فهرس الكتاب

الصفحة 558 من 743

ومتى وجدت الموالاة والمظاهرة للكفار فإن الذي سيطبق نوع هذه الموالاة والمظاهرة من الأقسام الثلاثة على من فعلها عليه أن يتقى الله في عدم التسرع وعليه أن يعرف حقيقة الأمر وباطنه فالورع عن أكل المحرمات وفعل المنكرات ليس بأولى من الورع في إخراج مسلم عن ملة الإسلام والفتوى في مثل هذه القضايا العامة التي تتعلق بتعامل الدول مع بعضها والحكام مع بعضهم ليست من حق كل أحد من طلبة العلم بل من اختصاص كبار العلماء الذين يتصلون بولاة الأمر ويعرفون حقيقة الأوضاع فغالبا ً ما تكون الأمور المعلنة مخالفة للواقع الخفي فالمفتي مثل الطبيب الذي يشخص الداء أولا ً ثم يصف الدواء وبعض المفتين مثل الصيادلة عندهم علم بالنصوص ولكنهم لا يستطيعون تطبيق تلك النصوص على الواقع، كما أن الفتاوى الفردية في الأمور العامة تدعو إلى تشعب الفتاوى واختلافها ثم إلى اختلاف الأمة وانقسامها وشق عصا الطاعة في وقت تكون الأمة بحاجة ماسة إلى الاجتماع ووحدة الكلمة، ومن سبر حال النبي صلى الله عليه وسلم مع المشركين وتعامله معهم اتضح له معنى تلك النصوص ومراعاتها للمصالح واعتبارها لدرء المفاسد وذلك عندما يصالح النبي صلى الله عليه وسلم مشركي قريش في الحديبية مدة عشر سنين وهو بذلك يمكنهم من البقاء في مكة على شركهم وتدنيس البيت بالشرك ونصب الأوثان ويتضمن الصلح أيضًا ما جاء في صحيح البخاري ونصه (فلما أبى سهيل أن يقاضي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على ذلك كاتبه رسول الله فرد رسول الله أبا جندل ابن سهيل يومئذ إلى أبيه سهيل بن عمرو ولم يأت رسول الله أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة وإن كان مسلمًا) .

ولو أن حاكما ً بعد النبي صلى الله عليه وسلم فعل مثل ذلك وقام برد المسلمين وتسليمهم إلى الكفار لحكم عليه بعض المنتسبين إلى العلم بالكفر والردة.

فنصيحتي للمسلمين عامة وطلبة العلم خاصة أن يكفوا عن أسباب الشقاق بين المسلمين لأن هذا مما يخدم الأعداء المتربصين وعليهم أن يسعوا جاهدين لتوحيد الكلمة ووحدة الصف قال تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعا ً ولا تفرقوا) وقال صلى الله عليه وسلم: (من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد منكم يريد أن يشق عصاكم ويفرق جماعتكم فاقتلوه كائنا ً من كان) .

وفقهاء الأمة والعلماء الربانيون يراعون في إصدار الفتاوى القواعد الشرعية مثل قاعدة جلب المصالح وتكثيرها ودفع المفاسد وتقليلها وقاعدة ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما، نسأل الله الكريم أن يجمع شمل المسلمين وأن يوحد صفوفهم على الحق وينصرهم على أعدائهم ويعز دينه ويعلي كلمته إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

قاله الفقير إلى عفو ربه عبد المحسن بن ناصر آل عبيكان

المستشار والمفتش القضائى بوزارة العدل وإمام وخطيب جامع الجوهرة في الرياض

بتاريخ 16 محرم 1424

هذا نصه بحروفه.

ولا شك أن تقسيم المظاهرة إلى ثلاثة أقسام باطل لا أصل له كما سيأتيك بيانه إن شاء الله تعالى عند ذكره القسمين الآخرين.

وتقسيمها إلى هذه الأقسام تلبيس وتغرير على السائل حتى لا يعتقد دخول أي معين للكفار على المسلمين اليوم في الكفر والردة عن الإسلام لاحتمال أنه ارتكب ما سماه المفتي محرمًا، والذي سماه جائزًا لا كراهة فيه.

وعلى هذا فلتقر عين كل طاغوت بذل نفسه وماله لنصرة اليهود والنصارى والشيوعيين والرافضة والوثنيين على المسلمين لتقر عينه بالإسلام بأنه ما زال من حزب محمد صلى الله عليه وسلم، وإن كان كافرًا في صف أبي جهل يساعده على رسول الله وأصحابه ما دام أنه ما ساعده إلا لتحصيل مصلحة، أو خوفًا سبحانك هذا بهتان عظيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت