كثيرا ما يتردد قول البعض إن المسلمين اليوم كما لو كانوا في العهد المكي، فالواجب أن يعترفوا بضعفهم ويكيفوا خطابهم وما يتلاءم مع هذا الوضع، كما نسمع من يقول إن العالم يتجه إلى الاشتراك الأممي في كل شيء، ولابد للمسلمين من أن يعرفوا أن طبيعة المرحلة تقتضي تطوير الخطاب الإسلامي ليقبل التعددية، والتعايش مع الآخر، فما ردكم؟
] الجواب للشيخ حامد العلي حفظه الله وثبته على الحق، نقلًا عن موقع منبر التوحيد والجهاد - وفق الله القائمين عليه[:
الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وبعد:
لعل هؤلاء اشتبه عليهم كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فقد قال رحمه الله:(فلما أتى الله بأمره الذي وعده من ظهور الدين وعز المؤمنين أمر رسوله بالبراءة إلى المعاهدين وبقتال المشركين كافة وبقتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.
فكان ذلك عاقبة الصبر والتقوى الذيْن أمر الله بهما في أول الأمر وكان إذ ذاك لا يؤخذ من أحد من اليهود الذين بالمدينة، ولا غيرهم جزية وصارت تلك الآيات في حق كل مؤمن مستضعف، لا يمكنه نصر الله ورسوله بيده ولا بلسانه فينتصر بما يقدر عليه من القلب ونحوه.
وصارت آية الصغار على المعاهدين في حق كل مؤمن قوي يقدر على نصر الله ورسوله بيده أو لسانه، وبهذه الآية ونحوها كان المسلمون يعملون في آخر عمر رسول الله، وعلى عهد خلفائه الراشدين، وكذلك هو إلى قيام الساعة لاتزال طائفة من هذه الأمة قائمين على الحق، ينصرون الله ورسوله النصر التام، فمن كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف أو في وقت هو فيه مستضعف فليعمل بآية الصبر والصفح، عمّن يُؤذي الله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين، وأما أهل القوة فانما يعملون بآية قتال أئمة الكفر الذين يطعنون في الدين، وبآية قتال الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) [الصارم المسلول: الجزء الثاني /414]
فقد ذكر أن المؤمنين إن كانوا مستضعفين، فلهم أن يعلموا بما نزل من الآيات في العهد المكي في مقابلة أذى الكفار لهم بالصبر وعدم الرد بالقتال، يريد بذلك أن آيات القتال ليست ناسخة لآيات الصفح، ولايعني هذا أن الواجب على كل المسلمين في هذا الزمان، في كل موضع، أن يعملوا بأحكام العهد المكي، فهذا ابتداع خطير في الدين، لا يقوله عالم بهذا الدين، ولم يقله فيما مضى أحد من العلماء، بل ما عليه علماء المسلمين هو الأخذ بالآخر فالآخر ممّا نزل على محمد صلى الله عليه وسلم.
ومعلوم بإجماع العلماء أن الكفار إن احتلوا بلدا مسلما وجب على المسلمين أن يقاتلوهم، حتى يجلوهم عن بلاد الإسلام، وأنه لا يجوز للمسلمين أن يتخذوا الكافرين أولياء، ينصرونهم على إخوانهم المسلمين، ويمكنونهم من الاستعلاء بقوتهم في بلاد الإسلام، ومن فعل ذلك فهو كافر مرتد.
ولا يحل لأحد أن يخذل المسلمين عن جهاد عدوهم، أو يزيّن لهم التحاكم إلى طواغيت الكفر، بحجة أنهم في العهد المكيّ، ومن يفتي بهذا يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه على الارتداد عن دينه، فحكمه حكم أمثاله من أهل الردة.