فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 94

إن الله عز وجل حفظ دينه من عبث العابثين،وكيد الكائدين،وتمثل هذا الحفظ في صور عديدة وأشكال مختلفة،ولا يخفى هذا الأمر على منصف خلع العصبية المقيتة،وتحلَّى بالعدل الذي هو ميزة العقلاء،فإن كتاب الله قال الله عنه: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر:9] .

فهذا المصحف الذي نسخ منه مئات الملايين من النسخ،وعبر الأزمان المتفاوتة،منذ نزل على قلب محمد - صلى الله عليه وسلم - وإلى يومنا هذا وهو مع كل هذا محروس من الزيادة والنقصان،فلو أخذ إنسان نسخًا من القرآن من مكتبات الدنيا كلها لوجدها متفقة لا اختلاف بينها.

أما السنة النبوية التي هي بمثابة الشرح للقرآن،فقد هيأ الله من يحفظها من جهابذة الرجال،الذين بذلوا أنفسهم لهذا الشأن العظيم من أمثال الإمام البخاري الذي قال عنه أَبو الطَّيِّبُ حَاتِمُ بنُ مَنْصُوْرٍ الكِسِّيُّ: مُحَمَّدُ بنُ إِسْمَاعِيْلَ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللهِ فِي بصرِهِ وَنفَاذِهِ مِنَ العِلْمِ . [2]

وقال رجاء الحافظ: فَضْلُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيْلَ عَلَى العُلَمَاءِ كفضلِ الرِّجَالِ عَلى النِّسَاءِ.

فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ،كُلُّ ذَلِكَ بِمَرَّةٍ؟!

فَقَالَ: هُوَ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللهِ يَمْشِي عَلَى ظَهرِ الأَرْضِ.. [3]

ويقول محمد بن إسحاق بن خزيمة: مَا رَأَيْتُ تَحْتَ أَديمِ السَّمَاءِ أَعْلَمَ بِحَدِيْثِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأَحْفَظَ لَهُ مِنْ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيْلَ [4] .

ولقد كثرت السهام التي توجه للإسلام وللقضايا المسلَّمة عند جماهير علماء الأمة في هذا الزمان،وهذه الهجمات ليست جديدة ولا يستبعد أن تكون هنالك أيدٍ خفيةً تحرك مثل هذه الدعوات المغرضة لتشكيك المسلمين عامة وطلبة العلم الشرعي خاصة في قضايا صارت من القطعيات في دين الإسلام كقول بعض من ينسب للعلم الشرعي إن السنة ليست مصدرًا للتشريع ويجب الاكتفاء بما في القرآن الكريم،وكقول بعضهم إنه لا يوجد حديث واحد قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - - بلفظه،بل كل ما ورد إنما هو بالمعنى،وكقول بعضهم: إن أصول الفقه بدعة وإنه لا قياس في الشرع ونحو ذلك من الترهات والخزعبلات .

وقد تصدى العلماء للرد على هذه القضايا وأمثالها قديمًا وحديثًا ولا يتسع المقام لكل ذلك فلعلي أذكر شيئًا يسيرًا في إبطال الفرية المذكورة:

لقد اتفق علماء الأمة قديمًا وحديثًا على أن صحيح الإمام البخاري وصحيح الإمام مسلم هما أصحُّ كتابين بعد كتاب الله عز وجل،وأن الأحاديث المسندة المتصلة المذكورة فيهما أحاديث صحيحة ثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

قال الإمام النووي رحمه الله: [ اتفق العلماء رحمهم الله على أن أصحَّ الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان البخاري ومسلم وتلقتهما الأمة بالقبول . وكتاب البخاري أصحهما وأكثرهما فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة . وقد صحَّ أن مسلمًا كان ممن يستفيد من البخاري ويعترف بأنه ليس له نظير في علم الحديث ] [5] .

وقال الإمام النسائي: [ ما في هذه الكتب كلها أجود من كتاب البخاري ] المصدر السابق .

وقال ابن الصلاح: [ أول من صنف في الصحيح،البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل وتلاه أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري ومسلم مع أنه أخذ عن البخاري واستفاد منه فإنه يشارك البخاري في كثير من شيوخه وكتاباهما أصح الكتب بعد كتاب الله العزيز ] [6] .

ويقول الشهرزوري: جميع ما حكم مسلم بصحته من هذا الكتاب فهو مقطوع بصحته،والعلم النظري حاصل بصحته في نفس الأمر،وهكذا ما حكم البخاري بصحته في كتابه،وذلك لأن الأمة تلقت ذلك بالقبول،سوى من لا يعتد بخلافه ووفاقه في الإجماع،والذي نختاره أن تلقي الأمة للخبر المنحط عن درجة التواتر بالقبول يوجب العلم النظري بصدقة. [7]

ويقول أبو المعالي الجويني: لو حلف إنسان بطلاق امرأته أن ما في كتابي البخاري ومسلم مما حكما بصحته من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لما ألزمته الطلاق ولا حنثته لإجماع علماء المسلمين على صحتهما. [8]

وقال الذهبي: [ وأما جامع البخاري الصحيح فأجل كتب الإسلام وأفضلها بعد كتاب الله تعالى ] [9] .

وقال ولي الله الدهلوي: [ أما الصحيحان فقد اتفق المحدثون على أن جميع ما فيهما من المتصل المرفوع صحيح بالقطع وأنهما متواتران إلى مصنفيهما،وأن كل من يهون أمرهما فهو مبتدع متبع غير سبيل المؤمنين ] [10] .

وقال العلامة أحمد محمد شاكر: [ الحق الذي لا مرية فيه عند أهل العلم بالحديث من المحققين وممن اهتدى بهديهم وتبعهم على بصيرة من الأمر: أن أحاديث الصحيحين صحيحة كلها . ليس في واحد منها مطعن أو ضعف . وإنما انتقد الدارقطني وغيره من الحفاظ بعض الأحاديث . على معنى أن ما انتقدوه لم يبلغ في الصحة الدرجة العليا التي التزمها كل واحد منهما في كتابه . وأما صحة الحديث في نفسه فلم يخالف أحد فيها . فلا يهولنك إرجاف المرجفين . وزعم الزاعمين أن في الصحيحين أحاديث غير صحيحة وتتبع الأحاديث التي تكلموا فيها وانقدها على القواعد الدقيقة التي سار عليها أئمة أهل العلم واحكم عن بينة . والله الهادي إلى سواء السبيل] [11] .

وقال الشيخ ناصر الدين الألباني رحمه الله: [ كيف والصحيحان هما أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى باتفاق علماء المسلمين من المحدثين وغيرهم فقد امتازا على غيرهما من كتب السنة بتفردهما بجمع أصح الأحاديث الصحيحة وطرح الأحاديث الضعيفة والمتون المنكرة على قواعد متينة وشروط دقيقة وقد وفقوا في ذلك توفيقًا بالغًا لم يوفق إليه من بعدهم ممن نحا نحوهم في جمع الصحيح؛ كابن خزيمة وابن حبان والحاكم وغيرهم،حتى صار عرفًا عامًا أن الحديث إذا أخرجه الشيخان أو أحدهما فقد جاوز القنطرة ودخل في طريق الصحة والسلامة . ولا ريب في ذلك وأنه هو الأصل عندنا ] [12] .

وبعد أن ذكرت هذه الباقة العطرة من أقوال أهل العلم من المتقدمين والمتأخرين في الثناء على الصحيحين فيجب أن يعلم أن هؤلاء العلماء وغيرهم لم يطلقوا هذه الأحكام على الصحيحين جزافًا،وإنما جاءت هذه الأحكام بعد أن درسوا الصحيحين دراسة واعية على بصيرة وهدى . فقد درس آلاف العلماء من الحفاظ وغيرهم أسانيد البخاري ومسلم دراسة مستفيضة فوصلوا إلى ما وصلوا إليه وهو الحق وماذا بعد الحق إلا الضلال ؟.

فالأحاديث المرفوعة في الصحيحين أو أحدهما صحيحة بدون أدنى شك،وأما الحديث المتفق عليه فهو ما اتفق البخاري ومسلم على روايته في صحيحيهما والحديث المتفق عليه هو أعلى درجة من درجات الحديث الصحيح .

قال الإمام النووي: [ الصحيح أقسام أعلاها ما اتفق عليه البخاري ومسلم ثم ما انفرد به البخاري ثم مسلم ثم على شرطهما ثم على شرط البخاري ثم مسلم ثم صحيح عند غيرهما ] [13] .

وقال الشوكاني: [ واعلم أن ما كان من الأحاديث في الصحيحين أو أحدهما جاز الاحتجاج به من دون بحث،لأنهما التزما الصحة وتلقت ما فيهما الأمة بالقبول ] [14] .

وينبغي أن يعلمَ أن من أهل العلم من انتقد على الصحيحين أو أحدهما أحاديث كالدارقطني وقد فصلَّ الحافظُ ابن حجر الكلام على الأحاديث المنتقدة على صحيح البخاري في الفصل الثامن من مقدمته لفتح الباري،والمسماة هدي الساري،فذكر الأحاديث المنتقدة،وأجاب عليها جوابًا إجماليًا وجوابًا مفصلًا فقال في الأول منهما: [ والجواب عنه على سبيل الإجمال أن نقول لا ريب في تقديم البخاري ثم مسلم على أهل عصرهما ومن بعده من أئمة هذا الفن في معرفة الصحيح والمعلل . فبتقدير توجيه كلام من انتقد عليهما يكون قوله معارضًا لتصحيحهما،ولا ريب في تقديمهما في ذلك على غيرهما فيندفع الاعتراض من حيث الجملة ] [15] . ثم ذكر الجواب التفصيلي عن كل حديث انتقد على البخاري .

وخلاصة الأمر أنَّ مَنْ طعن في أحاديث البخاري ومسلم فكلامه مردود عليه،حيث إنَّ أهل هذا الشأن من الحفاظ وأهل الحديث أجابوا عن ذلك أجوبة قاطعة واضحة . وإنَّ الطعن في البخاري ومسلم ما هو إلا طعنٌ في السنَّة النبوية،ومن يطعن في السنة النبوية يخشى عليه من الزندقة .اهـ

وبعض المبتدعة يرد نصوص السنة بحجة أنها آحاد لا يلزمه اتباعها،أو ظنية الدلالة فلا يلزمه قبولها،وهو بذلك يحرم نفسه نور الوحي،وهدي الله،فإن القرآن وإن كان قطعي الثبوت،فأكثره ظني الدلالة،والسنة أكثرها ظني الدلالة ظني الثبوت،فمن اشترط للاحتجاج بالأدلة أن تكون قطعية الثبوت والدلالة،فقد رد معظم الشريعة،وناقض إجماع الأمة.

يقول الإمام ابن عبد البر في التمهيد [16] :"وأجمع أهل العلم من أهل الفقة والأثر في جميع الأمصار فيما علمت على قبول خبر الواحد العدل،وإيجاب العلم به إذا ثبت ولم ينسخه غيره من أثر أو إجماع،على هذا جميع الفقهاء في كل عصر من لدن الصحابة إلى يومنا هذا،إلا الخوارج،وطوائف من أهل البدع شرذمة لا تعد خلافًا،وقد أجمع المسلمون على جواز قبول الواحد السائل المستفتي لما يخبره به العالم الواحد إذا استفتاه فيما يعلمه".

وقال أيضًا:"الذي نقول به أنه يوجب العمل دون العلم،كشهادة الشاهدين والأربعة سواء،وعلى ذلك أكثر أهل الفقه والأثر وكلهم يدين بخبر الواحد العدل في الاعتقادات،ويعادي ويوالي عليها،ويجعلها شرعًا ودينًا في معتقده. على ذلك جماعة أهل السنة".

وقال الإمام القرطبي في تفسيره [17] :"وهو مجمع عليه (أي قبول خبر الآحاد) من السلف معلوم بالتواتر من عادة النبي - صلى الله عليه وسلم - في توجيهه ولاته ورسله آحادًا للأفاق ليعلموا الناس دينهم،فيبلغوهم سنة رسولهم - صلى الله عليه وسلم - من الأوامر والنواهي. والله أعلم."

إن التعامل مع الصحيحين الذي ورد طرف منه في السؤال يجب التفريق فيه بين من له دراية بعلم الحديث وأهليته،وبين عامة الناس،بل ربما يقال حتى من طلبة العلم الذين ليس لديهم الأهلية في علم الحديث.

فأما المشتغلون بعلم الحديث فهؤلاء لهم أن يناقشوا قبول أي حديث حتى وإن كان في الصحيحين،ولكن ليس ببدعٍ من القول،وإنما على ضوء القواعد الحديثية المعروفة،ومن خلال كلام من تقدم من أهل العلم،وقد أشار الحافظ ابن حجر -رحمه الله- إلى ذلك في (مقدمة فتح الباري) وذكر أمثلة من الأحاديث المنتقدة على الصحيح،والإجابة عنها.

ومن أوائل من انتقد بعض أحاديث الصحيحين الإمام الدار قطني -رحمه الله- في (الإلزامات والتتبع) .

ومع هذا الذي ذكرت فإنني أنبه إلى أمور:

1-أن طالب العلم لا ينبغي له التعجل في هذا الباب والاستقلال بالحكم،فإن للصحيحين من المنزلة وتلقي الأمة لهما بالقبول ما ليس لغيرهما،ولذا فإنك تجد من علماء الحديث من لم يسلّم بهذه الانتقادات كلها سوى مواضع يسيرة منها كابن الصلاح،والنووي،وابن حجر وآخرين.2- أن الانتقاد الوارد على الصحيحين إنما هو في أحاديث معدودة نسبتها ضئيلة إلى جانب مجموع ما فيهما،ومع ذلك فكثير منها قد أجيب عنه كما تقدم.

3-أن ما يمكن انتقاده على الصحيحين يكاد أن يكون قد فرغ منه،فقد مضى على تأليف الصحيحين أكثر من ألف عام،وما من حديث قد يتطرق إليه الانتقاد إلا ذُكر خلال هذه المدة،وستجد في المقابل من يجيب عن الانتقاد سواء كان ذلك من جهة السند أو المتن.

4--وهو أمر مهم- أن الغالب في الانتقادات الواردة كانتقادات الدارقطني -رحمه الله- إنما هو من جهة السند الذي ساقه صاحب الصحيح،مع أن متن الحديث ثابت من طرق أخرى،وكثير منها يسلّم به المنتقِد كالدارقطني. فإذًا لا يلزم من توجيه الانتقاد إلى حديث ما في أحد الصحيحين عدم ثبوته من وجه آخر.

5-أن النظر العقلي المحض وردّ الروايات الصحيحة بدعوى مخالفتها للعقل -فحسب- ليس من منهج أهل السنة،فإنهم -وإن كانوا قد يناقشون المتن منفردًا عن السند- بيد أنهم لا يطلقون العنان للعقل المجرد كي يردّ ما شاء من صحيح المنقول،وإنما تَرِدُ المناقشة عندهم في المتن -حين يقتضي الحال ذلك- على ضوء النصوص الأخرى والقواعد الحديثية والأصولية والفقهية.

ولئن كان هذا في شأن أهل العلم،فهو في حق العامة أولى،إذ ليس لهم أن يردوا الأحاديث بدعوى عدم موافقتها للعقل،وأي عقل هذا الذي يتحاكم إليه؟ فإن عقول الناس وفهومهم مختلفة متفاوتة!

هذا ما يتعلق بالمتخصصين في هذا العلم.

أما غيرهم -لا سيما عامة الناس- فلا يجوز لهم الخوض في قضية القبول والرفض لما في الصحيحين،بل عليهم أن يأخذوا بالأصل،وهو: قبول ما في الصحيحين،لتلقي الأمة لهما بالقبول والتسليم بصحة ما فيهما في الجملة. والله -تعالى- أعلم.

"نعم.. لقد ضعَّف الشيخ الألباني أحاديث قليلة جدًا في صحيح البخاري،ولكن لا يلزم من تضعيف الشيخ لها أن تكون ضعيفة بالفعل،بل قد تكون صحيحة كما ذهب إلى ذلك البخاري من قبل،وقد تكون ضعيفة فعلًا. فتضعيف الشيخ الألباني - عليه رحمة الله- اجتهاد منه،قابل للقبول والرد."

لكن العلماء قد نصوا أن أحاديث الصحيحين (صحيح البخاري وصحيح مسلم) كلها مقبولة،إلا أحاديث يسيرة انتقدها بعض النقاد الكبار،الذين بلغوا رتبة الاجتهاد المطلق في علم الحديث. وأن ما سوى تلك الأحاديث اليسيرة،فهي متلقاة بالقبول عند الأمة جميعها.

وبناء على ذلك: فإن الحديث الذي يضعفه الشيخ الألباني في صحيح البخاري له حالتان: الأولى: أن يكون ذلك الحديث الذي ضعفه الألباني قد سبقه إلى تضعيفه إمام مجتهد متقدم،فهذا قد يكون حكم الشيخ الألباني فيه صوابًا،وقد يكون خطأ،وأن الصواب مع البخاري.

الثانية: أن يكون الحديث الذي ضعفه الألباني لم يسبق إلى تضعيفه،فهذا ما لا يقبل من الشيخ -رحمه الله-؛ لأنه عارض اتفاق الأمة على قبول ذلك الحديث (كما سبق) . والله أعلم.""

قلت: هذا هو الصواب .

قال العلامة ابن باز رحمه الله [20] :

"إنَّ هذا شذوذ عن العلماء لا يعول عليه إلا في أشياء يسيرة عند مسلم - رحمه الله - نبه عليها الدارقطني وغيره،والذي عليه أهل العلم هو تلقي أحاديث الصحيحين بالقبول والاحتجاج بها كما صرح بذلك الحافظ ابن حجر والحافظ ابن الصلاح وغيرهما،وإذا كان في بعض الرجال المخرج لهم في الصحيحين ضعفٌ،فإن صاحبي الصحيح قد انتقيا من أحاديثهم ما لا بأس به،مثل: إسماعيل بن أبي أويس،ومثل عمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر بن الخطاب،وجماعات فيهم ضعف لكن صاحبي الصحيح انتقيا من أحاديثهم ما لا علة فيه ؛ لأنَّ الرجل قد يكون عنده أحاديث كثيرة فيكون غلط في بعضها أو رواها بعد الاختلاط إن كان ممن اختلط،فتنبه صاحبا الصحيحين لذلك فلم يرويا عنه إلا ما صحَّ عندهما سلامته ."

والخلاصة: أن ما رواه الشيخان قد تلقته الأمة بالقبول،فلا يسمع كلام أحد في الطعن عليهما رحمة الله عليهما سوى ما أوضحه أهل العلم كما تقدم.. والله ولي التوفيق"."

قَوْلُهُ: ( ثَلَاثَةٌ: أَنَا خَصْمُهُمْ ) قَالَ اِبْنُ التِّينِ: هُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خَصْمٌ لِجَمِيعِ الظَّالِمِينَ إِلَّا أَنَّهُ أَرَادَ التَّشْدِيدَ عَلَى هَؤُلَاءِ بِالتَّصْرِيحِ،وَالْخَصْمُ يُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدِ وَعَلَى الِاثْنَيْنِ وَعَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ .

قال المهلب: قوله: « أعطى بى ثم غدر » يريد نقض عهدًا عاهده عليه،وقوله: « استأجر أجيرا فلم يعطه أجره » ،هو داخل في معنى من باع حرًا؛ لأنه استخدمه بغير عوض،وهذا عين الظلم،وإنما عظم الإثم فيمن باع حرا؛ لأن المسلمين أكفاء في الحرمة والذمة،وللمسلم على المسلم أن ينصره ولا يظلمه،وأن ينصحه ولا يسلمه،وليس في الظلم أعظم من أن يستعبده أو يعرضه لذلك،ومن باع حرا فقد منعه التصرف فيما أباح الله له،وألزمه حال الذلة والصغار،فهو ذنب عظيم،ينازع الله به في عبادة. [21]

وفي الحديث أيضا التنبيه على مسألة يفعلها كثير من الناس اليوم،وهي أنهم يستأجرون الأجراء ولا يعطون لهم أجرا،هذا الذي يفعل يستأجر الأجير ولا يعطيه أجره يكون الله عز وجل خصمه يوم القيامة،هذا الرجل الذي استأجر أجيرا فاستوفى منه وقام الأجير بالعمل كاملا ثم لم يعطه أجرته ومن ذلك ما يفعله بعض الناس اليوم في العمال الذي يأتون بهم من الخارج،تجده يستأجره بأجرة معينة مثلا ستمائة ريال في الشهر،ثم إذا جاء به إلى هنا ماطل به وآذاه ولم يؤت له حقه،وربما يقول له تريد أن تبقى هنا بأربعمائة ريال وإلا سافرت،هذا والعياذ بالله يكون الله خصمه يوم القيامة،ويأخذ من حسناته ويعطيها هذا العامل،لأن قوله إما أن تعمل بأربعمائة وإلا سفرتك،هذا استأجره بستمائة ولم يعطه أجره،فيدخل في هذا الوعيد الشديد،

وهؤلاء الذين يأتون بالعمال ولا يعطونهم أجورهم أو يأتون بهم وليس عندهم شغل،ولكن يتركونهم في الأسواق،ويقول:اذهب وما حصلته فلي نصفه،أو مثلا يقول اذهب وعليك في الشهر ثلاثمائة ريال أو أربعمائة ريال،كل هذا حرام والعياذ بالله،ولا يحل لهم،وما أكلوه فإنه سحت،و"كُلُّ جَسَدٍ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ" [22] ،وهؤلاء الذين يأكلون أموال هؤلاء العمال المساكين،هؤلاء لا تقبل لهم دعوة والعياذ بالله،يدعون الله فلا يستجيب لهم [23]

قلت: فأمَّا عدم استجابة دعائهم لحديث مسلم (2393 ) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا ، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ ، فَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} (51) سورة المؤمنون، وَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} (172) سورة البقرة ،ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ ، يَا رَبِّ ، يَا رَبِّ ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ ؟".

ـــــــــــــــــ

(1) - انظر فتاوى يسألونك - (ج 7 / ص 247) فما بعدها = دفاع عن صحيحي البخاري ومسلم و وفتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 3 / ص 2014) =رقم الفتوى 13678 دفاع عن صحيحي البخاري ومسلم =تاريخ الفتوى: 29 ذو القعدة 1424

(2) - سير أعلام النبلاء (12/428)

(3) - سير أعلام النبلاء (12/428)

(4) - تاريخ دمشق - (ج 52 / ص 65) وسير أعلام النبلاء (12/432) و تاريخ الإسلام للذهبي - (ج 5 / ص 14) وتاريخ الإسلام للذهبي - (ج 5 / ص 17)

(5) - شرح النووي على صحيح مسلم 1/24

(6) - هدي الساري ص12

(7) - انظر صيانة صحيح مسلم: 1/85.

(8) - صيانة صحيح مسلم: 1/86.

(9) - الحطة في ذكر الصحاح الستة ص312

(10) - حجة الله البالغة 1/249

(11) - الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث ص35

(12) - مقدمة الألباني لشرح العقيدة الطحاوية ص14-15

(13) - تدريب الراوي شرح التقريب 1/122-123

(14) - نيل الأوطار 1/22

(15) - هدي الساري ص 506

(18) - انظر: فتاوى واستشارات الإسلام اليوم - (ج 1 / ص 488) = الشك في أحاديث الصحيحين =المجيب د. فهد بن عبدالرحمن اليحيى

(19) - انظر فتاوى واستشارات الإسلام اليوم - (ج 1 / ص 484) = هل في البخاري أحاديث ضعيفة =المجيب د. الشريف حاتم بن عارف العوني وفتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 6 / ص 2452) = رقم الفتوى 43428 المراد ليس الطعن في بعض أحاديث البخاري بل أمور أخطر بكثير

(20) - مجموع فتاوى ابن باز - (ج 25 / ص 69) =13=س: ما موقفنا ممن يضعف أحاديث في صحيح مسلم أو صحيح البخاري ؟

(21) - شرح ابن بطال - (ج 11 / ص 364) وفتح الباري لابن حجر - (ج 7 / ص 64)

(22) - شعب الإيمان للبيهقي (5518) وهو حديث صحيح لغيره

(23) - انظر شرح رياض الصالحين لابن عثيمين - (ج 5 / ص 276)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت