فهرس الكتاب

الصفحة 230 من 743

وأما باليد والقهر فليس له أن يحكم إلا في "القضية" المعينة التي يتحاكم فيها إليه مثل ميت مات وقد تنازع ورثته في قسم تركته فيقسمها بينهم إذا تحاكموا إليه وإذا حكم هنا بأحد قولي العلماء ألزم الخصم بحكمه ولم يكن له أن يقول أنا لا أرضى حتى يحكم بالقول الآخر وكذا إذا تحاكم إليه اثنان في دعوى يدعيها أحدهما فَصَل بينهما كما أمر الله ورسوله وألزم المحكوم عليه بما حكم به وليس له أن يقول أنت حكمت علي بالقول الذي لا أختاره.).

مسألة:

أما لو احتج محتج بأن هذا فعل بعض العلماء المتأخرين رحمهم الله؟

قلنا له لم تفهم صورة المسألة التي عملها بعض أهل العلم وهي:

أن العمل المباح - لاحظ قيد الإباحة - الذي تعددت صوره وكل صورة مباحة فهذا لا مانع من جمع الناس على أحد الصور لمصلحة الجمع وعدم التفرق كما فعل عثمان في جمع المصحف فإن القراءات كانت كلها مباحة على سبعة أحرف كلها شاف كاف, ومثله تنوع صور الأذان للصلاة وغير ذلك.

وكذلك إذا كان الصور متعددة والتعدد تخيير للشخص - لاحظ للقيد أنه تخيير تشهي أو اختيار مصلحة - ثم ظهر تلاعب فللحاكم أن يُعزر بالاقتصار على بعض الصور ما لم يُؤد إلى مفسدة كما فعل عمر رضي الله عنه في جعل الثلاث في الطلاق حيث أمضاه ثلاثا تعزيرا وعقوبة لمن تعجل في أمر له فيه أناة, ولمّا ظهر التحايل ونكاح التحليل في زمن ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله أفتيا بعودة الأمر إلى العتيق الأول - ذكر ذلك الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله [في فتاويه 11/ 28] -

أما ما كان من المسائل الاجتهادية ورأى الحاكم العادل أو الحاكم حسن النية الأخذ بأحد الأقوال وكان ملاحظا في أمره مصلحة المسلمين ما لم يعارض ذلك مفسدة أخرى وقصد مصلحة المسلمين لم يقصد مصلحته الخاصة أو مصلحة بقاء ملكه أو مصلحة إرضاء جهات أخرى معادية للإسلام والمسلمين, فإن هذا أجازه بعض أهل العلم.

وهنا احب أن أقف لحظة لتبيين ماذا يُقصد بالمصلحة، وأنقل هنا كلاما جميلا لابن سحمان رحمه الله [في جامع الرسائل والمسائل النجدية 3/ 165] ردا على من فهم فهما خاطئا من كلام بعض الفقهاء أنه يجوز الاستعانة بالمشرك عند الضرورة, وظن هذا المستدل أن الضرورة عائدة لمصلحة الحاكم، فقال ابن سحمان ردا على ذلك قال: (غلط صاحب الرسالة في معرفة الضرورة فظنها عائدة إلى مصلحة ولي الأمر في رياسته وسلطانه وليس الأمر كما زعم ظنه بل هي من ضرورة الدين وحاجته إلى من يعين عليه وتصلح به مصلحته كما صرح به من قال بالجواز وقد تقدم ما فيه والله أعلم) . اهـ

وهذه قاعدة عامة وقيد مهم في فهم ماذا يقصد العلماء إذا قيدوا فعل الحاكم بالمصلحة أو الضرورة أنها مصلحة وضرورة الدين والمسلمين وليس مصلحة ضرورة أهواء الحكام والمحافظة على كراسيهم ودنياهم، فإذا كان الأمر بهذه الطريقة فهذا الذي أجازه بعض أهل العلم وقالوا يسوغ اتباعه من باب مراعاة المصالح, بعد مراجعة العلماء المعتبرين.

على أن هذا القول فيه خلاف فلا يُسلّم به بعض أهل العلم ويمنعونه ولا يجيزون حتى هذه المسألة ولهم سلف في ذلك من الصحابة كما سبق ذكره! وعلى كل ليس مسلكهم مسلك هؤلاء المتأخرين فيستغلون هذا القول الذي قيل به من أجل نفع الحكام وتحقيق رغباتهم من خلال هذا القول فيكون منهجا عندهم ويعممونه في كل مسألة، مع أن من قال به جعله من باب الاستثناء و الطارئ لا من باب الأصل والمنهج!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت