فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 94

55- ( 1873 ) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « مَنْ لَزِمَ الاِسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ » . رواه أبو داود .

( ضعيف ) [ فيه: الحكم بن مصعب،وهو مجهول ] .

قلت: هو في سنن أبى داود (1520 ) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُصْعَبٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِىِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « مَنْ لَزِمَ الاِسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ » . [1]

وأما الحكم بن مصعب،فقد اختلفوا فيه،فقال الذهبي: صويلح [2] ،وسكت عليه البخاري [3] وابن أبي حاتم [4] وذكره ابن حبان في الثقات وقال يخطئ [5] ،وقال ابن حجر: مجهول [6]

قلت: الراجح عندي أنه حسن حديثه لسكوت هؤلاء الأعلام عنه ولقول الذهبي فيه أنه صويلح وكذا المنذري في آخر الترغيب

معنى الاستغفار

الاستغفار هو طلب المغفرة والصفح،وهو دليل حساسية القلب وانتفاض شعوره بالإثم ورغبته في التوبة والإقالة من الذنب وعدم المؤاخذة عليه لنيل الرحمة الربانية في الدنيا والآخرة.

إن الاستغفار اسم واقع على خمسة معان: أولها الندم على ما مضى،والثاني العزم على ترك العودة إليه أبدا،والثالث أن تؤدّي إلى المخلوقين حقوقهم حتى تلقى الله وليس عليك تبعة،والرابع أن تعمِد إلى اللحم الذي نبت من السحت فتذيبه بالأحزان حتى تُلصِق الجلد بالعظم وينشأ بينهما لحم جديد،والخامس أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية،فعند ذلك تقول: أستغفر الله.

والاستغفار ينبغي أن يكون بتذلل وتضرع وانكسار وخضوع وافتقار،وبعيون دامعة وقلوب خاشعة ونفوس إلى رحمة ربها وصفحه وفضله طامعة, وينبغي أن يكون معه حرارة الابتهال والصدق في السؤال والتضرع في الحال والشعور بالفقر إلى المغفرة في الاستقبال. ويستحب أن يكون متواصلا بالليل والنهار،وبالأخص في الأسحار،حينما ينزل الله جل جلاله بعظمته وعزته ورحمته إلى السماء الدنيا،وينادي عباده بنداء لطيف لنيل مصالحهم وغفران زلاتهم وقضاء حاجاتهم،فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ يَقُولُ مَنْ يَدْعُونِى فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِى فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِى فَأَغْفِرَ لَهُ » [7] .

أفضل صيغه:

على المؤمن أن يستغفر بالصيغ الواردة في القرآن والمأثورة عن خير الأنبياء؛ فهي أنصح بيانًا وأرجح ميزانًا وأجمعُ للمعاني وأروع في المباني وأعظم تأثيرًا في القلوب. على أن في الاستغفار والدعاء بالمأثور أجرين: أجر الدعاء والاستغفار،وأجر الاتباع والاقتداء. ولا حرج عليه فيما يلهمه الله ويفتح له من صيغ وابتهالات،وعليه بسيد الاستغفار فعَنْ بُشَيْرِ بْنِ كَعْبٍ الْعَدَوِىِّ قَالَ حَدَّثَنِى شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - « سَيِّدُ الاِسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّى،لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ،خَلَقْتَنِى وَأَنَا عَبْدُكَ،وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ،أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ،أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَىَّ وَأَبُوءُ بِذَنْبِى،اغْفِرْ لِى،فَإِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ » . قَالَ « وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا،فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِىَ،فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ،وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهْوَ مُوقِنٌ بِهَا،فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ،فَهْوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ » [8] ..

وعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّ لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِى الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ مِائَةَ مَرَّةٍ « رَبِّ اغْفِرْ لِى وَتُبْ عَلَىَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ » . [9]

وعَنْ زَيْدٍ مَوْلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « مَنْ قَالَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِى لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ غُفِرَ لَهُ وَإِنْ كَانَ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ » [10] .

وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ،قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: مَنْ قَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ،وَأَتُوبُ إِلَيْهِ ثَلاثًا،غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ،وَإِنْ كَانَ فَارًّا مِنَ الزَّحْفِ" [11] "

ومن أفضلها استغفار آدم وحواء عليهما السلام قال تعالى: {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (23) سورة الأعراف

وكذلك دعاء ذي النون عليه السلام،قال تعالى: {وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} (87) سورة الأنبياء.

وعَنْ سَعْدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « دَعْوَةُ ذِى النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِى بَطْنِ الْحُوتِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّى كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ. فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِى شَىْءٍ قَطُّ إِلاَّ اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ » [12] .

وعَنْ أَبِى بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رضى الله عنه - . أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلِّمْنِى دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِى صَلاَتِى . قَالَ: « قُلِ اللَّهُمَّ إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى ظُلْمًا كَثِيرًا وَلاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ،فَاغْفِرْ لِى مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ،وَارْحَمْنِى إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ » [13] .

وفي حديث التوجه"اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ. أَنْتَ رَبِّى وَأَنَا عَبْدُكَ ظَلَمْتُ نَفْسِى وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِى فَاغْفِرْ لِى ذُنُوبِى جَمِيعًا إِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ" [14]

وقَالَ أبو هُرَيْرَةَ:"إِنَّ أَوْفَقَ الدُّعَاءِ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّى وَأَنَا عَبْدُكَ ظَلَمْتُ نَفْسِى وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِى يَا رَبِّ فَاغْفِرْ لِى ذَنْبِى إِنَّكَ أَنْتَ رَبِّى إِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ". [15]

وعَنْ عَلِيٍّ،قَالَ: ما مِنْ كَلِمَاتٍ أَحَبُّ إِلَى اللهِ أَنْ يَقُولَهُنَّ الْعَبْدُ: اللَّهُمَّ لاَ إلَهَ إِلاَّ أَنْتَ اللَّهُمَّ لاَ أَعْبُدُ إِلاَّ إيَّاكَ،اللَّهُمَّ لاَ أُشْرِكُ بِكَ شَيْئًا،اللَّهُمَّ إنِّي قَدْ ظَلَمْت نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي،إِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ [16] .

أوقاتُ الاستغفار:

والاستغفار مشروعٌ في كل وقت،وهناك أوقات وأحوال مخصوصة يكون للاستغفار فيها مزيد فضل،فيستحبُّ الاستغفار بعد الفراغ من أداء العبادات؛ ليكون كفارة لما يقع فيها من خلل أو تقصير،كما شرع بعد الفراغ من الصلوات الخمس،فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا سلم من الصلاة المفروضة يستغفر الله ثلاثا؛ فعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلاَتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلاَثًا وَقَالَ « اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلاَمُ وَمِنْكَ السَّلاَمُ تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ » . قَالَ الْوَلِيدُ فَقُلْتُ لِلأَوْزَاعِىِّ كَيْفَ الاِسْتِغْفَارُ قَالَ تَقُولُ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ [17] . لأن العبد عرضة لأن يقع منه نقصٌ في صلاته بسبب غفلة أو سهو.

كما شرع الاستغفار في ختام صلاة الليل،قال تعالى عن المتقين: { كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) } [الذاريات/17-18] . وقال تعالى: { الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (17) } [آل عمران/16،17] .

وشرع الاستغفار بعد الإفاضة من عرفة والفراغ من الوقوف بها قال تعالى: { ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199) } [البقرة/199] .

وشرع الاستغفار في ختم المجالس فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ قَالَ كَلِمَاتٌ لاَ يَتَكَلَّمُ بِهِنَّ أَحَدٌ فِى مَجْلِسِهِ عِنْدَ قِيَامِهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ إِلاَّ كُفِّرَ بِهِنَّ عَنْهُ وَلاَ يَقُولُهُنَّ فِى مَجْلِسِ خَيْرٍ وَمَجْلِسِ ذِكْرٍ إِلاَّ خُتِمَ لَهُ بِهِنَّ عَلَيْهِ كَمَا يُخْتَمُ بِالْخَاتَمِ عَلَى الصَّحِيفَةِ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ. [18]

فإن كان مجلس خير كان كالطابع عليه،وإن كان غير ذلك كان كفارة له.

وشرع الاستغفار بعد كل ذنب،فعَنْ أَسْمَاءَ بْنِ الْحَكَمِ الْفَزَارِىِّ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيًّا - رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ كُنْتُ رَجُلًا إِذَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حَدِيثًا نَفَعَنِى اللَّهُ مِنْهُ بِمَا شَاءَ أَنْ يَنْفَعَنِى وَإِذَا حَدَّثَنِى أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ اسْتَحْلَفْتُهُ فَإِذَا حَلَفَ لِى صَدَّقْتُهُ قَالَ وَحَدَّثَنِى أَبُو بَكْرٍ وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ - رضى الله عنه - أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « مَا مِنْ عَبْدٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إِلاَّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ » . ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (135) سورة آل عمران. [19]

وشرع الاستغفار في ختام العمر،وفي حالة الكبر،فقد قال الله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم - عند اقتراب أجله: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3) [سورة النصر] .

فقد جعل الله فتح مكة،ودخول الناس في دين الله أفواجا،علامة على قرب نهاية أجل النبي - صلى الله عليه وسلم - ،وأمره عند ذلك بالاستغفار،فينبغي ملازمة الاستغفار في كل وقت،والإكثار منه في هذه الأوقات والأحوال المذكورة،لتحوزوا هذه الفضائل،وتنالوا هذه الخيرات،فقد كان نبينا يكثر من الاستغفار،وعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّ لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِى الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ مِائَةَ مَرَّةٍ « رَبِّ اغْفِرْ لِى وَتُبْ عَلَىَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ » [20] .

وعند النوم،فعَنْ أَبِى سَعِيدٍ رضى الله عنه عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: « مَنْ قَالَ حِينَ يَأْوِى إِلَى فِرَاشِهِ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ الَّذِى لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَىَّ الْقَيُّومَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ. ثَلاَثَ مَرَّاتٍ غَفَرَ اللَّهُ ذُنُوبَهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ وَإِنْ كَانَتْ عَدَدَ وَرَقِ الشَّجَرِ وَإِنْ كَانَتْ عَدَدَ رَمْلِ عَالِجٍ وَإِنْ كَانَتْ عَدَدَ أَيَّامِ الدُّنْيَا » [21] .

بعد الفجر وبعد العصر،فعن قيس بن أبي حازم،حدثني معاذ،رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: « مَنْ قَالَ بَعدَ الفَجرِ ثَلاثَ مَراتٍ،وبَعدَ العَصرِ ثَلاثَ مَراتٍ: أَستغفرُ اللهَ العَظيمَ الذي لا إلهَ إلاَّ هوَ الحَيَّ القَيومَ و أَتوبُ إليهِ،كُفّرتْ عنهُ ذُنوبهُ وإنْ كانتْ مِثلَ زَبدِ البَحرِ» [22] .

الأستغفار سنة الأنبياء والمرسلين:

إن الاستغفار سنة الأنبياء والمرسلين،وطريق ووسيلة الأولياء والصالحين،يلجؤون إليه في كل وقت وحين،في السراء والضراء،به يتضرعون وبه يتقربون،وبه يرتقون في مدارج القرب عند الله،به ينوِّرون قلوبهم وينيرون قبورهم،وبه يصححون سيرهم إلى الله،وبه يُنصرون ويُمطرون ويرزقون ويغاثون ويرحمون،فأبونا آدم وأمنا حواء عليما السلام لما أذنبا وعاتبهما ربهما أحسَّا بخطئهما التجآ إلى ربهما متضرعين مستغفرين نادمين مسترحمين،فكان مما قالا: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:23] . وقال سيدنا نوح عليه السلام: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِي مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [نوح:28] ،وقال: وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنْ الْخَاسِرِينَ [هود:47] . وقال موسى عليه السلام لما قتل رجلا من الأقباط: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [القصص:16] . وقال شعيب لقومه: وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ [هود:90] . وقال سيدنا صالح لقومه بعد أن أمرهم بعبادة الله: يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ [هود:61] . وحكى الله عن سيدنا داود لما تسَرَّع في الحكم بين الخصمين ولم يتريث في ذلك،فأحس بخطئه: فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ [ص:24] . وهذا ابنه سليمان قال: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [ص:35] . وهذا إبراهيم عليه السلام كان يستغفر لنفسه ولأبيه رغم ضلاله،وبقي كذلك حتى تيقن أنه عدو الله فتبرأ منه،وكان يستغفر لكل مؤمن سابق ولاحق،رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ [إبراهيم:41] . وهذا خيرتهم وخاتمهم محمد - صلى الله عليه وسلم - قال له ربه: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [محمد:19] ،وقال له: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا [النصر:3] .

وحاجتنا نحن اليوم للتوبة والاستغفار أكثر من أي وقت مضى؛ لأن وقتنا هذا امتلأ بالمغريات والذنوب،وكثرت أسباب المعاصي في البيت والشارع والعمل،وقست بسبب ذلك القلوب وعلاها الران،وانطمست البصائر والأبصار،فأصبح لزاما على المؤمنين لزوم هذه العبادة العظيمة وتجديدها حينا بعد حين،واللوذ بهذا الركن الركين،اقتداء بالرسل الكرام صفوةِ خلق الله،وبرسولنا الأواه وأصحابه والتابعين الذين وصفهم الله بقوله: إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ كَانُوا قَلِيلًا مِنْ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات:16-18] .

وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسْرٍ،رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ،قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: « طُوبَى لِمَنْ وَجَدَ فِى صَحِيفَتِهِ اسْتِغْفَارًا كَثِيرًا » [23]

أهم فوائد الاستغفار:

*-الاستغفارُ أفضل العبادات وأنفعها للعباد،وقد أمر الله عز وجل به في آيات كثيرة،فقال تعالى: وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيم (المزمل:20) وقال تعالى: وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ (هود:90) ،وقد أمر عز وجل به نبيه - صلى الله عليه وسلم - وفي ضمن ذلك أمر لأمته- فقال عز وجل: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (النصر:3) ،

*-مغفرة الذنوب لقوله تعالى: { وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (136) } [آل عمران/135-137]

وقوله تعالى: { وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (106) } [النساء/106]

*-المتاع الحسن،لقد أمر الله هذه الأمة بالاستغفار والتوبة, ووعدهم بأن يمتِّعهم متاعًا حسنًا من إغداق في النعم والطيبات وسَعة في العيش وتمتع بالأموال وصلاح في البنين والأهل إن سمعوا وأطاعوا, وتوعدهم بعذاب كبير في الدنيا والآخرة إن خالفوا وعصوا،فقال الله جل شأنه: { وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (3) } [هود/3]

*-إنزال المطر وزيادة القوة لقوله تعالى: {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ} (52) سورة هود،فالاستغفارُ مع الإقلاع عن الذنب سببٌ للخصب والنماء وكثرة الرزق وزيادة العزّة والمنعة.

*-إجابة الدعاء لقوله تعالى {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ } (61) سورة هود

*الرحمة والودُّ،فهذا النبي شعيبٌ عليه السلام يرى قومَه على أسوأ الأخلاق مع الشرك والإلحاد،فيلحُّ في نُصحهم للإقلاع عمّا هم فيه من ضلال،ويبشّرهم بأنّ ربَّهم رحيمٌ بعباده ودود،يرضَى عن عباده الصالحين،ويكفِّر عنهم ما مضى من سيِّئاتهم إذا أخلصوا النيةَ والتوجهَ إليه لقوله تعالى: {وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ} (90) سورة هود

*-الاستغفار زاد الداعية إلى الله،لقوله تعالى: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} (55) سورة غافر

*-الاستغفارُ سببٌ في جلب النعم ودفع النقم. فهو سبب لنزول الغيث والإمداد بالأموال والبنين ونبات الأشجار وتوفر المياه،لقوله تعالى على لسان النبي نوح عليه السلام: {ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12) } [نوح/9،12]

فإن نبي الله نوحا عليه السلام أمر قومه بالاستغفار ليحرك عواطفهم،وليهز مشاعرهم،وليجدد الإيمان في قلوبهم،وليُظهر لهم أن ما أصابهم من انحباس الأمطار وضيق الأرزاق وحرمان الذرية وفقد سبل العيش الكريم مردُّه أولا إلى جفاف القلوب من الإيمان وخلو الأفئدة من الخوف والتفكر والاعتبار؛ لأن جفاف القلوب والعقول أضر من جفاف الحقول،بل هو سبب كل ذلك.

(1) - المسند الجامع - (ج 9 / ص 721) (6788) والمستدرك للحاكم (7677) وسكت عليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى - (ج 8 / ص 163و240و527) و (ج 10 / ص 255) و (ج 16 / ص 53) و (ج 35 / ص 83)

(2) - الكاشف [ ج 1 -ص 345 ] (1190 )

(3) - في التاريخ الكبير [ ج 2 -ص 338 ] (2670 )

(4) - في الجرح والتعديل [ ج 3 -ص 128 ] (581 )

(5) - الثقات لابن حبان [ ج 6 -ص 187 ] (7295)

(6) - وفي تقريب التهذيب [ ج 1 -ص 176 ] (1461) مجهول

(7) - صحيح البخارى (1145 )

(8) - صحيح البخارى (6306 ) -أبوء: أعترف وأقر

(9) سنن أبى داود (1518 ) صحيح

(10) - سنن أبى داود (1519 ) صحيح

(11) - المستدرك للحاكم (1884) صحيح لغيره

(12) - سنن الترمذى (3845) صحيح لغيره - النون: الحوت

(13) - صحيح البخارى (834 ) و صحيح مسلم (7044)

(14) - صحيح مسلم (1848) مطولا عَنْ عَلِىِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ رضي الله عنه

(15) - مسند أحمد (10966) صحيح

(16) - مصنف ابن أبي شيبة (ج 10 / ص 328) (30136) صحيح

(17) - صحيح مسلم (1362 )

(18) - سنن أبى داود (4859 ) صحيح

(19) - سنن أبى داود (1523 ) صحيح

(20) - سنن أبى داود (1518 ) صحيح

(21) - سنن الترمذى (3725 ) حسن لغيره -الزبد: الرغوة

(22) - عمل اليوم والليلة لابن السني (126) وفوائد تمام (1001 ) والدعاء للطبراني (1783 و 1784 و 1785) والإتحاف 5/127 و 131 صحيح لغيره

(23) - مسند البزار (3508) وسنن ابن ماجه (3950) صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت