وَالْجِهَادُ فِي سَبِيل اللَّهِ فَرْضُ كِفَايَةٍ إِذَا قَامَ بِهِ الْبَعْضُ سَقَطَ عَنِ الْبَاقِينَ،وَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ فَرْضُ عَيْنٍ،وَفَرْضُ الْعَيْنِ أَقْوَى مِنْ فَرْضِ الْكِفَايَةِ . وَفِي خُصُوصِ ذَلِكَ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا مَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَاسْتَأْذَنَهُ فِى الْجِهَادِ فَقَالَ « أَحَىٌّ وَالِدَاكَ » . قَالَ نَعَمْ . قَالَ « فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ » [1] .
وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: جِئْتُ أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَتَرَكْتُ أَبَوَىَّ يَبْكِيَانِ. فَقَالَ: « ارْجِعْ عَلَيْهِمَا فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا » . [2]
وَفِيهِ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ: أَنَّ رَجُلًا هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنَ الْيَمَنِ فَقَالَ: « هَلْ لَكَ أَحَدٌ بِالْيَمَنِ » . قَالَ: أَبَوَاىَ. قَالَ: « أَذِنَا لَكَ » . قَالَ: لاَ. قَالَ: « ارْجِعْ إِلَيْهِمَا فَاسْتَأْذِنْهُمَا فَإِنْ أَذِنَا لَكَ فَجَاهِدْ وَإِلاَّ فَبِرَّهُمَا » [3] .
هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنِ النَّفِيرُ عَامًّا . وَإِلاَّ أَصْبَحَ خُرُوجُهُ فَرْضَ عَيْنٍ ؛ إِذْ يَتَعَيَّنُ عَلَى الْجَمِيعِ الدَّفْعُ وَالْخُرُوجُ لِلْعَدُوِّ . [4] وَإِذَا كَانَ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ فَرْضَ عَيْنٍ،فَإِنَّ خِلاَفَهُ يَكُونُ حَرَامًا،مَا لَمْ يَكُنْ عَنْ أَمْرٍ بِشِرْكٍ أَوِ ارْتِكَابِ مَعْصِيَةٍ،حَيْثُ لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ . [5]
-يَكُونُ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ بِالإِْحْسَانِ إِلَيْهِمَا بِالْقَوْل اللَّيِّنِ الدَّال عَلَى الرِّفْقِ بِهِمَا وَالْمَحَبَّةِ لَهُمَا،وَتَجَنُّبِ غَلِيظِ الْقَوْل الْمُوجِبِ لِنُفْرَتِهِمَا،وَبِمُنَادَاتِهِمَا بِأَحَبِّ الأَْلْفَاظِ إِلَيْهِمَا،كَيَا أُمِّي وَيَا أَبِي،وَلْيَقُل لَهُمَا مَا يَنْفَعُهُمَا فِي أَمْرِ دِينِهِمَا وَدُنْيَاهُمَا،وَيُعَلِّمْهُمَا مَا يَحْتَاجَانِ إِلَيْهِ مِنْ أُمُورِ دِينِهِمَا،وَلْيُعَاشِرْهُمَا بِالْمَعْرُوفِ . أَيْ بِكُل مَا عُرِفَ مِنَ الشَّرْعِ جَوَازُهُ،فَيُطِيعُهُمَا فِي فِعْل جَمِيعِ مَا يَأْمُرَانِهِ بِهِ،مِنْ وَاجِبٍ أَوْ مَنْدُوبٍ،وَفِي تَرْكِ مَا لاَ ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي تَرْكِهِ،وَلاَ يُحَاذِيهِمَا فِي الْمَشْيِ،فَضْلًا عَنِ التَّقَدُّمِ عَلَيْهِمَا،إِلاَّ لِضَرُورَةٍ نَحْوِ ظَلاَمٍ،وَإِذَا دَخَل عَلَيْهِمَا لاَ يَجْلِسُ إِلاَّ بِإِذْنِهِمَا،وَإِذَا قَعَدَ لاَ يَقُومُ إِلاَّ بِإِذْنِهِمَا،وَلاَ يَسْتَقْبِحُ مِنْهُمَا نَحْوَ الْبَوْل عِنْدَ كِبَرِهِمَا أَوْ مَرَضِهِمَا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ أَذِيَّتِهِمَا،قَال تَعَالَى: {وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا} (36) سورة النساء.
قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ الْبِرَّ بِهِمَا مَعَ اللُّطْفِ وَلِينِ الْجَانِبِ،فَلاَ يُغْلِظُ لَهُمَا فِي الْجَوَابِ،وَلاَ يُحِدُّ النَّظَرَ إِلَيْهِمَا،وَلاَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ عَلَيْهِمَا [6] .
وَمِنَ الْبِرِّ بِهِمَا وَالإِْحْسَانِ إِلَيْهَا: أَلاَّ يُسِيءَ إِلَيْهِمَا بِسَبٍّ أَوْ شَتْمٍ أَوْ إِيذَاءٍ بِأَيِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِهِ،فَإِنَّهُ مِنَ الْكَبَائِرِ بِلاَ خِلاَفٍ . فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: « مِنَ الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ » . قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ يَشْتِمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ قَالَ « نَعَمْ يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ » [7] .
وفي صحيح البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - رضى الله عنهما - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ » . قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ قَالَ « يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ،فَيَسُبُّ أَبَاهُ،وَيَسُبُّ أَمَّهُ » [8] .
وَمِنْ بِرِّهِمَا صِلَةُ أَهْل وُدِّهِمَا،فَفِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ كَانَ لَهُ حِمَارٌ يَتَرَوَّحُ عَلَيْهِ إِذَا مَلَّ رُكُوبَ الرَّاحِلَةِ وَعِمَامَةٌ يَشُدُّ بِهَا رَأْسَهُ فَبَيْنَا هُوَ يَوْمًا عَلَى ذَلِكَ الْحِمَارِ إِذْ مَرَّ بِهِ أَعْرَابِىٌّ فَقَالَ أَلَسْتَ ابْنَ فُلاَنِ بْنِ فُلاَنٍ قَالَ بَلَى. فَأَعْطَاهُ الْحِمَارَ وَقَالَ ارْكَبْ هَذَا وَالْعِمَامَةَ - قَالَ - اشْدُدْ بِهَا رَأْسَكَ. فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ أَعْطَيْتَ هَذَا الأَعْرَابِىَّ حِمَارًا كُنْتَ تَرَوَّحُ عَلَيْهِ وَعِمَامَةً كُنْتَ تَشُدُّ بِهَا رَأْسَكَ. فَقَالَ إِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « إِنَّ مِنْ أَبَرِّ الْبِرِّ صِلَةَ الرَّجُلِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ بَعْدَ أَنْ يُوَلِّىَ » . وَإِنَّ أَبَاهُ كَانَ صَدِيقًا لِعُمَرَ. [9]
فَإِنْ غَابَ أَوْ مَاتَ يَحْفَظُ أَهْل وُدِّهِ وَيُحْسِنُ إِلَيْهِمْ،فَإِنَّهُ مِنْ تَمَامِ الإِْحْسَانِ إِلَيْهِ .
وَعَنْ أَبِى أُسَيْدٍ مَالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ السَّاعِدِىِّ قَالَ بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا جَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِى سَلِمَةَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ بَقِىَ مِنْ بِرِّ أَبَوَىَّ شَىْءٌ أَبَرُّهُمَا بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا قَالَ: « نَعَمِ الصَّلاَةُ عَلَيْهِمَا وَالاِسْتِغْفَارُ لَهُمَا وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِى لاَ تُوصَلُ إِلاَّ بِهِمَا وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا » [10] .
وعَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ،وَلَقَدْ هَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَنِى بِثَلاَثِ سِنِينَ،لِمَا كُنْتُ أَسْمَعُهُ يَذْكُرُهَا،وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَبُّهُ أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ فِى الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ،وَإِنْ كَانَ لَيَذْبَحُ الشَّاةَ ثُمَّ يُهْدِى فِى خُلَّتِهَا مِنْهَا [11] .
وعَنْ عَائِشَةَ،قَالَتْ: دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - امْرَأَةٌ،فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِطَعَامٍ،فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنَ الطَّعَامِ وَيَضَعُ بَيْنَ يَدَيْهَا،فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،لا تَغْمُرْ يَدَيْكَ،فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:إِنَّ هَذِهِ كَانَتْ تَأْتِينَا أَيَّامَ خَدِيجَةَ،وَإِنَّ حُسْنَ الْعَهْدِ،أَوْ حَفِظَ الْعَهْدِ مِنَ الإِيمَانِ،وَلَمَّا ذَكَرَ خَدِيجَةَ أَخَذَنِي مَا يَأْخُذُ النِّسَاءَ مِنَ الْغَيْرَةِ،فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِكَبِيرَةِ السِّنِّ حَدِيثَةَ السِّنِّ،فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ،ثُمَّ قَالَ:مَا ذَنْبِي أَنْ رَزَقَهَا اللَّهُ مِنِّي الْوَلَدَ،وَلَمْ يَرْزُقْكِ؟ قُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لا أَذْكُرُهَا بَعْدَ هَذَا إِلا بِخَيْرٍ. [12]
فَكَانَ - صلى الله عليه وسلم - يُهْدِي لِصَدَائِقِ خَدِيجَةَ بِرًّا بِهَا وَوَفَاءً لَهَا،وَهِيَ زَوْجَتُهُ،فَمَا ظَنُّكَ بِالْوَالِدَيْنِ [13] .
ـــــــــــــــــ
(1) - صحيح البخارى (3004 )
(2) - سنن أبى داود (2530 ) صحيح
(3) - سنن أبى داود (2532 ) صحيح لغيره
(4) - فتح القدير على الهداية 5 / 149 ، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي 10 / 240 .
(5) - ابن عابدين 3 / 220 ، والشرح الصغير 4 / 739 ـ 741 ، والفروق للقرافي 1 / 145 .
(6) - الفواكه الدواني 2 / 382 - 383 ، الزواجر عن اقترف الكبائر 2 / 66 .
(7) صحيح مسلم (273 )
(8) - صحيح البخارى (5973 ) وانظر الزواجر عن اقتراف الكبائر 2 / 66 ، والفواكه الدواني 2 / 383 ، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي 10 / 238
(9) - صحيح مسلم (6679 )
(10) - سنن أبى داود (5144 ) حسن
(11) - صحيح البخارى (6004 ) -القصب: لؤلؤ مجوف واسع كالقصر المنيف
(12) - المعجم الكبير للطبراني - (ج 16 / ص 320) (18557 ) صحيح
(13) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 10 / 241 ( المسألة العاشرة ) ، إحياء علوم الدين 6 / 316 ، والفواكه الدواني 2 / 383