بمقال رافعًا للرافعي وكأن ما غاب عنا للشافعي
وكان لا يقبل من أحد شيئا إلا في النادر ممن لا له به علقة من إقراء . أهدى له فقير مرة إبريقا فقبله . وعزم عليه الشيخ برهان الدين الإسكندراني أن يفطر عنده في رمضان فقال: أحضر الطعام إلى هنا ونفطر جملة . قال أبو الحسن: فأفطرنا ثلاثتنا على لونين من طعام أو أكثر .
وكان الشيخ يجمع إدامين ببعض الأوقات . وكان أمَّارا بالمعروف نهَّاءً عن المنكر،لا تأخذه في الله لومة لائم . يواجه الملوك والجبابرة بالإنكار،وإذا عجز عن المواجهة كتب الرسائل . فمما كتبه وأرسلني في السعي فيه، ورقة إلى الظاهر تتضمن العدل في الرعية، وإزالة المكوس عنهم، وكتب معه في ذلك غير واحد من الشيوخ وغيرهم، منهم من مشائخي: أبو محمد عبد الرحمن بن أبي عمر شيخ الحنابلة، وأبو محمد عبد السلام بن علي بن عمر الزواوي، شيخ المالكية، وأبو بكر محمد بن أحمد الشريشي المالكي، وأبو إسحاق إبراهيم بن وليّ الله عبد الله المعروف بابن الأرميني، وأبو حامد محمد بن العلامة أبي الفضائل عبد الكريم بن الحرستاني خطيب دمشق واب خطيبها.
ووضع ورقة الظاهر في ورقة لبَيْليك الخازندار بدر الدين نصها: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله يحيى النووي، سلام الله ورحمته وبركاته على المولى الحسن، ملك الأمراء: بدر الدين، أدام الله الكريم له الخيرات، وتولاه بالحسنات، وبلّغه من خيرات الآخرة والأولى كلَّ آماله، وبارك له في جميع أعماله، آمين.
وينهي إلى العلوم الشريفة أن أهل الشام هذه السنة في ضيق عيش وضعف حال، بسبب قلة الأمطار وغلاء الأسعار، وقلّة الغلات والنبات، وهلاك المواشي، وغير ذلك، وأنتم تعلمون أنه تجب الشفقة على الراعي والرعية، ونصيحته في مصلحته ومصلحتهم، فإن الدين النصيحة.
وقد كتب خَدَمَة الشرع الناصحون للسلطان، المحبون له: كتابًا بتذكرة النظر في أحوال رعيته والرفق بهم، وليس فيه ضرر، بل هو نصيحة محضة وشفقة تامة، وذكرى لأولي الألباب.
والمسؤول من الأمير"أيده الله تعالى"تقديمه إلى السلطان"أدام الله له الخيرات"ويتكلم عليه من الإشارة بالرفق بالرعية بما يجده مدّخرًا له عند الله تعالى {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَاللّهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ} (30) سورة آل عمران.
وهذا الكتاب الذي أرسله العلماء إلى الأمير، أمانة ونصيحة للسلطان"أعزّ الله أنصاره والمسلمين كلّهم في الدنيا والآخرة"فيجب عليكم إيصاله للسلطان، أعزّ الله أنصاره، وأنتم مسؤولون عن هذه الأمانة، ولا عذر لكم في التأخر عنها ولا حجة لكم في التقصير فيها عند الله تعالى، تُسألون عنها: {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ} (88) سورة الشعراء ، ( يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ(34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37) [عبس/34-38] )، وأنتم بحمد الله تحبون الخير وتحرصون عليه، وتسارعون إليه، وهذا من أهم الخيرات وأفضل الطاعات، وقد أهَّلتم له وساقه الله إليكم، وهو فضل من الله.
ونحن خائفون أن يزداد الأمر شدة، إن لم يحصل النظر في الرفق بهم، قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} (201) سورة الأعراف ، وقال تعالى: { وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ} (215) سورة البقرة
والجماعة الكاتبون منتظرون ثمرة هذا، فما فعلتموه وجدتموه عند الله، {إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} (128) سورة النحل، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فلما وصلت الورقتان إليه أوقف عليهما السلطان، فلما وقف عليهما ردّ جوابهما ردًّا عنيفًا، مؤلمًا، فتنكدت خواطر الجماعة الكاتبين وغيرهم. [1]
وله غير رسالة إلى الملك الظاهر في الأمر بالمعروف .قال ابن العطار: وقال لي المحدث أبو العباس بن فرح،وكان له ميعادان في الجمعة على الشيخ يشرح عليه في الصحيحين،قال: كان الشيخ محيي الدين قد صار إليه ثلاث مراتب،كل مرتبة منها لو كانت لشخص شدت إليه الرحال . المرتبة الأولى: العلم . والثانية: الزهد . والثالثة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
سافر الشيخ إلى نوى وزار القدس والخليل وعاد إلى نوى،وتمرض عند أبيه. قال ابن العطار: فذهبت لعيادته ففرح ثم قال لي: ارجع إلى أهلك . وودعته وقد أشرف على العافية،وذلك يوم السبت . ثم توفي ليلة الأربعاء .
قال: فبينا أنا نائم تلك الليلة إذ مناد ينادي على سدة جامع دمشق في يوم جمعة: الصلاة على الشيخ ركن الدين الموقع . فصاح الناس لذلك . فاستيقظت فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون . فلما كان آخر يوم الخميس جاءنا وفاته . فنودي يوم الجمعة بعد الصلاة بموته،وصلي عليه صلاة الغائب .
قال الشيخ قطب الدين: وفي ليلة الأربعاء رابع وعشرين رجب توفي الشيخ محي الدين النووي صاحب التصانيف بنوى ودفن بها . وكان أوحد زمانه في الورع والعبادة والتقلل وخشونة العيش والأمر بالمعروف .
واقف الملك الظاهر بدار العدل غير مرة ؛ وحكي عن الملك الظاهر أنه قال: أنا أفزع منه ،وكانت مقاصده جميلة . ولي مشيخة دار الحديث .
قلت: وليها بعد موت أبي شامة سنة خمس وستين وإلى أن مات .
وقال شمس الدين ابن الفخر: كان إمامًا،بارعًا،حافظًا . مفتيًا،أتقن علومًا شتى،وصنف التصانيف الجمة،وكان شديد الورع والزهد، إنه قد ترك جميع ملاذ الدنيا من المأكول، إلا ما يأتيه من أبوه من كعك يابس وتين حوراني، والملبس إلا الثياب الرثة المرقعة، ولم يدخل الحمام، وترك الفواكه جميعها . [2]
وكان أمارًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر على الأمراء والملوك والناس عامة،فنسأل الله أن يرضى عنه وأن يرضى عنا به .
وذكر مناقبه يطول . وترك جميع الجهات الدنياوية ولم يكن يتناول من جهة من الجهات درهمًا فردًا .
وحكى لنا الشيخ أبا الحسن بن العطار أن الشيخ قلع ثوبه ففلاه بعض الطلبة،وكان فيه قمل فنهاه وقال: دعه .
قلت: وكان في ملبسه مثل آحاد الفقهاء من الحوارنة لا يؤبه به . عليه شبختانية صغيرة،ولحيته سوداء فيها شعرات بيض،وعليه هيبة وسكينة . كان لا يتعانى لغط الفقهاء وعياطهم في البحث، بل يتكلم بتؤدة ووقار، ولذلك كان قلمه أبسط من عباراته [3] .
وقد رثاه غير واحد يبلغون عشرين نفسًا بأكثر من ستمائة بيت،منهم مجد الدين ابن الظهير،وقاضي القضاة نجم الدين ابن صصرى،ومجد الدين ابن المهتار،وعلاء الدين الكندي الكاتب،والعفيف التلمساني الصوفي الشاعر .
وأراد أقاربه أن يبنوا عليه قبة فرأته عمته،أو قرابة له،في النوم فقال لها: قولي لهم لا يفعلوا هذا الذي قد عزموا عليه،فإنهم كلما بنوا شيئًا تهدم عليهم . فانتبهت منزعجة وحدثتهم،وحوطوا على قبره حجارة تردُّ الدواب .
قال أبو الحسن: وقال لي جماعة بنوى: انه سألوه يومًا أن لا ينساهم في عرصات القيامة فقال لهم: إن كان لي ثمَّ جاه والله لأدخلت الجنة واحدًا ممن أعرفه ورائي [4] .
قلتُ: ولا يحتمل كتابنا أكثر مما ذكرنا من سيرة هذا السيد رحمه الله عليه . وكان مذهبه في الصفات السمعية السكوت وإمرارها كما جاءت . وربما تأول قليلًا في شرح مسلم،رحمه الله تعالى اهـ [5]
وقال السخاوي:"وأحواله كثيرة لا يسعها هذا المحلُّ فرحمه الله، لقد كان من الدين بمكان الرأس من الجسد، ظهر له العلم فشمَّر إليه، ونظر إلى الخيرات فأفرغت عليه، إذا تكلم افتتح كلامه بالحمد لله والثناء عليه، وإذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم رفع صوته بالصلاة عليه، انتهى." [6]
ـــــــــــــــــ
(1) - انظر تذكرة الحفاظ - (ج 4 / ص 1473) والمنهل العذب الروي - (ج 1 / ص 31)
(2) - المنهل العذب الروي - (ج 1 / ص 29)
(3) - المنهل العذب الروي - (ج 1 / ص 27)
(4) - المنهل العذب الروي - (ج 1 / ص 26)
(5) - وقال السخاوي في المنهل العذب الروي - (ج 1 / ص 28) تعقيبا على كلام الذهبي: كذا قال: والتأويل كثير في كلامه، انتهى.
قلت: هذا مثال على ذلك ، فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ فَيَقُولُ مَنْ يَدْعُونِى فَأَسْتَجِيبَ لَهُ وَمَنْ يَسْأَلُنِى فَأُعْطِيَهُ وَمَنْ يَسْتَغْفِرُنِى فَأَغْفِرَ لَهُ » .صحيح مسلم (1808)
قال النووي رحمه الله:"هَذَا الْحَدِيث مِنْ أَحَادِيث الصِّفَات ، وَفِيهِ مَذْهَبَانِ مَشْهُورَانِ لِلْعُلَمَاءِ سَبَقَ إِيضَاحهمَا فِي كِتَاب الْإِيمَان وَمُخْتَصَرهمَا ،أَنَّ أَحَدهمَا وَهُوَ مَذْهَب جُمْهُور السَّلَف وَبَعْض الْمُتَكَلِّمِينَ: أَنَّهُ يُؤْمِن بِأَنَّهَا حَقّ عَلَى مَا يَلِيق بِاَللَّهِ تَعَالَى ، وَأَنَّ ظَاهِرهَا الْمُتَعَارَف فِي حَقّنَا غَيْر مُرَاد ، وَلَا يَتَكَلَّم فِي تَأْوِيلهَا مَعَ اِعْتِقَاد تَنْزِيه اللَّه تَعَالَى عَنْ صِفَات الْمَخْلُوق ، وَعَنِ الِانْتِقَال وَالْحَرَكَات وَسَائِر سِمَات الْخَلْق ."
وَالثَّانِي: مَذْهَبُ أَكْثَر الْمُتَكَلِّمِينَ وَجَمَاعَات مِنَ السَّلَف وَهُوَ مَحْكِيّ هُنَا عَنْ مَالِك وَالْأَوْزَاعِيِّ: أَنَّهَا تُتَأَوَّل عَلَى مَا يَلِيق بِهَا بِحَسْب مَوَاطِنهَا . فَعَلَى هَذَا تَأَوَّلُوا هَذَا الْحَدِيث تَأْوِيلَيْنِ أَحَدهمَا: تَأْوِيل مَالِك بْن أَنَس وَغَيْره مَعْنَاهُ: تَنْزِل رَحْمَته وَأَمْره وَمَلَائِكَته كَمَا يُقَال: فَعَلَ السُّلْطَان كَذَا إِذَا فَعَلَهُ أَتْبَاعه بِأَمْرِهِ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ عَلَى الِاسْتِعَارَة ، وَمَعْنَاهُ: الْإِقْبَال عَلَى الدَّاعِينَ بِالْإِجَابَةِ وَاللُّطْف . وَاللَّهُ أَعْلَم .شرح النووي على مسلم - (ج 3 / ص 96) وانظر قوله في حديث أين الله شرح النووي على مسلم - (ج 2 / ص 298)
(6) - المنهل العذب الروي في ترجمة قطب الأولياء النووي - (ج 1 / ص 26)