وبيَّنت الآياتُ أيضًا أنَّ الاستغفارَ من الذنب سببٌ لنزول الغيث والإمداد بالأموال والبنين ونباتِ الأشجار وتوفُّر المياه،ذلك أنّ الذنوبَ والمعاصي إذا انتشرت في أمّة سبَّبت الشقاء والهلاك والقحطَ والجدْب،ولهذا أمر الله الناسَ عبر الأجيال بواسطةِ أنبيائه أن يُقلِعوا عن المعاصي،ويطلبوا الغفرانَ من الله على ما اقترفوه،حتى ينالوا رحمتَه ويجتنبوا غضبه.
*-يدفع العقوبة عن صاحبه ويمنع نزول المصائب به, ويحول دون حلول الكوارث والأزمات والنكبات،ويرفع العقوبات النازلة بالإنسان،كالقحط والطوفان والجوع والأوبئة المهلكة،ويحقق الأمن النفسي والاجتماعي،فعَنْ أَبِى بُرْدَةَ بْنِ أَبِى مُوسَى عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَىَّ أَمَانَيْنِ لأُمَّتِى ( {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} (33) سورة الأنفال،إِذَا مَضَيْتُ تَرَكْتُ فِيهِمْ الاِسْتِغْفَارَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ » [1] .
*-الاستغفار دواء وعلاج،وملاذ المضطر وباب الفوز برضا الله،وأساس الوقاية من غضبه،وهو سبب فرح العبد وحبوره يوم لقاء الله،يوم يجد صحيفته مملوءة بالاستغفار،فعَنِ الزُّبَيْرِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"مَنْ أَحَبَّ أَنْ تَسُرَّهُ صَحِيفَتُهُ ; فَلْيُكْثِرْ فِيهَا مِنَ الِاسْتِغْفَارِ" [2] . فالمكثر من الاستغفار يُبعث طاهرًا نقيًا فرحًا مسرورًا لا ذنب يؤاخذ عليه،ويزداد فرحًا وحبورًا عندما يقبض صحيفته بيمينه ويجدها ممتلئة بالاستغفار.
*-إذا أعتيك المسائل ففر إلى الاستغفار،يقول ابن القيم رحمه الله:"وشهدتُ شيخَ الإسلام ابنَ تيميه رحمه الله إذا أعيَته المسائل واستعصَت عليه فرَّ منها إلى التوبة والاستغفار والاستعانة بالله واللجوء إليه واستنزال الصوابِ من عنده والاستفتاح من خزائن رحمته،فقلَّما يلبثُ المددُ الإلهي أن يتتابَع عليه مدًّا،وتزدلِف الفتوحات الإلهية إليه،بأيّتهنّ يبدأ". [3]
*-سبب لانشراح الصدر،وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: « إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِى حَتَّى أَسْتَغْفِرَ اللَّهَ مِائَةَ مَرَّةٍ » . رواه أحمد [4]
*-سبب لحسن الخلق والسهولة مع الخلق،فعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ كَانَ فِى لِسَانِى ذَرَبٌ عَلَى أَهْلِى لَمْ أَعْدُهُ إِلَى غَيْرِهِ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « أَيْنَ أَنْتَ مِنَ الاِسْتِغْفَارِ يَا حُذَيْفَةُ إِنِّى لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ » [5] .
*-سبب لمغفرة الذنوب وتكفير السيئات،فأوجبُ ما يكون الاستغفار عند الوقوع في مهاوي المعاصي وأرجاسِ الذنوب،وهنا يجدُ المسلم الاستغفارَ أداةً يتعلَّق بها لتقِيمه من عثرته،ومغسلةً يتطهَّر بها من أدران ذنبه،قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (135) سورة آل عمران
وكما في الحديث القدسي:"يَا عِبَادِى إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِى أَغْفِرْ لَكُمْ" [6] ،وكقوله تعالى {وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا} (110) سورة النساء
وعَنْ أَبِى ذَرٍّ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فِيمَا يَرْوِى عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ قَالَ « يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِى وَرَجَوْتَنِى فَإِنِّى سَأَغْفِرُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَوْ لَقِيتَنِى بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا لَلَقِيتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً وَلَو عَمِلْتَ مِنَ الْخَطَايَا حَتَّى تَبْلُغَ عَنَانَ السَّمَاءِ مَا لَمْ تُشْرِكْ بِى شَيْئًا ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِى لَغَفَرْتُ لَكَ ثُمَّ لاَ أُبَالِى » [7] .
*-الاستغفارُ يدفع عن النفس الشعورَ بالكبر،والزهوَّ بالنفس والعُجبَ بالأعمال،يورثها الإحساسَ بالتقصير،وهذا الإحساسُ بالتقصير يدفع المسلمَ للمزيد من العمل في طاعة الله،فتزداد حسناتُه ويثقل ميزانه.
وتدبّر أيضًا حكمةَ الاستغفار دُبُر كلّ صلاة كما علّمنا عليه الصلاة والسلام،حتى لا يُعجَب المسلم بصلاتِه وعبادته ويتألّى بها على الله كما تألّى بعض الأعرابِ على الله ومَنّوا على الرسول بإسلامهم،يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَىَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ إِنُ كُنتُمْ صَادِقِينَ [الحجرات:17] .
فَإِنَّ الْعِبَادَ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنَ الِاسْتِغْفَارِ أَوَّلَهُمْ وَآخِرَهُمْ قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى رَبِّكُمْ فَإِنِّى أَتُوبُ إِلَيْهِ فِى الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ » [8] . وفي رواية: « وَاللَّهِ إِنِّى لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِى الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً » [9] وفي رواية: « اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى خَطِيئَتِى وَجَهْلِى وَإِسْرَافِى فِى أَمْرِى،وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّى،اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى هَزْلِى وَجِدِّى وَخَطَاىَ وَعَمْدِى،وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِى » [10] .
*-المستغفر يُقر بصفة الله تعالى الغفار،ويردد اسمه تعالى ويلهج به،ويتعبد له بهذه العبادة العظيمة التي يجب توفرها في عباد الله المستحقين للاستخلاف في الأرض, ويحقق ـ أي: الاستغفار ـ للمؤمن الثقة بالله وبلطفه بعباده الضعفاء،فإذا كان الدعاء مخّ العبادة فالاستغفار جوهرها, وهو دعاء واستمداد،وهو استجابة لله وتنفيذ لأمره وذكر له وصلح معه وتقرب إليه وخضوع تام له واعتراف بعجز العبد وقدرة مولاه.
*- الاستغفارُ سببٌ لمحو الذنوب ورفع العقوبة،قال تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (النساء:110) .
وأوجبُ ما يكون الاستغفار عند الوقوع في مهاوي المعاصي وأرجاسِ الذنوب،ومن ذا الذي يسلم من ذلك؟! وهنا يجِد المسلم في الاستغفار أداةً يتعلّق بها لتقيمَه من عثرتِه،ومغسلةً يتطهَّر بها من أدران الذّنوب،فقد ذكر تعالى من أوصاف المتّقين في كتابه: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران:135] .
وعَنْ زَيْدٍ مَوْلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: « مَنْ قَالَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِى لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ غُفِرَ لَهُ وَإِنْ كَانَ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ » [11] .
*-رفع البلايا عن الناس،قال الله سبحانه في شأن نبيّه يونس عليه السلام:"فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبّحِينَ لَلَبِثَ فِى بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ" [الصافات:143،144] .
*-الاستغفارُ سببٌ لصفاءِ القلب ونقائه،فالذنوب تترك أثرًا سيّئًا وسوادًا على القلب،فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِى قَلْبِهِ فَإِنْ تَابَ وَنَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ صُقِلَ قَلْبُهُ وَإِنْ زَادَ زَادَتْ حَتَّى يَعْلُوَ قَلْبَهُ ذَاكَ الرَّيْنُ الَّذِى ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِى الْقُرْآنِ {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (14) سورة المطففين» [12] .
*-زوال الهم والغم وتفريج الكرب،وبه تمحى السيئات وتبدّل إلى حسنات،وتنزل الرحمات،وتُدفع الآفات،وتفتح أبواب السموات،وبه تفرَّج الكروب،وتتطهر القلوب،وترتبط بعلام الغيوب،وتُكشف الهموم،وتزول الغموم, وتحصل البركة في المال،وتُحقَّق الآمال،وبه تكثر الأرزاق وتزداد النعم حتى لا يدري المستغفر مصدرها،ولا الوجهة التي أتت منها. كما في حديث ابن عباس: « مَنْ لَزِمَ الاِسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ » .،قال الحكيم: وأشار بالإكثار إلى أن الآدمي لا يخلو من ذنبٍ أو عيب ساعةً فساعة والعذابُ عذابان أدنى وأكبر فالأدنى عذابُ الذنوبِ والعيوبِ،فإذا كان العبد مستيقظًا على نفسه فكلَّما أذنبَ أو أعتبَ أتبعهما استغفارًا فلم يبق في وبالها وعذابها،وإذا لها عن الاستغفار تراكمت ذنوبه،فجاءت الهمومُ والضيقُ والعسرُ والعناءُ والتعبُ،فهذا عذابُه الأدنى وفي الآخرة عذابُ النار،وإذا استغفر تنصَّلَ من الهمِّ فصار له من الهمومِ فرجًا ومن الضيقِ مخرجًا ورزقَه من حيثُ لا يحتسبُ [13] .
ـــــــــــــــــ
(1) - سنن الترمذى (3362 ) صحيح لغيره
(2) - المعجم الأوسط للطبراني (851) وشعب الإيمان للبيهقي (668) وهو حديث حسن
(3) - إعلام الموقعين (4/172) .
(4) - مسند أحمد (18326) صحيح - يغان: يغطى
(5) - مسند أحمد (24045) صحيح لغيره -الذرب: الفحش ، و انظر فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 5 / ص 8203) رقم الفتوى 39154 منزلة الاستغفار والآثار المترتبة عليه
(6) - صحيح مسلم (6737 ) مطولا
(7) - مسند أحمد (22125) صحيح لغيره -القُراب: قراب الأرض أى بما يقارب ملأها
(8) - مسند أحمد (18324) صحيح
(9) - صحيح البخارى (6307 )
(10) - صحيح البخارى (6399 )
(11) - سنن أبى داود (1519 ) صحيح
(12) - مسند أحمد (8172) صحيح -الران: الغطاء = صقل: جلى = النكتة: الأثر القليل كالنقطة
(13) - انظر فيض القدير - (ج 6 / ص 107) (8508 ) و انظر موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 485) وموسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 3725) وموسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 4824) وشرح ابن بطال - (ج 19 / ص 105)