فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 443

قلت: وفي معنى أهل القدر جميع أهل الظلم والعدوان . وعن الثوري أنه قال: كانوا يرون أنها نزلت في مَن كان يصحب السلطان . وعن عبد العزيز بن أبي داود أنه لقي المنصور في الطواف فلما عرفه هرب منه وتلاها . وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول:"اللّهم لا تجعل لفاجر عندي نعمة فإني وجدت فيما أوحيت { لاَّ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر } إلى قوله { أولئك كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمان } "أي خلق في قلوبهم التصديق؛ يعني من لم يوال من حاد الله . وقيل: كتب أثبت؛ قاله الربيع بن أنس . وقيل: جعل؛ كقوله تعالى: { فاكتبنا مَعَ الشاهدين } [ آل عمران: 53 ] أي اجعلنا . وقوله: { فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ } [ الأعراف: 156 ] وقيل: «كَتَبَ» أي جمع ، ومنه الكَتيبة؛ أي لم يكونوا ممن يقول نؤمن ببعض ونكفر ببعض . وقراءة العامة بفتح الكاف من «كَتَبَ» ونصب النون من «الإيمان» بمعنى كَتَبَ الله وهو الأجود؛ لقوله تعالى: { وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ } وقرأ أبوالعالية وزِرّ بن حُبيش والمفضل عن عاصم «كُتِبَ» على ما لم يسمّ فاعله «الإيمَانُ» برفع النون . وقرأ زِرّ بن حُبيش «وَعَشِيرَاتِهِمْ» بألف وكسر التاء على الجمع ، ورواها الأعمش عن أبي بكر عن عاصم . وقيل: كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ» أي على قلوبهم ، كما في قوله { فِي جُذُوعِ النخل } وخص القلوب بالذكر لأنها موضع الإيمان . «وَأَيَّدَهُمْ» قوّاهم ونصرهم بروح منه؛ قال الحسن: وبنصر منه . وقال الربيع بن أنس: بالقرآن وحججه . وقال ابن جريج: بنور وإيمان وبرهان وهدى . وقيل: برحمة من الله . وقال بعضهم: أيدهم بجبريل عليه السلام . { وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ الله عَنْهُمْ } أي قبل أعمالهم { وَرَضُواْ عَنْهُ } فرحوا بما أعطاهم { أولئك حِزْبُ الله أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الله هُمُ المفلحون } قال سعيد بن أبي سعيد الجرجاني عن بعض مشايخه ، قال داود عليه السلام: إلهي! مَن حزبك وحول عرشك؟ فأوحى الله إليه: «يا داود الغاضّةُ أبصارهم ، النقية قلوبهم ، السليمة أكفهم؛ أولئك حزبي وحول عرشي» .

وفي تفسير ابن كثير(1):

ثم قال تعالى: { لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ } أي: لا يوادون المحادين ولو كانوا من الأقربين، كما قال تعالى: { لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ } [آل عمران: 28] الآية، وقال تعالى: { قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ } [التوبة: 24]

وقد قال سعيد بن عبد العزيز وغيره: أنزلت هذه الآية { لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ } إلى آخرها في أبي عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح، حين قتل أباه يوم بدر؛ ولهذا قال عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، حين جعل الأمر شورى بعده في أولئك الستة، رضي الله عنهم:"ولو كان أبو عبيدة حيًّا لاستخلفته".

وقيل في قوله: { وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ } نزلت في أبي عبيده قتل أباه يوم بدر { أَوْ أَبْنَاءَهُمْ } في الصديق، هَمَّ يومئذ بقتل ابنه عبد الرحمن، { أَوْ إِخْوَانَهُمْ } في مصعب بن عمير، قتل أخاه عبيد بن عمير يومئذ { أَوْ عَشِيرَتَهُمْ } في عمر، قتل قريبا له يومئذ أيضًا، وفي حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث، قتلوا عتبة وشيبة والوليد بن عتبة يومئذ، والله أعلم.

قلت: ومن هذا القبيل حين استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين في أسارى بدر، فأشار الصديق بأن يفادوا، فيكون ما يؤخذ منهم قوة للمسلمين، وهم بنو العم والعشيرة، ولعل الله أن يهديهم. وقال عمر: لا أرى ما رأى يا رسول الله، هل تمكني من فلان-قريب لعمر-فأقتله، وتمكن عليًا من عقيل، وتمكن فلانًا من فلان، ليعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين... القصة بكاملها.

وقوله: { أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ } أي: من اتصف بأنه لا يواد من حاد الله ورسوله ولو كان أباه أو أخاه، فهذا ممن كتب الله في قلبه الإيمان، أي: كتب له السعادة وقررها في قلبه وزين الإيمان في بصيرته.

وقال السدي: { كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ } جعل في قلوبهم الإيمان.

وقال ابن عباس: { وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ } أي: قواهم.

وقوله: { وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ } كل هذا تقدم تفسيره غير مرة.

وفي قوله: { رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ } سر بديع، وهو أنه لما سخطوا على القرائب والعشائر في الله عوضهم الله بالرضا عنهم، وأرضاهم عنه بما أعطاهم من النعيم المقيم، والفوز العظيم، والفضل العميم.

(1) - تفسير ابن كثير - (ج 8 / ص 54)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت