وهذه الحجَّة صحيحةٌ، وهذا المطلب مقبولٌ، لو كان الواقع مرضيًّا شرعًا، وكان العاملُ على تغييرِهِ يُريد الاستزادة من الخير، والاستكثار من نوافل الطاعاتِ، ويسعى إلى الكمال أو مُقاربتِهِ.
أمَّا والواقع فيه من المنكرات والكبائر بل والشرك والكُفريَّات ما لا يُحتمل، فإنَّ تغييرَه من أوجب الواجبات، والمطالب بالمحافظة على الواقع لو وازن بين الواقع القائم بما فيه، والمفاسد التي يخشاها من التغيير علمَ أنَّ الواقع لا يمكن السكوت عنه واحتماله بحالٍ من الأحوالِ، ولكنَّه الإلفُ والاعتيادُ، الَّذي يجعل الناس يستسهلون ما نشؤوا عليه أو تعوَّدوه وسهل عليهم، وكثرة المساسِ تُفقد الإحساسَ، والقلب الَّذي غشيته الذنوب، وغلفه الران، وطغت عليه الدنيا، لا يحرِّكه إلاَّ حظوظُ نفسِهِ، ولا يألمُ إلاَّ لدنياهُ الدنيَّةِ وشهواتِه.
وإلاَّ فهل يستطيع مسلمٌ احتمال المحاكم الطاغوتيَّةِ الوضعيَّةِ التي تحكم بين المسلمين بدساتير كافرةٍ وضعيَّةٍ جائرةٍ، وهو يعلمُ أنَّ هذا من الكفر الأكبر المستبين؟! وهل يقبل قلبٌ فيه حياةٌ أن يُدنّس بلاد المسلمين عامَّة، وجزيرة العرب خاصَّة، شرذمةٌ من العلوج الصليبيين؟! وإذا احتمل هذا، فهل يحتمله مع حربهم للمسلمين في كل مكان، وتقتيلهم إخوانه وانتهاكهم أعراض أخواتِهِ؟ وإذا كان من حجرٍ ولم يلن لهذا؛ فهل يحتملُ بعد أن يعلم أنَّ المسلمين الَّذين قتّلوا وشرّدوا وأهلكت ديارهم وأموالهم، إنَّما كان ضربُهُم والعدوان عليهم بطائراتٍ تخرج من بلادهِ، وجيوشٍ تُقاد من أرضه؟!
هذا لو لم يكن من الله أمرٌ صريحٌ ظاهرٌ، لا يُدفع بمثل هذه التعلُّلاتِ والأباطيلِ، فكيف والأمر صريحٌ صحيحٌ بيّنٌ بقتال المشركين، من كفّارٍ أصليِّين معتدين، وخونةٍ عملاءَ مرتدِّين متسلّطين على رقاب المسلمين؟
فليست القضيَّةُ مكاسبَ مقدّرةً يُراد الوصول إليها فيُدفع ذلك بالمفاسد الناجمة عنها، بل هي مفاسدُ قائمةٌ، على صدر الأُمَّةِ جاثمةٌ، والتغيير إزالةٌ للمفسدةِ لا استجلابٌ للمصلحةِ، فلو لم يكن فيه نصٌّ لكان العقل السويُّ، والفطرة السليمة مقتضِيَينِ للعمل على اقتلاع هذا الفساد، وإراحة العباد والبلاد.
ولو كان الفسادُ لازمًا مواضعه، كامنًا في مكامنه، لا يتعدَّى إلى الناس ولا يُبدِّلُ دينَهم، بل لو كان يثبت على حاله ولا يزيد كلَّ يومٍ في إفسادِهِ، لكانت حجَّة المنادي بالإبقاءِ عليه قريبةً من القبول، سائغةً في العقول، أمَّا والفساد لا يسلم منه أحدٌ، ولا يخلو منه بلدٌ، ثمَّ هو يزيد كلَّ يومٍ ويتضاعفُ، فمن الحماقة السكوت والتعامي عنه، والمطالبة بالإبقاء عليهِ.
وفسادُ هؤلاء الطواغيت ليس في الدين فقط فيحتمله أهل الدنيا وعبّاد الشهوات فحسب، بل فسادهم لكل شيءٍ في أمر الدنيا والدين، فهم محنةٌ على العباد، جنايةٌ على البلادِ، نهبوا خيراتِ الأمَّة وأسلموها إلى أعدائها، وباعوا في سبيل عروشٍ من صورٍ كلَّ ذي شأنٍ وخطرٍ.
وإذا كانت الأمم تسعى للتقوِّي والتحصّن بالشَّوكةِ، وتعملُ على جمع ما استطاعت من قوَّةٍ، فإنَّ طواغيت الجزيرة تركوها أضعفَ من أضعف البلادِ، ولو فرض أن التقويَ والإعدادَ ليس فيه أمرٌ من الله متحتّم وحكم شرعيٌّ لا محيد عنه؛ لكان من معالم هويَّةِ الأُمَّة، ومن ضروريَّاتِ حياتِها التي يدركها كلُّ ذي عقلٍ سليمٍ.
بل زاد الطواغيتُ في بلاد الحرمين، وعملوا على سلب الأمة سلاحها، وتجريدِها منه في حملات نزع السلاح، وصدق الله القائل (ودَّ الَّذين كفروا لو تغفلون عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلةً واحدةً) (النساء: من الآية102) .