فهرس الكتاب

الصفحة 548 من 743

وقد ذكر ابن حزم رحمه الله شبهة من استدل بهذا الحديث على رد المسلم إلى الكافر (الإحكام 5/ 26) حيث ذكر وجوهًا في ردها، ومما قاله: "أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد إلى الكفار أحدًا من المسلمين في تلك المدة إلا وقد أعلمه الله عز وجل أنهم لا يفتنون في دينهم ولا في دنياهم وأنهم سينجون ولا بد - ثم ذكر حديث أنس السابق.

قال أبو محمد: قد قال الله عز وجل واصفًا لنبيه صلى الله عليه وسلم (وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى) ، فأيقنا أن إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بأن من جاءه من عند كفار قريش مسلمًا فسيجعل الله له فرجًا ومخرجًا وحي من عند الله صحيح لا داخلة فيه، فصحت العصمة بلا شك من مكروه الدنيا والآخرة لمن أتاه منهم حتى تتم نجاته من أيدي الكفار، لا يستريب في ذلك مسلم يحقق النظر، وهذا أمر لا يعلمه أحد من الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يحل لمسلم أن يشترط هذا الشرط ولا أن يفي به إن شرطه إذ ليس عنده من علم الغيب ما أوحى الله تعالى به إلى رسوله وبالله تعالى التوفيق".

وقال ابن العربي رحمه الله (أحكام القرآن 4/ 1789) : "فأما عقده على أن يرد من أسلم إليهم فلا يجوز لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما جوزه الله له لما علم في ذلك من الحكمة، وقضى فيه من المصلحة، وأظهر فيه بعد ذلك من حسن العاقبة، وحميد الأثر في الإسلام ما حمل الكفار على الرضا بإسقاطه، والشفاعة في حطه".

الوجه الثاني:

ولو سلمنا بأنه غير خاصٍ بالنبي صلى الله عليه وسلم فإنه إنما يصح ممن حاله ووضعه كوضع النبي صلى الله عليه وسلم في جهاده للكفار، ونشره للإسلام، وحرصه على الدعوة، وقيامه بأمر الله تعالى، وبراءته من الكفر وأهله، فإنه لم يقبل هذه الشروط نكاية بالمجاهدين، ولا كيدًا لهم، ولا إخلادًا إلى الدنيا وركونًا إليها، ولا (تعزيزًا للعلاقات) مع كفار مكة، ولا تحالفًا معهم، وحاشاه صلى الله عليه وسلم من ذلك كله، بل ما قبلها إلا لصالح الإسلام والمسلمين، وليتفرغ للدعوة إلى الله تعالى، والجهاد في سبيله، ونشر الإسلام، ففتح خيبر، وغزا عدة غزوات، وراسل الملوك في عصره فدعاهم إلى الإسلام، وغير ذلك من المصالح الدينية الظاهرة.

الوجه الثالث:

أن الرسول صلى الله عليه وسلم في وفائه بهذا الشرط لم يعقد (حلفًا) بينه وبين الكفار لمحاربة (الإرهابيين) فيعقد معهم (الاتفاقات) للـ (القضاء عليهم) ، ولم يتبرأ منهم، بل تولاهم، وأخبر أن الله سيفرج عنهم، وكان يدعو لهم، وبقي على براءته من الكافرين، بل غاية ما في الأمر أنه خلى بينهم وبين من يأتيه منهم، ولكنه لا يعينهم عليهم كما سيأتي إن شاء الله في الكلام على (أبي بصير) .

الوجه الرابع:

أن أبا بصير رضي الله عنه قتل الرسول - وهو عند (قريش) قد أتى منكرين:-

أحدهما: الهدنة التي بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم فلا يقتتلون خلالها.

الثاني: قتل الرسول، والرسل لا تقتل في (العرف الدولي) آنذاك، وقد أقره الإسلام.

ومع هذا فلم (يشجب) الرسول صلى الله عليه وسلم أو (يندد) أو (يهاجم) أو (يبرأ) إلى الله مما فعله أبو بصير، أو يجعل عمله هذا من (الإرهاب) ، أو من (خرق المواثيق والأعراف الدولية) ; لأن العهد الذي بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم لا يلزم أبا بصير رضي الله عنه.

الوجه الخامس:

أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتعاون مع رسول قريش الكافر الثاني بعد مقتل صاحبه، ولم يأمر المسلمين أن يقبضوا على أبي بصير رضي الله عنه ويرسله مخفورًا إلى مكة بعد قتله للرسول الأول، بل خلى بينه وبينهم وفاء بالشرط، وليس هذا من المظاهرة في شيء.

الوجه السادس:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت