قال ابن الصَّلاح: إذا تقرَّر حُكم التعاليق المَذْكورة, فقول البُخَاري: ما أدخلتُ في كِتَابي إلاَّ ما صحَّ, وقول الحافظ أبي نصر السِّجْزي: أجمعَ الفُقهاء وغيرهم أنَّ رَجُلا لو حلف بالطَّلاق: أنَّ جميع البُخَاري صحيح, قاله رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - لا شكَّ فيه, لم يحنث, محمولٌ على مقاصد الكتاب وموضوعه, ومُتون الأبواب المُسْندة, دُون التَّراجم ونحوها. [1]
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله [2] :
"وَالْمَقْصُود مِنَ الْأَخْذ بِالْيَدِ لَازِمُهُ وَهُوَ الرِّفْق وَالِانْقِيَاد . وَقَدْ اِشْتَمَلَ عَلَى أَنْوَاع مِنَ الْمُبَالَغَة فِي التَّوَاضُع لِذِكْرِهِ الْمَرْأَة دُون الرَّجُل،وَالْأَمَة دُون الْحُرَّة،وَحَيْثُ عَمَّمَ بِلَفْظِ الْإِمَاء أَيّ أَمَة كَانَتْ،وَبِقَوْلِهِ"حَيْثُ شَاءَتْ"أَيْ مِنَ الْأَمْكِنَة . وَالتَّعْبِيرُ بِالْأَخْذِ بِالْيَدِ إِشَارَة إِلَى غَايَة التَّصَرُّف حَتَّى لَوْ كَانَتْ حَاجَتهَا خَارِج الْمَدِينَة وَالْتَمَسَتْ مِنْهُ مُسَاعَدَتهَا فِي تِلْكَ الْحَاجَة عَلَى ذَلِكَ،وَهَذَا دَالّ عَلَى مَزِيد تَوَاضُعه وَبَرَاءَته مِنْ جَمِيع أَنْوَاع الْكِبْر - صلى الله عليه وسلم - . وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَمّ الْكِبْر وَمَدْح التَّوَاضُع أَحَادِيث،مِنْ أَصَحّهَا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِى قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ » . قَالَ رَجُلٌ إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً. قَالَ « إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ » . [3] وَالْغَمْطُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمِيم بَعْدهَا مُهْمَلَة هُوَ الِازْدِرَاء وَالِاحْتِقَار،وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحَاكِم بِلَفْظِ"وَلَكِنَّ الْكِبْرَ مَنْ بَطِرَ الْحَقَّ وَازْدَرَى النَّاسَ" [4] وَالسَّائِلُ الْمَذْكُور يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون ثَابِت بْن قَيْس فَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَن عَنْهُ أَنَّهُ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ [5] ،وَكَذَا أَخْرَجَ مِنْ حَدِيث سَوَاد بْن عَمْرو أَنَّهُ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ [6] ،وَأَخْرَجَ عَبْد بْن حُمَيْدٍ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس رَفَعَهُ"الْكِبْر السَّفَه عَنْ الْحَقّ،وَغَمْص النَّاس . فَقَالَ: يَا نَبِيّ اللَّه وَمَا هُوَ ؟ قَالَ: السَّفَه أَنْ يَكُون لَك عَلَى رَجُل مَال فَيُنْكِرهُ فَيَأْمُرهُ رَجُل بِتَقْوَى اللَّه فَيَأْبَى،وَالْغَمْص أَنْ يَجِيء شَامِخًا بِأَنْفِهِ،وَإِذَا رَأَى ضُعَفَاء النَّاس وَفُقَرَاءَهُمْ لَمْ يُسَلِّم عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَجْلِس إِلَيْهِمْ مَحْقَرَة لَهُمْ" [7] "
وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان وَالْحَاكِم مِنْ حَدِيث عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « مَنْ مَاتَ وَهُوَ بَرِىءٌ مِنْ ثَلاَثٍ الْكِبْرِ وَالْغُلُولِ وَالدَّيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ » [8] .
وَأَخْرَجَ أَحْمَد وَابْن مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد رَفَعَهُ « مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ دَرَجَةً رَفَعَهُ اللَّهُ دَرَجَةً حَتَّى يَجْعَلَهُ فِى عِلِّيِّينَ وَمَنْ تَكَبَّرَ عَلَى اللَّهِ دَرَجَةً وَضَعَهُ اللَّهُ دَرَجَةً حَتَّى يَجْعَلَهُ فِى أَسْفَلِ السَّافِلِينَ » . [9]
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي"الْأَوْسَط"عَنْ اِبْن عُمَر رَفَعَهُ"إِيَّاكُمْ وَالْكِبَرَ ; فَإِنَّ الْكِبَرَ يَكُونُ فِي الرَّجُلِ،وَإِنَّ عَلَيْهِ الْعَبَاءَةَ" [10] وَرُوَاته ثِقَات،وَحَكَى اِبْن بَطَّال عَنِ الطَّبَرِيِّ أَنَّ الْمُرَاد بِالْكِبْرِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث الْكُفْر،بِدَلِيلِ قَوْله فِي الْأَحَادِيث"عَلَى اللَّه"ثُمَّ قَالَ: وَلَا يُنْكِر أَنْ يَكُون مِنَ الْكِبْر مَا هُوَ اِسْتِكْبَار عَلَى غَيْر اللَّه تَعَالَى وَلَكِنَّهُ غَيْر خَارِج عَنْ مَعْنَى مَا قُلْنَاهُ ؛ لِأَنَّ مُعْتَقِد الْكِبْر عَلَى رَبّه يَكُون لِخَلْقِ اللَّه أَشَدّ اِسْتِحْقَارًا اِنْتَهَى [11] .
وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ حَدِيث عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ أَخِى بَنِى مُجَاشِعٍ قَالَ قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ذَاتَ يَوْمٍ خَطِيبًا فَقَالَ: « َإِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَىَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لاَ يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ وَلاَ يَبْغِى أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ » [12] .،وَالْأَمْر بِالتَّوَاضُعِ نَهْيٌ عَنِ الْكِبْر فَإِنَّهُ ضِدّه،وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْكُفْر وَغَيْره،وَاخْتُلِفَ فِي تَأْوِيل ذَلِكَ فِي حَقّ الْمُسْلِم فَقِيلَ: لَا يَدْخُل الْجَنَّةَ مَعَ أَوَّل الدَّاخِلِينَ،وَقِيلَ لَا يَدْخُلهَا بِدُونِ مُجَازَاة،وَقِيلَ جَزَاؤُهُ أَنْ لَا يَدْخُلهَا وَلَكِنْ قَدْ يُعْفَى عَنْهُ،وَقِيلَ وَرَدَ مَوْرِد الزَّجْر وَالتَّغْلِيظ،وَظَاهِره غَيْرُ مُرَاد . وَقِيلَ مَعْنَاهُ لَا يَدْخُل الْجَنَّة حَال دُخُولهَا وَفِي قَلْبه كِبْرٌ،حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ،وَاسْتَضْعَفَهُ النَّوَوِيّ فَأَجَادَ لِأَنَّ الْحَدِيث سِيقَ لِذَمِّ الْكِبْر وَصَاحِبه لَا لِلْإِخْبَارِ عَنْ صِفَة دُخُول أَهْل الْجَنَّة الْجَنَّة،قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمَقَامُ يَقْتَضِي حَمْل الْكِبْر عَلَى مَنْ يَرْتَكِبُ الْبَاطِل ؛ لِأَنَّ تَحْرِير الْجَوَاب إِنْ كَانَ اِسْتِعْمَال الزِّينَة لِإِظْهَارِ نِعْمَة اللَّه فَهُوَ جَائِز أَوْ مُسْتَحَبّ،وَإِنْ كَانَ لِلْبَطَرِ الْمُؤَدِّي إِلَى تَسْفِيه الْحَقّ وَتَحْقِيرِ النَّاس وَالصَّدّ عَنْ سَبِيل اللَّه فَهُوَ الْمَذْمُوم .""
ـــــــــــــــــ
(1) - فتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 1 / ص 49) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 75)
(2) - فتح الباري لابن حجر - (ج 17 / ص 241)
(3) - صحيح مسلم (275 ) -البطر: التكبر على الحق فلا يقبله =الغمط: الاحتقار والاستهانة
(4) - المستدرك للحاكم (69) ومسند أحمد (3862) صحيح لغيره
(5) - عَنْ ثَابِتِ بن قَيْسٍ ، قَالَ: ذُكِرَ الْكِبْرُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَشَدَّدَ فِيهِ ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لأَغْسِلُ ثِيَابِي ، فَيُعْجِبُنِي بَيَاضُها ، وَيُعْجِبُنِي شِرَاكُ نَعْلِي ، وعَلاقَةُ سَوْطِي ، فَقَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ الْكِبْرَ ، إِنَّمَا الْكِبْرُ أَنْ تُسَفِّهَ الْحَقَّ ، وتَغْمِصَ النَّاسَ.المعجم الكبير للطبراني (1302و1303 )
(6) - عَنْ سَوَادِ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَجُلٌ حُبِّبَ إِلَيَّ الْجَمَالُ وَأُعْطِيتُ مِنْهُ مَا تَرَى فَمَا أُحِبُّ أَنْ يَفُوقَنِي أَحَدٌ فِي شِسْعِ نَعْلِي أَوْ قَالَ: شِرَاكُ نَعْلِي - أَفَمِنَ الْكِبْرِ ذَاكَ ؟ قَالَ:"لَا". قُلْتُ: فَمَا الْكِبْرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ:"مَنْ سَفَّهَ الْحَقَّ ، وَغَمَصَ النَّاسَ". المعجم الكبير للطبراني ( 6359 و6361) وهو صحيح
(7) - مسند عبد بن حميد (675) والمسند الجامع (6773) وهو حديث قوي
(8) - سنن الترمذى (1667) والمستدرك للحاكم (2218) السنن الكبرى للبيهقي (ج 9 / ص 101) (18672) المسند الجامع - (ج 3 / ص 677) (2051) ه صحيح - الغلول: السرقة من الغنيمة قبل أن تقسم
(9) - مسند أحمد (12043) ومسند أبي يعلى الموصلي (1109) والمسند الجامع - (ج 6 / ص 758) (4543) وهو حديث حسن
(10) - المعجم الكبير للطبراني (865) والمعجم الأوسط للطبراني ( 554 )
(11) - شرح ابن بطال - (ج 17 / ص 325)
(12) - صحيح مسلم (7389 )