34- ( 1179 ) ٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ فَلْيَفْتَتِحْ صَلاَتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ » . رواه مسلم .
( شاذ بهذا اللفظ ) [ قال الشيخ الألباني:وهو عند غير مسلم عن أبي هريرة مرفوعا من فعله - صلى الله عليه وسلم - وهو الصواب وأما من قوله فشاذ كما حققته في"ضعيف أبي داود"] .
قلت: هو في صحيح مسلم (1843 ) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ فَلْيَفْتَتِحْ صَلاَتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ » . [1]
وهو حديث صحيحٌ مرفوعًا بلا ريب .
وزعم الشيخ ناصر الدين الألباني -رحمه الله- أنه ضعيف وأورده في ضعيف الجامع (619) وضعيف أبي داود (240) وحجَّته ورود الحديث من طريق آخر من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وموقوفًا .
قلتُ: لكنَّ الذين رووه مرفوعا هم الأكثر كما ذكرتهم قبل قليل في التخريج،ووروده موقوفًا لا يعلُّ رواية الرفع؛ لأن الذين رووه مرفوعًا ثقات أثبات أكثر من الذين رووه موقوفًا،والكلُّ ممكنٌ،ولا تعارض بين الجميع،لذلك لم يتكلم عليه الشوكاني رحمه الله بشيء في النيل،لذا ينبغي أن يُعلم أن أحاديث الصحيحين قد بلغت القنطرة،فلا يحقُّ لأحدٍ منَّا أن يتسوَّرَ حماها أبدًا.
قال العلامة الزركشي [2] :
"أَمَّا تَعَارُضُ الرَّفْعِ وَالْوَقْفِ،فَالْحُكْمُ عَلَى الْأَصَحِّ - كَمَا قَالَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ - لِمَا رَوَاهُ الثِّقَةُ مِنْ الرَّفْعِ ؛ لِأَنَّهُ مُثْبِتٌ،وَغَيْرُهُ سَاكِتٌ،هَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى رَاوِيَيْنِ،وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى رَاوٍ وَاحِدٍ كَمَا لَوْ رَفَعَ حَدِيثًا فِي وَقْتٍ،ثُمَّ وَقَفَهُ مَرَّةً أُخْرَى،فَالْحُكْمُ لِرَفْعِهِ،وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي بَابِ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ مِنَ"الْحَاوِي": مِنْ مَذْهَبِنَا أَنَّ الْخَبَرَ إِذَا رُوِيَ مَوْقُوفًا،وَمُسْنَدًا حُمِلَ الْمَوْقُوفُ عَلَى أَنَّهُ مَذْهَبُ الرَّاوِي،وَالْمُسْنَدُ عَلَى أَنَّهُ قَوْلُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - [3] ."
وقال الحافظ العراقي رحمه الله [4] :
"إذا اختلفَ الثقاتُ في حديثٍ،فرواهُ بعضُهم متّصلًا،وبعضُهم مرسلًا . فاختلفَ أهلُ الحديثِ فيهِ هلِ الحكمُ لمَنْ وصلَ،أو لمَنْ أرسلَ،أو للأكثرِ،أو للأحفظِ ؟ على أربعةِ أقوالٍ:"
أحدُها: أنَّ الحكمَ لَمنْ وصلَ،وهو الأظهرُ الصحيحُ . كما صحّحَهُ الخطيبُ. وقال ابنُ الصلاحِ: إنّهُ الصحيحُ في الفقِهِ وأصولِهِ . وسُئلَ البخاريُّ عن حديثِ:"لا نكاحَ إلا بولي"وهو حديث اختلِفَ فيه على أبي إسحاق السَّبِيعيِّ فرواهُ شُعبةُ والثوريُّ عنه،عن أبي بُردةَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مرسلًا،ورواه إسرائيلُ بنُ يونُسَ في آخرينَ،عن جدِّهِ أبي إسحاقَ،عن أبي بُرْدَةَ عن أبي موسى الأشعريِّ،عن النبيِّ ? متصلًا،فحَكَمَ البخاريُّ لمَنْ وصلَهُ،وقال: الزيادةُ من الثقةِ مقبولةٌ . هذا مع أنَّ مَنْ أرسلَهُ شعبةُ وسفيانُ،وهما جبلانِ في الحفظِ والإتقانِ .
والقولُ الثاني: أنَّ الحكمَ لمَنْ أرسلَ . وحكاهُ الخطيبُ عن أكثرِ أصحابِ الحديثِ.
والقولُ الثالثُ: أنَّ الحكمَ للأكثرِ،فإنْ كان مَنْ أرسلَهُ أكثرَ ممَّن وصلَهُ،فالحكمُ للإرسالِ،وإنْ كانَ من وَصَلَهُ أكثرَ،فالحكمُ للوصلِ .
والقولُ الرابعُ: أنَّ الحكمَ للأحفظِ،فإنْ كانَ مَنْ أرسلَ أحفظَ،فالحكمُ له،وإن كان مَنْ وصلَ أحفظَ فالحكمُ له،وهذا معنى قولِهِ: وقيلَ: الأكثرُ،وقيلَ: الأحفظُ . وكلاهُما خبرُ مبتدأ محذوفٍ تقديرُه: وقيلَ: المعتبرُ الأكثرُ،وقيلَ: الأحفظُ .وينبني على هذا القولِ الرابعِ - وهو أنَّ الحكمَ للأحفظِ - ما إذا أرسلَ الأحفظُ،فهلْ يقدحُ ذلكَ في عدالةِ مَنْ وصَلَهُ،وأهليَّتِهِ،أوْ لاَ ؟ فيهِ قولانِ: أصحُّهُما،وبه صَدَّرَ ابنُ الصلاحِ كلامَهُ أنَّهُ: لا يَقدَحُ . قالَ: ومنهم مَنْ قالَ: يَقدَحُ في مسندِهِ،وفي عدالتِهِ،وفي أهليتِهِ،وما أسندَهُ من الحديثِ غَيْر هَذَا الَّذِي أرْسَلَهُ مَنْ هُوَ أحفظُ ؛ لأنَّ هذا بناءٌ على أنَّ الحكمَ للأحفظِ،وقد أرسل،فلا شكَّ في قدحِهِ في هذا المسنَدِ على هذا القولِ . وإذا رفعَ بعضُ الثقاتِ حديثًا،ووقفَهُ بعضُ الثقاتِ،فالحكمُ على الأصَحِّ،كما قالَ ابنُ الصلاحِ،لما زادَهُ الثقةُ من الرفعِ ؛ لأنَّهُ مثبتٌ،وغيرُهُ ساكتٌ،ولو كان نافيًا فالمثبِتُ مقدّمٌ عليه ؛ لأنَّهُ عَلِمَ ما خَفِيَ عليهِ .
وإذا وقعَ الاختلافُ مِن راوٍ واحدٍ ثقةٍ في المسألتينِ معًا فوصَلَهُ في وقتٍ وأرسَلَهُ في وقتٍ،أو رَفَعهُ في وقتٍ،ووقَفَهُ في وقتٍ،فالحكمُ على الأصَحِّ لوصلِهِ ورْفعِهِ،لا لإرْسالِهِ ووقْفِهِ . هكذا صحّحَهُ ابنُ الصلاحِ . وأما الأصوليون فصححوا أنَّ الاعتبارَ بما وقع منه أكثرُ . فإنْ وقعَ وصلُه،أو رفعُه أكثرَ من إرسالِهِ،أو وقفهِ ؛ فالحكمُ للوصلِ،والرفعِ . وإنْ كان الإرسالُ،أو الوقفُ أكثرَ،فالحكمُ له .""
ـــــــــــــــــ
(1) - سنن أبى داود (1325) وصححه الشيخ ناصر، ومسند أحمد (7964 ) وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين و (9420) وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين، وفي مصنف عبد الرزاق ( 2561) وفي الشمائل المحمدية للترمذي (263 ) وفي السنن الكبرى للبيهقي (ج 3 / ص 6) (4856) وفي صحيح ابن حبان (2658 ) وفي صحيح ابن خزيمة (1088 ) وفي الأوسط لابن المنذر (2517 ) وفي الفوائد الشهير بالغيلانيات لأبي بكر الشافعي (405 ) كلهم من طريق محمد بن سيرين ، عن أبي هريرةبه مرفوعًا ، مصنف ابن أبي شيبة (ج 2 / ص 272) (6683) عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ ، فَلْيَفْتَتِحْ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ. (6685) عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ؛ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَفْتَتِحُ صَلاَتَهُ مِنَ اللَّيْلِ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ. وفي المسند الجامع - (ج 40 / ص 311) (13173) (عبد الرزاق ، وأيوب ، وسليمان بن حيان ، أبو خالد ، ومحمد بن سلمة ، وزائدة ، وأبو أسامة ، وعبد الأعلى) عن هشام بن حسان ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ: ( إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ ، فَلْيَفْتَتِحْ صَلاَتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ.) ". وصحح الألباني المرفوع في إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل - (ج 2 / ص 202) ( 453 ) ثم رجح الوقف في الصحيحة (3199) !!!، وذكره العلامة ابن القيم في زاد المعاد - (ج 1 / ص 311) وسكت عليه"
(2) - البحر المحيط - (ج 5 / ص 407)
(3) - الحاوي في فقه الشافعي - الماوردي - (ج 2 / ص 359)
(4) - شرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 76)