فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 94

تمهيد

قواعد هامة للحكم على الأحاديث صحة وضعفًا

1.القرآن الكريم قد تكفَّل الله تعالى بحفظه ،بقوله تعالى:"إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" [الحجر/9] ، وأمَّا السنَّة النبوية فقد أناط الله حفظها لهذه الأمة الخاتمة ، الشاهدة على الناس ، قال تعالى:"وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا" [البقرة/143] ، ولا نكون شهداء على الناس إلا إذا كنا عدولا مؤتمنين على هذه الرسالة ، محافظين عليها أشد المحافظة ، ناشرين لها في الخافقين ، ذابين عنها في كل حين .

2.لا يجوز الحكم على أحاديث الصحيحين من جديد لإجماع الأمة عليهما ، ولتلقي كتابيهما بالقبول ، وكل ما خالف ذلك فهو انحراف عن سواء السبيل .

3.الجرح والتعديل قائم على غلبة الظنِّ ، ومن ثم فالاختلاف فيه كثير ، وهذا الاختلاف يؤدي بدوره إلى الاختلاف في الحكم على الراوي وعلى روايته.

4.كلَّ إمام من أئمة الجرح والتعديل يعتبرُ أمةً وحده في أحكامه على الرواة ، وفي مصطلحاته، فيجب فهم قوله ضمن القواعد والضوابط التي وضعت في هذا الفن .

5.علماء الجرح والتعديل ما بين متشدد ومتساهل ومعتدل ، والواجب علينا الأخذ بمنهج المعتدلين ، وهو الذي جرى عليه العمل خلال القرون المتطاولة .

6.لا يجوز الحكم على الرواة المختلف فيهم إلا بالرجوع لأقوال علماء الجرح والتعديل السابقين، ومن كتبهم مباشرة ، حتى نستطيع الوصول إلى القول الراجح فيهم ، وليس بالرجوع إلى الكتب المختصرة كالتقريب ونحوه .

7.كلُّ راو اختلف فيه العلماء جرحًا وتعديلًا فالراجح أن حديثه حسن ، ما لم يثبت أنه أخطأ في حديث بعينه ولم نجد له عاضدًا .

8.الرواة المسكوت عنهم عند السلف من أئمة الجرح والتعديل ، وحسَّن لهم الترمذي أو صحح لهم ابن حبان أو ابن خزيمة أو الحاكم أو المنذري في الترغيب أو الصياء المقدسي في المختارة أوالحافظ العراقي أو الهيثمي أو ابن الملقن أو ابن كثير أو الذهبي أو البوصيري أو ابن حجر أو السخاوي فحديثهم حسن على الراجح ، إذا لم يخالفوا الثقات ، أو ينكر عليهم هذا الحديث بعينه .

9.لا يجوز الحكم على حديث بحكم جديد مغاير لما حكم عليه الأقدمون من أئمة الجرح والتعديل ، إلا ببرهان يقيني أنهم قد أخطؤوا فيه ، دون تسفيه لهم أو انتقاصه منهم .

10.علماء الجرح والتعديل ليسوا بمعصومين ، ومن ثم يمكن أن يخطئوا ، ولو نادرًا ، ومنهم الإمام النووي ورحمه الله .

11.الإمام النووي - رحمه الله - من أئمة الجرح والتعديل والحفاظ المعتبرين ، وقد جمع بين الفقه والحديث ، بعكس كثير من الحفاظ .

12.إذا لم يكن الحديث محكوما عليه سابقا بحكم دقيق ، لا بد من جمع طرقه ، ثم النظر في أسانيده ، وفي طبقاته إذا لزم الأمر ،ثم في متنه ، ثم في طرقه وشواهده لفظًا ومعنى ، ثم الحكم عليه ضمن المنهج الوسط في الجرح والتعديل .

13.لا يجوز رد الحديث الصحيح إذا لم نفهمه يعقولنا القاصرة ، ولا بد من الرجوع لأهل العلم وشروح الحديث المعتبرة ، لتزيل ما وقع أنفسنا من إشكال حوله .

14.كل من ردَّ حديثًا ثابتًا ، لأنه خالف رأيه أو مذهبه ، لا يقبل قوله كائنا من كان ، فالحق أحق أن يتبع .

15.لا يجوز التسرع بتضعيف الأحاديث التي صححها أو حسنها من قبلنا من الأئمة المعتبرين ، فإنه سيؤدي إلى التشكيك بالسنَّة النبوية .

16.لا يجوز تصيد أخطاء السابقين ، بحجة التحقيق العلمي المزعوم ،أو الدفاع عن السنَّة وما شابه ذلك ، من أغراض .

17.إذا تبين لدينا -بشكل مؤكد- خطأ عالم في الحكم على حديث ما ، فينبغي أن نلتمس له العذر في ذلك ، وفي الزهد لهناد بن السري (1218 ) عن حميد الطويل قال: قال أبو قلابة: « إذا بلغك عن أخيك ، شيء تجد عليه فيه فاطلب له العذر جهدك فإن أعياك فقل لعل عذره أمر لم يبلغه علمي » [1]

وفي شعب الإيمان للبيهقي (8111 ) عن محمد بن سيرين ، قال: « إذا بلغك عن أخيك شيء فالتمس له عذرا ، فإن لم تجد له عذرا ، فقل: له عذر » ( إسناده حسن)

18.طالب العلم الحقيقي يكمل البناء لا يهدمه ، من أجل عطب صغير فيه ، ففي صحيح البخارى (3535 ) عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: « إِنَّ مَثَلِى وَمَثَلَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِى كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ ، إِلاَّ مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ وَيَعْجَبُونَ لَهُ ، وَيَقُولُونَ هَلاَّ وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ قَالَ فَأَنَا اللَّبِنَةُ ، وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ » [2] .

1- ( 66 ) عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: « الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ » ."رواه الترمذي وقال حديث حسن ."

( ضعيف ) [ فيه: أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني،وهو ضعيف مختلط ] .

قلت: أخرجه الترمذي برقم (2647 ) وقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ قَالَ: وَمَعْنى دَان نَفسه أَي حَاسَبَهَا فِي الدُّنْيَا قبل يَوْم الْقِيَامَة .

أمَّا معنى الحسن عند الإمام الترمذي فهو كما قال": وَمَا ذَكَرْنَا فِى هَذَا الْكِتَابِ حَدِيثٌ حَسَنٌ فَإِنَّمَا أَرَدْنَا بِهِ حُسْنَ إِسْنَادِهِ عِنْدَنَا. كُلُّ حَدِيثٍ يُرْوَى لاَ يَكُونُ فِى إِسْنَادِهِ مَنْ يُتَّهَمُ بِالْكَذِبِ وَلاَ يَكُونُ الْحَدِيثُ شَاذًّا وَيُرْوَى مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ نَحْوَ ذَلِكَ فَهُوَ عِنْدَنَا حَدِيثٌ حَسَنٌ." [3] أي الحديث الضعيف الذي روي من أكثر من طريق فيقوى لغيره (حسن لغيره ) [4]

وله متابعتان ولكن فيهما ضعفًا شديدًا.

وله شاهد في اعتلال القلوب للخرائطي (59 ) حَدَّثَنَا سَعْدَانُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ،وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الدَّوْرَقِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو هَانِئٍ،أَنَّهُ سَمِعَ عَمْرَو بْنَ مَالِكٍ النُّكْرِيَّ،أَنَّهُ سَمِعَ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ يَقُولُ:"سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ:"الْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ"وَزَادَ سَعْدَانُ:"وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ"وهو حديث صحيح"

وعلى هذا فالحديث يحسن لغيره لسببين الأول رواية عبد الله بن المبارك عن أبي بكر بن أبي مريم أقوى من غيرها وهذا الشاهد الذي بمعناه . والله أعلم

( الْكَيِّسُ ) أَيْ الْعَاقِلُ الْمُتَبَصِّرُ فِي الْأُمُورِ النَّاظِرُ فِي الْعَوَاقِبِ

( مَنْ دَانَ نَفْسَهُ ) أَيْ حَاسَبَهَا وَأَذَلَّهَا وَاسْتَعْبَدَهَا وَقَهَرَهَا حَتَّى صَارَتْ مُطِيعَةً مُنْقَادَةً

( وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ ) قَبْلَ نُزُولِهِ لِيَصِيرَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَالْمَوْتُ عَاقِبَةُ أَمْرِ الدُّنْيَا ، فَالْكَيِّسُ مَنْ أَبْصَرَ الْعَاقِبَةَ

( وَالْعَاجِزُ ) الْمُقَصِّرُ فِي الْأُمُورِ ، ( مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا ) مِنَ الْإِتْبَاعِ أَيْ جَعَلَهَا تَابِعَةً لِهَوَاهَا فَلَمْ يَكُفَّهَا عَنِ الشَّهَوَاتِ وَلَمْ يَمْنَعْهَا عَنْ مُقَارَنَةِ الْمُحَرَّمَاتِ

( وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ ) فَهُوَ مَعَ تَفْرِيطِهِ فِي طَاعَةِ رَبِّهِ وَاتِّبَاعِ شَهَوَاتِهِ لَا يَعْتَذِرُ بَلْ يَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الْأَمَانِيَّ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ . قَالَ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالْعَاجِزُ الَّذِي غَلَبَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ وَعَمِلَ مَا أَمَرَتْهُ بِهِ نَفْسُهُ فَصَارَ عَاجِزًا لِنَفْسِهِ فَأَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَأَعْطَاهَا مَا اِشْتَهَتْهُ ، قُوبِلَ الْكَيِّسُ بِالْعَاجِزِ ،وَالْمُقَابِلُ الْحَقِيقِيُّ لِلْكَيِّسِ السَّفِيهُ الرَّأْيِ وَلِلْعَاجِزِ الْقَادِرُ لِيُؤْذِنَ بِأَنَّ الْكَيِّسَ هُوَ الْقَادِرُ ، وَالْعَاجِزَ هُوَ السَّفِيهُ وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ أَيْ يُذْنِبُ وَيَتَمَنَّى الْجَنَّةَ مِنْ غَيْرِ الِاسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ . [5]

قلت: وهو مصداق قوله تعالى: { وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10) } [الشمس/7-10]

ـــــــــــــــــ

(1) - إسناده حسن ، الجُهْد والجَهْد: بالضم هو الوُسْع والطَّاقة، وبالفَتْح: المَشَقَّة. وقيل المُبَالَغة والْغَايَة. وقيل هُمَا لُغتَان في الوُسْع والطَّاقَة، فأمَّا في المشَقَّة والْغَاية فالفتح لا غير - أعيا: أتعب وأعجز

(2) - كثير من هذه القواعد قد تكلمت عليها بالتفصيل في كتابي ( الحافظ ابن حجر ومنهجه في تقريب التهذيب) ، وبعضها في هذا الكتاب أثناء تخريج الأحاديث والحكم عليها .

(3) - سنن الترمذى (4410) وانظر نزهة النظر - (ج 1 / ص 211) وتوضيح الأفكار - (ج 1 / ص 166) ومنهج النقد في علوم الحديث - (ج 1 / ص 272) وتوجيه النظر إلى أصول الأثر - (ج 1 / ص 359) ولسان المحدثين (معجم مصطلحات المحدثين) - (ج 3 / ص 136)

(4) - وأخرجه الحاكم (191 و7639) من طريقه وصححه ورده الذهبي في الموضع الأول ووافقه في الموضع الثاني !! ، وسكت عليه الحافظ ابن حجر في الفتح 9/ 342،وذكره الحافظ العراقي في تخريج الإحياء (2247 ) ونقل تحسين الترمذي وسكت عليه،وحسنه البغوي في شرح السنة (3940 )

(5) - تحفة الأحوذي - (ج 6 / ص 251)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت