الدِّفَاعُ
عنْ كتابِ رياضِ الصَّالحينَ
تأليف
الباحث في القرآن والسنة
علي بن نايف الشحود
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين،والصلاة والسلام على سيد المرسلين،وعلى آله وصحبه أجمعين،ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد:
فإن الناس ما زالوا ينتفعون بكتب الإمام النووي رحمه الله،قديما وحديثا،ولا سيما كتابه النفيس (( رياض الصالحين ) ).
فما من دار نشر اليوم إلا وقد طبعته ونشرته،وما من عالم إلا وقد قرره للدرس والحفظ أو الشرح قديمًا وحديثًا ،لأهميته البالغة في بابه . وبسبب تفرد شخصية صاحبه الفذة الإمام النووي رحمه الله بكثير من العلوم .
وقد قال الإمام النووي رحمه الله في مقدمة هذا الكتاب [1] :
"فَرَأَيتُ أَنْ أَجْمَعَ مُخْتَصَرًا منَ الأحاديثِ الصَّحيحَةِ،مشْتَمِلًا عَلَى مَا يكُونُ طَرِيقًا لِصَاحبهِ إِلى الآخِرَةِ،ومُحَصِّلًا لآدَابِهِ البَاطِنَةِ وَالظَاهِرَةِ . جَامِعًا للترغيب والترهيب وسائر أنواع آداب السالكين: من أحاديث الزهد ورياضات النُّفُوسِ،وتَهْذِيبِ الأَخْلاقِ،وطَهَارَاتِ القُلوبِ وَعِلاجِهَا،وصِيانَةِ الجَوَارحِ وَإِزَالَةِ اعْوِجَاجِهَا،وغَيرِ ذلِكَ مِنْ مَقَاصِدِ الْعارفِينَ ."
وَألتَزِمُ فيهِ أَنْ لا أَذْكُرَ إلاّ حَدِيثًا صَحِيحًا [2] مِنَ الْوَاضِحَاتِ،مُضَافًا إِلى الْكُتُبِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُوراتِ . وأُصَدِّر الأَبْوَابَ مِنَ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ بِآياتٍ كَرِيماتٍ،وَأَوشِّحَ مَا يَحْتَاجُ إِلى ضَبْطٍ أَوْ شَرْحِ مَعْنىً خَفِيٍّ بِنَفَائِسَ مِنَ التَّنْبِيهاتِ . وإِذا قُلْتُ في آخِرِ حَدِيث: مُتَّفَقٌ عَلَيهِ فمعناه: رواه البخاريُّ ومسلمٌ .
وَأَرجُو إنْ تَمَّ هذَا الْكِتَابُ أنْ يَكُونَ سَائِقًا للمُعْتَنِي بِهِ إِلى الْخَيْرَاتِ حَاجزًا لَهُ عَنْ أنْواعِ الْقَبَائِحِ والْمُهْلِكَاتِ .""
أي أنه اشترط ألا يخرج حديثًا ضعيفًا في كتابه هذا .
وقد وفَّى بشرطه إلى حدٍّ بعيدٍ،ومهما يكنْ من أمرٍ فالإنسانُ - كما هو معلوم- غير معصوم،فقد يقع في الخطأ،وقد يهم،ولا يسلَمُ من ذلك إلا الرسل عليهم الصلاة والسلام .
ولكن بعض من قاموا بتخريج أحاديث هذا الكتاب في هذا العصر ؛ كالشيخ ناصر الدين الألباني رحمه الله،وشيخنا الشيخ شعيب الأرناؤوط حفظه الله،ومن قلَّدهم من طلابهم،قد ضعَّفوا أحاديث عديدة في هذا الكتاب،واعتبروا أنَّ الإمام النوويَ لم يوفِّ بشرطِه .
وقد بلغ مجموعها حوالي (57) سبع وخمسين حديثًا تدور بين الضعف والضعف الشديد على حدِّ قولهم .
وقد قام بعض طلابهما بفصل هذه الأحاديث ونشرها في سائر المنتديات على النت للتحذير منها،وهؤلاء ليسوا في العير ولا في النفير .
وقد كنت قد رددت على الشيخ ناصر رحمه الله عندما ألفت موسوعة السنَّة النبوية [3] ،ولكن بما أن هذه الأحاديث صار يتداولها الناس على النت وفي دور النشر،فرأيت لزامًا عليَّ أن أقوم بتخريج هذه الأحاديث والردِّ عليهم .
وقد تبينَ لديَّ أنَّ الأحاديث الضعيفة على التحقيق لا تتجاوز رؤوس الأصابع،بعضها لم ينصَّ الإمامُ النووي رحمه الله على صحته أوحسنه،بل نقل تضعيفه عن الإمام الترمذي رحمه الله ،وبعضها قد صححه أو حسَّنه إمَّا تقليدًا لغيره،أو بسببِ اشتباه اسم راو ضعيف براو ثقة فظنَّه الثقة فقوَّى الحديث بسببه .
أمَّا سببُ تضعيفهم لتلك الأحاديث فيعود -برأيي- إلى عدة أسباب:
1.أن الشيخين كانا من المتشددين في الجرح والتعديل .
2.تقليدهما لما ورد في تقريب التهذيب للحافظ ابن حجر رحمه الله،ولما ورد في كتب الضعفاء كقولهما بتضعيف جميع أحاديث دراج أبي السمح عن أبي الهيثم تقليدا لما ورد في تقريب التهذيب من أنه صدوق في أحاديثه عن أبي الهيثم ضعف [4] .
3.عدم ضبطهما لكثير من أقوال الأئمة السابقين في الجرح والتعديل .
4.مخالفة القواعد والضوابط التي وضعت في هذا الفنِّ
5.عدم استيعابهما لكل طرق الحديث وشواهده .
6.عدم الاعتداد بتصحيح الأولين للحديث .
7.وزاد الشيخ ناصر رحمه الله (الطين بلة ً) حيث حشر هذه الأحاديث في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وخطرها السيئ على الأمة !!! .
8.بل ضعَّف أحاديث في الصحيحين أو في أحدهما بما لم يسبق إليه ضاربا بأقوال علماء الحديث عُرْضَ الحائِط.
ومع الأسف الشديد فإن غالب من يشتغل بالتحقيق في السنَّة والتخريج لا يتعدَّى أن يكون مقلِّدًا لهذا أو ذاك إلا ما رحم ربي،ومن هؤلاء الدكتور ماهر ياسين الفحل حفظه الله،فقد قام بتحقيق رياض الصالحين،وتخريج أحاديثه باختصار،وهو عمل جليل وطيب وفيه منافع شتَّى،ولكنه قلدهما في تضعيف غالب الأحاديث التي ضعَّفوها،وزاد أشياء عليهما،وقد رددتُ عليه في تعليقي على رياض الصالحين .
وهذا تفصيل الأحاديث التي ضعَّفوها حسب تسلسل أرقامها في رياض الصالحين:
(66و69 و93و200 و286 و356و359و373 و408 و482 و519 و578 و596 و714 و732و758 و790 و797 و798 و830 و889 و890 و891 و912 و944 و947 و1000 و1021 و1024 و 1060 و1094 و1096 و1121 و1157 و1159 و1179 و1235 و1248 و1266 و1335 و1386 و1394 و1442 و1487 و1490 و1493 و1518 و1539 و1569 و1577 و1626 و1641 و1670 و 1677 و1722 و1755 و1873 )
وقد وافقهم الدكتور ماهر في أكثرها وهذه أرقامها في طبعته: ( 66 و68 و93 و196 و286 و356 و359و373 و408 و481 و577 و 595 و713 و757 و 796 و797 و889 و890 و891 و912 و944 و947 و1000 و1060 و1159 و1235 و1248 و1266 و1386 و1394 و1442 و1487 و 1493 و1518 و1539 و1569 و1626 و1641 و1670 و1677 و1722 و1873)
وخالفهم الدكتورماهر بالأحاديث التالية حيث لم يضعفها وهي ذوات الأرقام (519 ) وعنده برقم (518 )
وعندهم برقم (790) وعنده برقم (797)
والحديث رقم (732 ) ضعفوه ورقمه عنده (731 ) وسكت عليه فلم يذكر تحسينا ولا تضعيفا .
والحديث رقم (830) عندهم وعنده برقم (829) لم يذكر تضعيفًا .
ووافقهم على الحديث رقم (947) بتضعيف الرواية الواردة عن الشافعي وجزم أنها عن الإصحاب فوهم،ولكنه لم يردَّ حديث مسلم كما فعل الألباني.
وخالفهم في الحديث (1021 ) فلم يتعرض للرواية التي ضعفها الألباني .
وخالفهم في الحديث رقم (1024 ) فلم يتكلم عليه بشيء .
والحديث رقم (1094 ) لم يتكلم عليه بشيء .
والحديث رقم (1096 ) لم يتكلم عليه بشيء .
والحديث رقم (1121) لم يتكلم عليه بشيء .
والحديث رقم (1157) لأنه في صحيح مسلم،فلم يضعف حديثًا في الصحيحين كما فعلا وقد أصاب بهذا حفظه الله .
وخالفهم بالحديث رقم (1179) فلم يعلَّه بشيء .
وخالفهم بالحديث رقم (1335 ) فلم يتكلم عليه بشيء ,
وخالفهم بالحديث رقم (1490 ) ونقل تحسين الترمذي وسكت عليه.
وخالفهم بالحديث رقم (1577 ) ونقل تحسين الترمذي وسكت عليه.
وخالفهم بالحديث رقم (1755) وعنده رقم (1756) ونقل قول الترمذي حديث حسن غريب .
أما الأحاديث الزائدة التي ضعفها الدكتور ماهر ياسين الفحل غفر الله له
فهي ذوات الأرقام التالية في طبعته:
(67 و343 و 583 و604 و619 و 672 و961 و1112 و1226 و 1492 و 1832 )
وسوف أناقشها واحدا واحدًا،ولكني سأضع لها أرقامًا متممة للأحاديث السبعة والخمسين .
وأما الشيخ ناصر الدين الألباني رحمه الله،فهذا ترقيم الأحاديث التي ضعفها في تعليقه على رياض الصالحين -طبعة المكتب الإسلامي - بيروت وعددها (58) حديثًا: (67 و69 و94 و201 و292 و360 و363 و378 و 413 و 486 و 488 و524 و583 و589 و601 و718 و 736 و762 و794 و801 و802 و834 و894 و895 و896 و917 و951 و954 و990 و 1007 و 1067 و1101 و1103 و1128 و 1164 و 1166 و 1187 و 1244 و1256 و 1274 و 1343 و1393 و 1394 و1402 و1495 و1498 و1501 و1526 و1547 و 1577 و 1649 و1679 و 1686 و 1720 و 1731 و1765 و 1841 و1882) وقد تراجع عن قليل منها .
وهناك أحاديث ضعفها زيادة على الأحاديث (57)
وهي ذوات الارقام التالية في طبعته (292 و488 و589 و990 و1393 و1720 ) وبعضها قد تابعه فيها الدكتور ماهر،فلن أكرر حديثا .
وفي النهاية بلغ عدد الأحاديث التي ضعِّتْ حوالي (79) تسعة وسبعين حديثًا.
والأحاديثُ التي ضعِّفتْ وتبين لديَّ - بعد البحث والتتبع-أنها ضعيفةٌ ضعفًا يسيرًا حوالي سبعة أحاديث فقط وهي ذوات الأرقام التالية:
7- ( 359 ) =14- ( 758 ) =23- ( 944 ) =30- ( 1096 ) =46- ( 1539 ) لكنه صحيح مرسل =53- ( 1722 ) =54- ( 1755 ) يعني أن نسبة الإصابة عنده أكثر من 99% فقد بلغ القنطرة .
ومع هذا لا يجوز إفرادها وتحذير الناس منها بحجَّة عدم صحتها،حيث يذهب هؤلاء إلى تحريم العمل بالحديث الضعيف سواء أكان في فضائل الأعمال أو الأحكام،وهو مذهب غريب ومنحرف عن منهج السلف الصالح،وقد بينت في كتابي ( الخلاصة في أحكام الحديث الضعيف) بطلان تبني هذا المذهب،ورددت عليهم هناك .
أمَّا طريقة عملي في هذا الرد فكما يلي:
? قمت بنقل ترجمة مختصرة للإمام النووي رحمه الله .
? تمهيد -قواعد هامة للحكم على الأحاديث صحة وضعفًا
? رقمت الأحاديث برقمين رقم متسلسل،ورقم الحديث كما هو في رياض الصالحين .
? قمت بتخريج الأحاديث من مصادرها الأساسية مباشرة بشكل مفصَّل،وذكرت الحديث كاملًا بسنده في أكثر الحالات .
? نقلت أقوال أهل العلم بالحديث جرحًا وتعديلًا من كتبهم مباشرة .
? ناقشت قول من ضعَّفَ الحديث بهدوء،ورددت على الشبهات التي استندوا إليها .
? بينت كثيرا من علل الحديث،وضبطت قواعدها .
? علقتُ على الحديث أحيانا من حيث المعنى ، ولا سيما التي على بعض معناها خلاف .
? ذكرت كثيرًا من القواعد في الجرح والتعديل،والحكم على الرواة .
? لم أسلك مسلك المتشددين في الجرح والتعديل،ولا مسلك المتساهلين .
? حررتُ كثيرا من قواعد المصطلح،لمزيد الفائدة .
? ذكرت مصادر الكتاب في آخره وهي كثيرة جدًّا،نافت على الأربعمائة
? قمت بفهرسة الموضوعات على برنامج الورد لسهولة الرجوع إليها .
? ذكرت خلاصة هذا البحث في آخر الكتاب .
قال تعالى: {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيَ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} (28) سورة هود
هذا وأسال الله تعالى أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم،وأن ينفع به مؤلفه وناشره والدالُّ عليه في الدارين آمين .
وكتبه
الباحث في القرآن والسنة
علي بن نايف الشحود
في 22 محرم لعام 1429 هـ الموافق ل30/1/2008 م
تمت مراجعته وتعديله بتاريخ 19 جمادى الأولى 1429هـ،الموافق 24 / 5/2008 م
يحيى بن شرف بن مري بن حسن بن حسين،مفتي الأمة،شيخ الإسلام،محيي الدين،أبو زكريا النواوي،الحافظ،الفقيه،الشافعي،الزاهد،أحد الأعلام .
ولد في العشر الأوسط من المحرم سنة إحدى وثلاثين بنوى . وجدهم هو حسين بن محمد بن جمعة بن حزام الحزامي،بحاء مهملة وزاي .
نزل حسين بالجولان بقرية نوى على عادة العرب،فأقام بها ورزقه الله ذرية إلى أن صار منهم عدد كثير .
قال الشيخ محيي الدين: كان بعض أجدادي يزعم أنها نسبة إلى حزام والد حكيم بن حزام،رضي الله عنه،وهو غلط ،والنووي بحذف الألف،ويجوز إثباتها .
حكى والده لشيخنا أبي الحسن بن العطار أن الشيخ كان نائما إلى جنبه وهو ابن سبع سنين ليلة السابع والعشرين من رمضان،قال: فانتبه نحو نصف الليل وأيقظني وقال: يا أبه ما هذا الضوء الذي قد ملأ الدار ؟ فاستيقظ [أهلي] كلهم،فلم نر شيئا،فعرفت أنه ليلة القدر .
وقال ابن العطار: ذكر لي الشيخ ياسين بن يوسف المراكشي،رحمه الله قال: رأيت الشيخ محيي الدين وهو ابن عشر بنوى والصبيان يكرهونه على اللعب معهم،وهو يهرب ويبكي،ويقرأ القرآن في [ذلك] الحال،فوقع في قلبي محبته . وجعله أبوه في دكان بالقرية،فجعل لا يشتغل بالبيع و [الشراء] عن القرآن،فوصيت الذي يقرئه وقلت: هذا يرجى أن يكون أعلم أهل زمانه . ف ( . . . . ) وقال لي: أمنجم أنت ؟ قلت: لا،إنما أنطقني الله بذلك ،فذكر ذلك لوالده فحرص عليه ( . . . ) وقد ناهز الاحتلام .
قال ابن العطار: قال لي الشيخ: فلما كان لي تسع عشرة قدم بي والدي إلى دمشق في سنة تسع وأربعين فسكنت المدرسة الرواحية،وبقيت نحو سنتين لم أضع جنبي إلى الأرض . وكان قوتي بها جراية المدرسة لا غير .
وحفظت"التنبيه"في نحو أربعة أشهر ونصف ،قال: وبقيت أكثر من شهرين أو أقل لما قرأت: يجب الغسل من إيلاج الحشفة في الفرج،أعتقد أن ذلك قرقرة البطن . وكنت أستحم بالماء البارد كلما قرقر بطني .
قال: وقرأت حفظا ربع"المهذب"في باقي السنة،وجعلت أشرح وأصحح على شيخنا كمال الدين إسحاق بن أحمد المغربي،ولازمته فأعجب بي وأحبني،وجعلني أعيد لأكثر جماعته . فلما كانت سنة إحدى وخمسين حججت مع والدي،وكانت وقفة جمعة،وكان رحيلنا من أول رجب،فأقمنا بالمدينة نحوا من شهر ونصف .
فذكر والده قال: لما توجهنا من نوى أخذته الحمى،فلم تفارقه إلى يوم عرفة،ولم يتأوه قط ،ثم قدم ولازم شيخه كمال الدين إسحاق .
قال لي أبو المفاخر محمد بن عبد القادر القاضي: لو أدرك القشيري شيخكم وشيخه لما قدم عليهما في ذكره لمشايخها،يعني الرسالة،أحدا لما جمع فيهما من العلم والعمل والزهد والورع والنطق بالحكم .
قال: وذكر لي الشيخ أنه كان يقرأ كل يوم اثني عشر درسا على المشايخ شرحا وتصحيحا،درسين في"الوسيط"ودرسين في"المهذب"ودرسا في"الجمع بين الصحيحين"ودرسا في"صحيح مسلم"،ودرسا في"اللمع"لابن جني،ودرسا في"إصلاح المنطق"لابن السكيت،ودرسا في"التصريف"،ودرسا في أصول الفقه،تارة في"اللمع"لأبي إسحاق،وتارة في"المنتخب"لفخر الدين،ودرسا في أسماء الرجال،ودرسا في أصول الدين ،وكنت أعلق جميع ما يتعلق بها من شرح مشكل،ووضوح عبارة،وضبط لغة،وبارك الله لي في وقتي . وخطر لي الاشتغال بعلم الطب،فاشتريت كتاب"القانون"فيه،وعزمت على الاشتغال فيه،فأظلم علي قلبي،وبقيت أياما لا أقدر على الاشتغال بشيء،ففكرت في أمري،ومن أين دخل علي الداخل،فألهمني الله أن سببه اشتغالي بالطب،فبعث"القانون"في الحال،واستنار قلبي .
وقال: كنت مريضا بالرواحية،فبينا أنا في ليلة في الصفة الشرقية منها،وأبي وإخوتي نائمون إلى جنبي إذ نشطني الله وعافاني من ألمي،فاشتاقت نفسي إلى الذكر،فجعلت أسبح،فبينا أنا كذلك بين السر والجهر،إذ شيخ حسن الصورة،جميل المنظر،يتوضأ على البركة في جوف الليل،فلما فرغ أتاني قال: يا ولدي لا تذكر الله تشوش على والدك و إخوتك وأهل المدرسة . فقلت:من أنت ؟ قال: أنا ناصح لك،ودعني أكون من كنت.
فوقع في نفسي إبليس فقلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم،ورفعت صوتي بالتسبيح،فأعرض ومشى إلى ناحية باب المدرسة،فانتبه والدي والجماعة على صوتي،فقمت إلى باب المدرسة فوجدته مقفلا،وفتشتها فلم أجد فيها أحدا غير أهلها . فقال لي أبي: يا يحيى ما خبرك ؟ فأخبرته الخبر،فجعلوا يتعجبون،وقعدنا كلنا نسبح ونذكر،قلت: ثم سمع الحديث،فسمع"صحيح مسلم"من الرضى ابن البرهان . وسمع"صحيح البخاري"و"مسند أحمد"،و"سنن أبي داود"،والنسائي،وابن ماجه،و"جامع الترمذي"و"مسند الشافعي"و"سنن الدار قطني"و"شرح السنة"وأشياء عديدة .
وسمع من: ابن عبد الدائم،و الزين خالد،وشيخ الشيوخ شرف الدين عبدالعزيز،والقاضي عماد الدين عبد الكريم بن الحرستاني،وأبي محمد عبد الرحمن بن سالم الانباري،وأبي محمد إسماعيل بن أبي اليسر،وأبي زكريا يحيى بن الصيرفي،وأبي الفضل محمد بن محمد بن البكري،والشيخ شمس الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن أبي عمر،وطائفة سواهم .
وأخذ علم الحديث عن جماعة من الحفاظ،فقرأ كتاب"الكمال"لعبد الغني الحافظ،علي أبي النقا خالد النابلسي،وشرح مسلما ومعظم"البخاري"علي بن إسحاق بن عيسى المرادي ،وأخذ أصول الفقه عن القاضي أبي الفتح التفليسي،قرأ عليه"المنتخب"وقطعة من"المستصفى"للغزالي ،وتفقه على الإمام كمال الدين إسحاق المغربي ثم المقدسي،والإمام شمس الدين عبد الرحمن بن نوح المقدسي،ثم الدمشقي،وعز الدين عمر بن أسعد الإربلي ،وكان النووي يتأدب مع هذا الإربلي،ربما قام وملأ الإبريق ومشى به قدامه إلى الطهارة ،والإمام كمال الدين سلار بن الحسين الإربلي،ثم الحنبلي صاحب الإمام أبي بكر الماهاني ،وقد تفقه الثلاثة الأولون على ابن الصلاح،رحمه الله .
وقرأ النحو على فخر الدين المالكي،والشيخ أحمد بن سالم المصري ،وقرأ على ابن مالك كتابا من تصانيفه،وعلق عنه أشياء .
أخذ عنه: القاضي صدر الدين سليمان الجعبري خطيب داريا،والشيخ شهاب الدين أحمد بن جعوان،والشيخ علاء الدين علي بن العطار،وأمين الدين سالم بن أبي الدر،والقاضي شهاب الدين الإربدي ،وروى عنه: ابن العطار،والمزي،وابن أبي الفتح،وجماعة كثيرة .
أخبرنا علي بن الموفق الفقيه: أنا يحيى بن شرف الفقيه،أنا خالد بن يوسف بن سعد الحافظ .
ح وأنبأتنا ست العرب بنت يحيى قالا: أنا زيد بن الحسن،أنا المبارك بن الحسين،أنا علي بن أحمد،أنا محمد بن عبد الرحمن،ثنا عبد الله ثنا حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « مَنْ طَلَبَ الشَّهَادَةَ صَادِقًا أُعْطِيَهَا وَلَوْ لَمْ تُصِبْهُ » . رواه مسلم عن شيبان [6] .
وقرأت بخط نجم الدين ابن الخباز: أنبا الإمام محيي الدين النووي،أنا عبد الرحمن ابن أبي عمر بن قدامة الفقيه،أنا أبو عبد الله بن الزبيدي،أنا أبو الوقت فذكر أول حديث في الصحيح .
قال شيخنا ابن العطار: ذكر لي شيخنا رحمه الله أنه كان لا يضيع له وقتا في ليل ولا نهار إلا في وظيفة من الاشتغال بالعلم حتى في ذهابه في الطريق يكرر أو يطالع . وأنه بقي على هذا النحو ست سنين،ثم اشتغل بالتصنيف و الاشتغال والنصح للمسلمين وولاتهم،على ما هو عليه من المجاهدة لنفسه،والعمل بدقائق الفقه،والحرص على الخروج من خلاف العلماء والمراقبة لأعمال القلوب وتصفيتها من الشوائب . يحاسب نفسه على الخطرة بعد الخطرة .
وكان محققا في علمه وفنونه،مدققا في علمه وشؤونه،حافظا لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ،عارفا بأنواعه من صحيحه وسقيمه وغريب ألفاظ واستنباط فقهه،حافظا للمذهب وقواعده وأصوله،وأقوال الصحابة والتابعين،واختلاف العلماء ووفاتهم . سالكا في ذلك طريقة السلف . وقد صرف أوقاته كلها في أنواع العلم والعمل بالعلم .
قال: فذكر لي صاحبنا أبو عبد الله محمد بن أبي الفتح الحنبلي قال: كنت ليلة في أواخر الليل بجامع دمشق والشيخ واقف يصلي إلى سارية في ظلمة،وهو يردد قوله تعالى: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ} (24) سورة الصافات، مرارًا بحزن وخشوع،حتى حصل عندي من ذلك ما الله به عليم .
قال: وكان إذا ذكر الصالحين ذكرهم بتعظيم وتوقير،وذكر مناقبهم وكرامتهم،فذكر لي شيخنا ولي الدين علي المقيم ببيت لهيا قال: مرضت بالنقرس فعادني الشيخ محي الدين،فلما جلس شرع يتكلم في الصبر،فبقي الألم . وكنت لا أنام في الليل،فعرفت أن زوال الألم من بركته .
وقال الشيخ رشيد الدين ابن المعلم . عذلت الشيخ في عدم دخول الحمام،وتضييق عيشه في أكله ولبسه وأحواله،وقلت: أخشى عليك مرضًا يعطلك عن أشياء أفضل مما تقصده،فقال: إنَّ فلانًا صام وعبد الله حتى اخضر . فعرفت أنه ليس له غرض في المقام في دارنا هذه،ولا يلتفت إلى ما نحن فيه .
قال: ورأيت رجلًا قشر خيارة ليطعمه إياها،فامتنع وقال:أخشى أن ترطب جسمي وتجلب النوم .
قال: وكان لا يأكل في اليوم والليلة إلا أكلة بعد العشاء الآخرة . ولا يشرب إلا شربة واحدة عند السحر .ولا يشرب الماء المبرد،ولا يأكل فاكهة،فسألته عن ذلك فقال: دمشق كثيرة الأوقاف وأملاك المحجوزة عليهم،والتصرف لهم لا يجوز إلا على وجه الغبطة،والمعاملة فيها على وجه المساقاة،وفيها خلاف والناس لا يفعلونها إلا على جزء من ألف لمالك فكيف تطيب نفسي بأكل ذلك ؟.
وقال لي شيخنا مجد الدين أبو عبد الله بن الظهير: ما وصل الشيخ تقي الدين ابن الصلاح إلى ما وصل إليه الشيخ محيي الدين من العلم في الفقه والحديث واللغة وعذوبة اللفظ .
وقد نفع الله تعالى الأمة بتصانيفه،وانتشرت في الأقطار،وجلبت إلى الأمصار،فمنها:"المنهاج في شرح مسلم"،و"كتاب الأذكار"،و"كتاب رياض الصالحين"،و"كتاب الأربعين حديثًا"،و"كتاب الإرشاد"في علوم الحديث،و"كتاب التيسير"في مختصر الإرشاد المذكور،و"كتاب المبهمات"،و"كتاب التحرير في ألفاظ التنبيه"،و"العمدة في صحيح التنبيه"،و"والإيضاح"في المناسك،و"الإيجاز"في المناسك،وله أربع مناسك أخر ،وكتال"التبيان في آداب حمله القرآن"،وفتاوى له،و"الروضة"في أربع مجلدات،و"المنهاج"في المذهب،و"المجموع"في شرح المذهب،بلغ فيه باب المصراة إلى أربع مجلدات كبار . وشرح قطعة من البخاري وقطعة جيدة من أول"الوسيط"،وقطعة في"الأحكام"وقطعة كبيرة في"تهذيب الأسماء واللغات"،وقطعة مسودة في طبقات الفقهاء،وقطعة في التحقيق في الفقه،إلى باب صلاة المسافر .
قال ابن العطار: وله مسودات كثيرة،ولقد أمرني مرة ببيع كراريس نحو ألف كراس بخطه،وأمرني بأن أقف على غسلها في الوراقة،فلم أخالف أمره،وفي قلبي منها حسرات .
وقد وقف الشيخ رشيد الدين الفارقي على"المنهاج"فقال:
اغتنى بالفضل يحي فاغتنى وتحلى بتقاه وفضله
ناصبًا أعلام علم جازمًا وكأن ابن صلاح حاضرًاَ
... ... عن بسيط بوجيز نافع فتجلى بلطيف جامع
(1) - رياض الصالحين - (ج 1 / ص 10)
(2) - والحديث الحسن أيضًا ، لأنه داخل ضمنه ، وكثير من الأئمة السابقين جمعوا بينهما كابن حبان والحاكم وابن خزيمة وغيرهم .
(3) - ما زالت مخطوطة يسَّر الله نشرها ، وهي عشرة مجلدات ضخمة .
(4) - ففي تقريب التهذيب ( 1824 ) درَّاج بن سمعان أبو السَّمْح قيل اسمه عبد الرحمن ودراج لقب السهمي مولاهم المصري القاص صدوق في حديثه عن أبي الهيثم ضعف من الرابعة مات سنة ست وعشرين بخ 4.
(5) - تاريخ الإسلام للذهبي - (ج 12 / ص 345) ( 330) فما بعدها
(6) - صحيح مسلم (5038 )