فهرس الكتاب

الصفحة 270 من 443

وألفاظ المصادر يعبر بها عن المفعول، فيسمي المأمور به أمرًا، والمقدور قدرة، والمرحوم به رحمة، والمخلوق بالكلمة كلمة، فإذا قيل في المسيح: إنه كلمة الله، فالمراد به أنه خُلِقَ بكلمة قوله: [ كن ] ، ولم يخلق على الوجه المعتاد من البشر، وإلا فعيسى بشر قائم بنفسه ليس هو كلاما صفة للمتكلم يقوم به، وكذلك إذا قيل عن المخلوق: إنه أمر الله، فالمراد أن الله كونه بأمره، كقوله: { أَتَى أَمْرُ اللّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ } [ النحل: 1 ] ، وقوله: { فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ } [ هود: 82 ] ، فالرب ـ تعالى ـ أحد صمد، لا يجوز أن يتبعض ويتجزأ، فيصير، بعضه في غيره، سواء سمي ذلك روحًا أو غيره، فبطل ما يتوهمه النصارى من كونه ابنًا له، وتبين أنه عبد من عباد الله .

وقد قيل: منشأ ضلال القوم أنه كان في لغة من قبلنا يعبر عن/ الرب بالأب، وبالابن عن العبد المربي الذي يربه الله ويربيه، فقال المسيح: عمدوا الناس باسم الأب والابن وروح القدس، فأمرهم أن يؤمنوا بالله ويؤمنوا بعبده ورسوله المسيح، ويؤمنوا بروح القدس جبريل، فكانت هذه الأسماء لله، ولرسوله المَلَكي، ورسوله البشري، قال الله تعالى: { اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ } [ الحج: 75 ] .

وقد أخبر ـ تعالى ـ في غير آية أنه أيد المسيح بروح القدس، وهو جبريل عند جمهور المفسرين، كقوله تعالى: { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ } [ البقرة: 87 ] ، فعند جمهور المفسرين أن روح القدس هو جبريل، بل هذا قول ابن عباس وقتادة والضحاك والسدي وغيرهم، ودليل هذا قوله تعالى: { وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ } [ النحل: 101، 102 ] . وروي الضحاك عن ابن عباس: أنه الاسم الذي كان يحيي به الموتي . وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أنه الإنجيل . وقال تعالى: { أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ } [ المجادلة: 22 ] ، وقال تعالى: { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا } [ الشورى: 52 ] ، وقال تعالى: { يُنَزِّلُ الْمَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } [ النحل: 2 ] فما ينزله الله في قلوب أنبيائه مما تحيا به قلوبهم من الإيمان الخالص يسميه روحًا، وهو ما يؤيد الله به المؤمنين من عباده فكيف بالمرسلين منهم ؟ ! والمسيح ـ عليه السلام ـ من أولى العزم، فهو أحق بهذا من جمهور الرسل والأنبياء، وقال تعالى: { تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ } [ البقرة: 253 ] . وقد ذكر الزجاج في تأييده بروح القدس ثلاثة أوجه:

أحدها: أنه أيده به لإظهار أمره ودينه .

الثاني: لدفع بني إسرائيل عنه إذ أرادوا قتله .

الثالث: أنه أيده به في جميع أحواله .

ومما يبين ذلك أن لفظ الابن في لغتهم ليس مختصًا بالمسيح، بل عندهم أن الله ـ تعالى ـ قال في التوراة لإسرائيل: أنت ابني بكري، والمسيح كان يقول: أبي وأبوكم فيجعله أبا للجميع، ويسمي غيره ابنًا له، فعلم أنه لا اختصاص للمسيح بذلك، ولكن النصارى يقولون: هو ابنه بالطبع، وغيره ابنه بالوضع، فيفرقون فرقًا لا دليل عليه، ثم قولهم: هو ابنه بالطبع يلزم عليه من المحالات عقلًا وسمعًا ما يبين بطلانه .

فصل -( ما يستغفر منه )(1)

(1) - مجموع الفتاوى - (ج 11 / ص 691)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت