير ) ) (25/74/180) و (( الأوسط ) ) (5/182/5016) ، والحاكم (1/547) ، وأبو نعيم (( الحلية ) ) (2/68) ، والرافعى (( التدوين في أخبار قزوين ) ) (3/52) ، والمزي (( تهذيب الكمال ) ) (30/141)
(6) - تقريب التهذيب [ ج 1 -ص 570 ] (7261 ) وفي الكاشف (5935 ) وثِّقَ
(7) - انظر على سبيل المثال: سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة (ج 1 / ص 80) و ص 157) وص 211) و (ج 2 / ص 356) و- (ج 3 / ص 93-94) و - (ج 6 / ص 240) و ص 263) و- (ج 11 / ص 529) والسلسلة الصحيحة (526 و1471 و2496 و2817 )