فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 94

49- ( 1626 ) عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَعِنْدَهُ مَيْمُونَةُ فَأَقْبَلَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ أُمِرْنَا بِالْحِجَابِ فَقَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم -: « احْتَجِبَا مِنْهُ » . فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَيْسَ أَعْمَى لاَ يُبْصِرُنَا وَلاَ يَعْرِفُنَا فَقَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم -: « أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا أَلَسْتُمَا تُبْصِرَانِهِ » ."رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح ."

( ضعيف ) [ فيه: نبهان مولى أم سلمة،وهو مجهول ] .

قلت: هو في سنن أبى داود (4114 ) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ حَدَّثَنِى نَبْهَانُ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَعِنْدَهُ مَيْمُونَةُ فَأَقْبَلَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ أُمِرْنَا بِالْحِجَابِ فَقَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « احْتَجِبَا مِنْهُ » . فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَيْسَ أَعْمَى لاَ يُبْصِرُنَا وَلاَ يَعْرِفُنَا فَقَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا أَلَسْتُمَا تُبْصِرَانِهِ » . قَالَ أَبُو دَاوُدَ هَذَا لأَزْوَاجِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - خَاصَّةً أَلاَ تَرَى إِلَى اعْتِدَادِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ قَدْ قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ « اعْتَدِّى عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ عِنْدَهُ » .

وفي سنن الترمذى (3005 ) حَدَّثَنَا سُوَيْدٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ نَبْهَانَ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ حَدَّثَتْهُ أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَمَيْمُونَةُ قَالَتْ فَبَيْنَا نَحْنُ عِنْدَهُ أَقْبَلَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَذَلِكَ بَعْدَ مَا أُمِرْنَا بِالْحِجَابِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « احْتَجِبَا مِنْهُ » . فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَيْسَ هُوَ أَعْمَى لاَ يُبْصِرُنَا وَلاَ يَعْرِفُنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا أَلَسْتُمَا تُبْصِرَانِهِ » . قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [1]

وقال النووي:"وَهَذَا الْحَدِيث حَدِيث حَسَن رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيْرهمَا قَالَ التِّرْمِذِيّ هُوَ حَدِيث حَسَن وَلَا يُلْتَفَت إِلَى قَدَح مِنْ قَدَح فِيهِ بِغَيْرِ حُجَّة مُعْتَمَدَة" [2] .

قلت: أما نبهان فالصواب أنه صدوق [3]

ورجال إسناده ثقات مشاهير كلهم ؛ غير نبهان مولى أم سلمة وقد وثق،وكفاه في توثيقه وعدالته أمران:

( أولهما ) تابعيته وكونه مولىً لأم المؤمنين أم سلمة زوج النَّبىِّ - صلى الله عليه وسلم - ،ولهذا ذكره ابن حبان في الثقات قال:"نبهان أبو يحيى مولى أم سلمة . يروى عن أم سلمة . روى عنه الزهرى . وكانت أم سلمة قد كاتبته،وأدى كتابته فعتق" [4] . وقال الحافظ ابن حجر في التقريب:"مقبول من الثالثة" [5] ،يعنى من أوساط التابعين الذين يتلقَّى حديثهم بالقبول تبعًا لقاعدة الحافظ الذهبي - رحمه الله- حيث قال في ديوان الضعفاء:"وأما المجهولون من الرواة،فإن كان من كبار التابعين أو أوساطهم ؛ احتمل حديثه وتلقي بحسن الظنِّ ؛ إذا سلم من مخالفة الأصول وركاكة الألفاظ".

ولهذا صرَّح الذهبي بتوثيقه من غير تورية،فقال في الكاشف:"نبهان . عن مولاته أم سلمة . وعنه: الزهري،ومحمد بن عبد الرحمن . ثقة" [6] .

وفى هذا التصريح بتوثيقه وتعديله ؛ ردٌّ على من زعم أن ذكر الذهبي في ذيل الضعفاء تجهيل ابن حزم إيَّاه إقرار منه بأنَّه مجهول !! .

وهاهنا ينبغي تنبيه الناظر في بعض كتب الحافظ الذهبي،وبخاصةٍ ميزان الاعتدال،أنَّه ربما ذكر كلَّ ما يقال عن الراوي من تضعيف أو تجهيل،وينسبه لقائله من غير تعقيب أو نفيٍ لجهالةٍ،فيظنُّ من لا يعلمُ خطَّة الذهبي وشرطه في المذكورين أن ذلك إقرارٌ منه بالضعف أو التجهيل،وهذا بخلاف مقصد الذهبي وغايته من صنيعه هذا ! .

قال أبو الحسنات اللكنوي في الرفع والتكميل في الجرح والتعديل:"قد أكثر علماء عصرنا من نقل جروح الرواة من ميزان الاعتدال ؛ مع عدم اطلاعهم على أنَّه ملخَّص من الكامل لابن عدي،وعدم وقوفهم على شرطهما فيه في ذكر أحوال الرجال،فوقعوا به في الزلل،وأوقعوا النَّاس في الجدل،فإنَّ كثيرًا ممن ذكر فيه ألفاظ الجرح: معدود في الثقات ؛ سالم من الجرح،فليتبصر العاقل،وليتنبه الغافل،وليجتنب المبادرة إلى جرح الرواة بمجرد وجود أالفاظ الجرح في حقِّه في الميزان،فإنه خسران أيُّ خسران . قال الذهبي في ديباجة ميزانه:"وفيه من تُكلم فيه مع ثقته وجلالته بأدنَى لينٍ،وبأقلِّ جرحٍ،فلولا أن ابن عدي وغيره من مؤلفي كتب الجرح ذكروه لما ذكرته لثقته،ولم أر أن أحذف اسم واحدٍ ممن له ذكرٌ بتليينٍ في كتب الأئمة المذكورين،خوفًا من أن يُتعقب عليَّ،لا أني ذكرته لضعفٍ فيه عندي" [7] بتمامه ."

( ثانيهما ) رواية الزهري عنه،ولا يضرُّه تفرده،فقد تفرَّد الزهري عن جماعة من تابعي المدنيين ؛ لم يرو عنهم غيره،ووثقهم أئمة التزكية والتعديل .

ولهذا قال الحافظ ابن حجر:"وَهُوَ حَدِيث أَخْرَجَهُ أَصْحَاب السُّنَن مِنْ رِوَايَة الزُّهْرِيِّ عَنْ نَبْهَان مَوْلَى أُمّ سَلَمَة عَنْهَا وَإِسْنَاده قَوِيّ،وَأَكْثَر مَا عَلَّلَ بِهِ اِنْفِرَاد الزُّهْرِيِّ بِالرِّوَايَةِ عَنْ نَبْهَان وَلَيْسَتْ بِعِلَّةٍ قَادِحَة،فَإِنَّ مَنْ يَعْرِفهُ الزُّهْرِيُّ وَيَصِفهُ بِأَنَّهُ مُكَاتَب أُمّ سَلَمَة وَلَمْ يُجَرِّحهُ أَحَد لَا تُرَدّ رِوَايَته" [8]

قلت: وهذا أحد المواضع التي تبين معنى قول ابن حجر عن الراوي:"مقبول"بأنَّه- ثقةٌ أو صدوقٌ-عنده ؛ خلافًا للمفهوم الخاطئ لدى المتأخرين،فليتنبه لمثله !! .

وأعجب شئٍ في تضعيفهم لحديث نبهان،تقليدُ من ضعَّفه لأبي محمد بن حزمٍ،الذي زعم جهالة نبهان لتفرد الزهري بالرواية عنه !! .

فإن كنت لا تعلم ما في هذا التقليد من الخطأ والجفاء لمذاهب الأئمة الفحول،فاعلم أنَّه: قد تفرد أبو بكرٍ محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهابٍ الزهرىُّ المدني عن جماعةٍ من المدنيين وغيرهم،ممن لم يرو عنهم غيرُه . ولست أعلم أحدًا أحصى ما للزهرى من أفرادٍ على وجه التحديد،وسأذكر في هذه العجالة عشرين راويًا ممن هم في عداد المجاهيل،على طريقة أهل الإصطلاح،تفرد أبو بكرٍ الزهرى بالرواية عنهم،وتلقَّى الأئمة أحاديثهم بالقبول واحتجُّوا بها [9]

(1) إسماعيل بن محمد بن ثابت بن قيس بن شماس .

(2) ثابت بن قيس الأنصارى الزرقي المدنى .

(3) حسين بن السائب بن أبي لبابة بن عبد المنذر الأنصاري .

(4) حصين بن محمد الأنصارى السالمى المدنى .

(5) حفص بن عمر بن سعد القرظ المدني المؤذن .

(6) سحيم ـ بمهملتين مصغرًا ـ مولى بنى زهرة .

(7) صالح بن بشير بن فديك أبو الفديك .

(8) عبد الرحمن بن مالك بن مالك بن جعشم،ابن أخي سراقة بن مالك المدلجي

(9) عبيد الله بن خليفة الخزاعي الكوفى .

(10) عثمان بن إسحاق بن خرشة القرشى العامرى المدنى .

(11) عقبة ويقال عتبة بن سويد الأنصاري .

(12) عكرمة بن محمد الدؤلى .

(13) عمر بن محمد بن جبير بن مطعم القرشى النوفلى .

(14) عمرو بن أبان بن عثمان بن عفان القرشى الأموى .

(15) عمرو بن عبد الله بن أنيس بن أسعد بن حرام الجهنى .

(16) محمد بن سويد بن كلثوم بن قيس القرشى الفهرى،ابن ابن أخى الضحاك بن قيس

(17) محمد بن عبد الله بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمى النوفلى .

(18) محمد بن النعمان بن بشير الأنصاري .

(19) أبو عثمان بن سنة الخزاعي الكعبي الدمشقي .

(20) أبو الأحوص مولى بنى ليث أو غفار .

ونزيدك إيضاحًا وتبصيرًا،ليزداد يقينك في توثيق وتعديل أمثال من روى عنه الزهرى،فنذكر أنموذجين من هؤلاء المذكورين:

[ الأول ] ثابت بن قيس الأنصارى الزرقى .

أخرج حديثه أحمد (2/267) (7846) قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ حَدَّثَنِي ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: أَخَذَتِ النَّاسَ رِيحٌ بِطَرِيقِ مَكَّةَ،وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حَاجٌّ،فَاشْتَدَّتْ عَلَيْهِمْ،فَقَالَ عُمَرُ لِمَنْ حَوْلَهُ: مَنْ يُحَدِّثُنَا عَنِ الرِّيحِ ؟،فَلَمْ يُرْجِعُوا إِلَيْهِ شَيْئًا،فَبَلَغَنِي الَّذِي سَأَلَ عَنْهُ عُمَرُ مِنْ ذَلِكَ،فَاسْتَحْثَثْتُ رَاحِلَتِي حَتَّى أَدْرَكْتُهُ،فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أُخْبِرْتُ أَنَّكَ سَأَلْتَ عَنِ الرِّيحِ،وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ:"الرِّيحُ مِنْ رَوْحِ اللهِ،تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ،وَتَأْتِي بِالْعَذَابِ،فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَلا تَسُبُّوهَا،وَسَلُوا اللهَ خَيْرَهَا،وَاسْتَعِيذُوا بِهِ مِنْ شَرِّهَا". [10]

قلت: هذا حديث صحيح،رجاله ثقات كلهم رجال الصحيحين،خلا ثابت بن قيس الأنصارى الزرقى،وهو ثقة ممن تفرد عنهم الزهرى .

وذكره ابن حبان في الثقات [11] . وقال الحافظ المزي في تهذيب الكمال:"ثابت بن قيس الأنصاري الزرقي المدني . روى عن أبي هريرة حديث ( الريح من روح الله) . روى عنه: الزهري . قال النسائي: ثقة . وقال أبو عبد الله ابن منده: مشهور من أهل المدينة" [12] .

وقال الحافظ ابن حجر في التقريب:"ثابت بن قيس الأنصاري الزرقي المدني . ثقة من الثالثة" [13] .

[ الثانى ] عمر بن محمد بن جبير بن مطعم القرشى النوفلى .

أخرج حديثه البخارى في كتاب الجهاد والسير (2821 ) قال: حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرٍ قَالَ أَخْبَرَنِي جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ: أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ،وَمَعَهُ النَّاسُ،مَقْفَلَهُ مِنْ حُنَيْنٍ،فَعَلِقَهُ النَّاسُ يَسْأَلُونَهُ،حَتَّى اضْطَرُّوهُ إِلَى سَمُرَةٍ،فَخَطِفَتْ رِدَاءَهُ،فَوَقَفَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - ،فَقَالَ:"أَعْطُونِي رِدَائِي،لَوْ كَانَ لِي عَدَدُ هَذِهِ الْعِضَاهِ نَعَمًا لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ،ثُمَّ لا تَجِدُونِي بَخِيلًا،وَلا كَذُوبًا،وَلا جَبَانًا". [14]

قال الحافظ المزى في تهذيب الكمال:"عمر بن محمد بن جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي النوفلي المدني،أخو سعيد وجبير وإبراهيم بني محمد بن جبير ابن مطعم . روى عن أبيه محمد بن جبير بن مطعم . روى عنه الزهري . قال النسائي: ثقة . وذكره ابن حبان في كتاب الثقات . روى له البخاري حديثًا واحدًا" [15] .

وفى تقريب التهذيب:"ثقة . ما روى عنه غير الزهرى . من السادسة" [16] .

والخلاصة أنه ليس مع من ضعَّف هذا الحديث حجة سوى:

( أولًا ) التأويل الخاطئ لقول الحافظ عن نبهان مكاتب أم سلمة: مقبول،وقد علمت أنه ثقة عند الترمذي وابن حبان والنووي والذهبي وابن حجر،وهو اللائق بحال التابعي الموصوف بأنه مكاتب أم سلمة .

( ثانيًا ) تقليد ابن حزم على زعمه جهالة نبهان،وقد علمت أن الأئمة الفحول على توثيق من تفرد الزهري بالرواية عنهم،ومنهم نبهان مولى أم سلمة رضي الله عنهم أجمعين .

فالصوابُ من القول أنه حديثٌ صحيحٌ .

قال المباركفوري رحمه الله:"فِيهِ تَحْرِيمُ نَظَرِ الْمَرْأَةِ إِلَى الْأَجْنَبِيِّ مُطْلَقًا،وَبَعْضٌ خَصَّهُ بِحَالِ خَوْفِ الْفِتْنَةِ عَلَيْهَا جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِ عَائِشَةَ: كَانَ الْحَبَشُ يَلْعَبُونَ بِحِرَابِهِمْ،فَسَتَرَنِى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأَنَا أَنْظُرُ،فَمَا زِلْتُ أَنْظُرُ حَتَّى كُنْتُ أَنَا أَنْصَرِفُ .." [17] ،وَمَنْ أَطْلَقَ التَّحْرِيمَ قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ آيَةِ الْحِجَابِ،وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَجُوزُ نَظَرُ الْمَرْأَةِ إِلَى الرَّجُلِ فِيمَا فَوْقَ السُّرَّةِ وَتَحْتَ الرُّكْبَةِ بِلَا شَهْوَةٍ،وَهَذَا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى الْوَرَعِ وَالتَّقْوَى . قَالَ السُّيُوطِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: كَانَ النَّظَرُ إِلَى الْحَبَشَةِ عَامَ قُدُومِهِمْ سَنَةَ سَبْعٍ وَلِعَائِشَةَ يَوْمئِذٍ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً،وَذَلِكَ بَعْدَ الْحِجَابِ فَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى جَوَازِ نَظَرِ الْمَرْأَةِ إِلَى الرَّجُلِ اِنْتَهَى .

وَبِدَلِيلِ أَنَّهُنَّ كُنَّ يَحْضُرْنَ الصَّلَاةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي الْمَسْجِدِ وَلَا بُدَّ أَنْ يَقَعَ نَظَرُهُنَّ إِلَى الرِّجَالِ،فَلَوْ لَمْ يَجُزْ لَمْ يُؤْمَرْنَ بِحُضُورِ الْمَسْجِدِ وَالْمُصَلَّى،وَلِأَنَّهُ أُمِرَتِ النِّسَاءُ بِالْحِجَابِ عَنِ الرِّجَالِ،وَلَمْ يُؤْمَرْ الرِّجَالُ بِالْحِجَابِ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بَعْدَ رِوَايَةِ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ هَذَا مَا لَفْظُهُ: هَذَا لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - خَاصَّةً،أَلَا تَرَى إِلَى اِعْتِدَادِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ عِنْدَ اِبْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ . قَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ:"اعْتَدِّى عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ" [18] .

وَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ: هَذَا جَمْعٌ حَسَنٌ،وَبِهِ جَمَعَ الْمُنْذِرِيُّ فِي حَوَاشِيهِ وَاسْتَحْسَنَهُ شَيْخُنَا اِنْتَهَى . وَقَالَ فِي الْفَتْحِ: الْأَمْرُ بِالِاحْتِجَابِ مِنِ اِبْنِ أمِّ مَكْتُومٍ،لِعِلْمِهِ لِكَوْنِ الْأَعْمَى مَظِنَّةَ أَنْ يَنْكَشِفَ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَا يَشْعُرُ بِهِ،فَلَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمُ جَوَازِ النَّظَرِ مُطْلَقًا،قَالَ: وَيُؤَيِّدُ الْجَوَازَ اِسْتِمْرَارُ الْعَمَلِ عَلَى جَوَازِ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْمَسَاجِدِ وَالْأَسْوَاقِ وَالْأَسْفَارِ،مُنْتَقِبَاتٍ لِئَلَّا يَرَاهُنَّ الرِّجَالُ،وَلَمْ يُؤْمَرِ الرِّجَالُ قَطُّ بِالِانْتِقَابِ لِئَلَّا يَرَاهُمُ النِّسَاءُ . فَدَلَّ عَلَى مُغَايَرَةِ الْحُكْمِ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ" [19] ."

وقد ذكر ابن قدامة نحو ذلك عن الإمام أحمد،فقال في المغني:"يحتمل أن حديث نبهان خاص لأزواج النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ،كذلك قال أحمد وأبو داود ."

قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: كأن حديث نبهان لأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة،وحديث فاطمة لسائر الناس ؟،قال: نعم" [20] ."

قلت: وهذا الجمعُ يدفع التعارض بين الأحاديث الصحيحة،وتزول معه شبهة التضعيف لحديث نبهان،والله أعلم . [21]

ـــــــــــــــــ

(1) - وانظر طريقه في المسند الجامع - (ج 20 / ص 1061) (17622) وسنن البيهقي 7/92 والفتح 1/550 و12/37 وشرح السنة 9/24 والإتحاف 6/491 والخطيب في التاريخ 3/16 و8/339 وموارد الظمآن (1968) والإحسان (5575) والنسائي في الكبرى (9241) وإسحاق في مسنده (34) وأبو يعلى (6922) والتمهيد لابن عبد البر 19/154و156وابن سعد 8/175و178 وعشرة النساء للنسائي (341-7997 بتحقيقي) والتلخيص الحبير في تخروقال ابن الملقن في البدر المنير - (ج 7 / ص 512) هَذَا الحَدِيث صَحِيح.

(2) - شرح النووي على مسلم - (ج 5 / ص 240) وفتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 10 / ص 2426) رقم الفتوى 72743 تعليل اعتداد فاطمة بنت قيس في بيت ابن أم مكتوم

(3) - انظر تقريب التهذيب [ ج 1 -ص 559 ] (7092 ) وقال: مكاتب أم سلمة مقبول من الثالثة وفي الكاشف [ ج 2 -ص 316 ] (5795 ) ثقة، وسكت عليه البخاري في التاريخ الكبير [ ج 8 -ص 135 ] (2466 ) والثقات لابن حبان [ ج 5 -ص 486 ] (5854) وسكت عليه في الجرح والتعديل [ ج 8 -ص 502 ] ( 2300 )

(4) - الثقات (5/486/

(5) - التقريب (1/559/ 7092 )

(6) - الكاشف (2/316/5759)

(7) - الرفع والتكميل في الجرح والتعديل ( ص142)

(8) - فتح الباري - (ج 15 / ص 48)

(9) - انظر الإكليل ببيان احتجاج الأئمة بروايات المجاهيل لأبي محمد الألفي

(10) - وأخرجه كذلك الشافعي المسند (ص81) ، وعبد الرزاق في جامع معمر (11/89) والبخاري في الأدب المفرد (906،720) ، وأبو داود (5097) ، والنسائي في الكبرى (6/231/10768،10767) وعمل اليوم والليلة (932،931) ، وابن ماجه (3717) ، وأبو يعلى (10/527/6142) ، وابن حبان (5732،1007) ، وأبو الشيخ في العظمة (4/1314،1313) ، والحاكم (4/318) ، والبيهقي في السنن الكبرى (3/361) من طرق عن الزهرى عن ثابت بن قيس الزرقى عن أبى هريرة بنحوه .

(11) - الثقات (4/90/1962)

(12) - تهذيب الكمال (4/372/828)

(13) - التقريب (1/133/827)

(14) - وأخرجه كذلك عبد الرزاق (5/243/9497) ، وأحمد (4/82) ، وابن حبان (4820) ، والطبراني في الكبير (2/131:130/1555:1552) ، وابن عبد البر في التمهيد (20/52) ، والمزي في تهذيب الكمال (21/496) من طرق عن الزهرى أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرٍ قَالَ أَخْبَرَنِي جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ به .

(15) - تهذيب الكمال (21/495/4301)

(16) - تقريب التهذيب (1/416)

(17) - صحيح البخارى (5190 )

(18) - صحيح مسلم (3770 )

(19) - تحفة الأحوذي - (ج 7 / ص 87) وانظر تأويل مختلف الحديث - (ج 1 / ص 67) وعون المعبود - (ج 9 / ص 146)

(20) - المغنى (7/81) و تأويل مختلف الحديث ( ص225)

(21) - انظر المنهج المأمول ببيان معنى قول ابن حجر مقبول لأبي محمد الألفي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت