فهرس الكتاب

الصفحة 153 من 443

/والفرقة الحادية عشرة من المرجئة: أصحاب بِشْر المْريْسِيّ، يقولون: إن الإيمان هو التصديق؛ لأن الإيمان في اللغة هو التصديق، وما ليس بتصديق فليس بإيمان، ويزعم أن التصديق يكون بالقلب وباللسان جميعًا، وإلى هذا القول كان يذهب ابن الراوندي، وكان ابن الراوندي يزعم أن الكفر هو الجحد، والإنكار والستر والتغطية، وليس يجوز أن يكون الكفر إلا ما كان في اللغة كفرًا، ولا يجوز إيمان إلا ما كان في اللغة إيمانًا، وكان يزعم أن السجود للشمس ليس بكفر، ولا السجود لغير الله كفر، ولكنه علم على الكفر، لأن الله بين أنه لا يسجد للشمس إلا كافر .

قال: والفرقة الثانية عشرة من المرجئة: الكَرَّامِيَّة: أصحاب محمد بن كرام، يزعمون أن الإيمان هو الإقرار والتصديق باللسان دون القلب، وأنكروا أن تكون معرفة القلب، أو شيء غير التصديق باللسان إيمانًا .

فهذه الأقوال التي ذكرها الأشعري عن المرجئة يتضمن أكثرها أنه لابد في الإيمان من بعض أعمال القلوب عندهم وإنما نازع في ذلك فرقة يسيرة؛ كجهم والصالحي .

وقد ذكر ـ أيضًا ـ في [ المقالات ] جملة قول أصحاب الحديث وأهل السنة . قال:

جملة ما عليه أصحاب الحديث وأهل السنة: الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله، وما جاء من عند الله وما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يردون من ذلك شيئًا، وأن الله إله واحد فرد صمد، لم يتخذ صاحبة /ولا ولدًا،وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن الجنة حق والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأن الله على عرشه كما قال: { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } [ طه: 5 ] ، وأن له يدين بلا كيف، كما قال: { خَلَقْتُ بِيَدَيَّ } [ ص: 75 ] ، وكما قال: { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } [ المائدة: 64 ] ، وأن له عينين، كما قال: { تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا } [ القمر: 14 ] ، وأن له وجهًا، كما قال: { وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامٌِ } [ الرحمن: 27 ] ، وأن أسماء الله لا يقال: إنها غير الله، كما قالت المعتزلة والخوارج . إلى أن قال:

ويقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق والكلام في الوقف واللفظ بدعة، من قال بالوقف أو اللفظ فهو مبتدع عندهم، لا يقال: اللفظ بالقرآن مخلوق، ولا يقال: غير مخلوق . إلى أن قال:

ولا يكفرون أحدًا من أهل القبلة بذنب يرتكبه، كنحو الزنا والسرقة وما أشبه ذلك من الكبائر، وهم بما معهم من الإيمان مؤمنون وإن ارتكبوا الكبائر، والإيمان عندهم: هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالقدر خيره وشره حلوه ومره، وأن ما أخطأهم لم يكن ليصيبهم، وما أصابهم لم يكن ليخطئهم، والإسلام هو: أن تشهد أن لا إله إلا الله على ما جاء في الحديث،والإسلام عندهم غير الإيمان . إلى أن قال:

ويقرون بأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، ولا يقولون: مخلوق ولا غير مخلوق . وذكر كلامًا طويلًا ثم قال في آخره:

وبكل ما ذكرناه/ من قولهم نقول: وإليه نذهب .

فهذا قوله في هذا الكتاب وافق فيه أهل السنة وأصحاب الحديث بخلاف القول الذي نصره في الموجز .

والمقصود هنا أن عامة فرق الأمة تدخل ما هو من أعمال القلوب، حتى عامة فرق المرجئة تقول بذلك، وأما المعتزلة والخوارج وأهل السنة وأصحاب الحديث فقولهم في ذلك معروف، وإنما نازع في ذلك من اتبع جهم بن صفوان من المرجئة، وهذا القول شاذ، كما أن قول الكرامية ـ الذين يقولون: هو مجرد قول اللسان ـ شاذٌّ أيضًا .

وهذا ـ أيضًا ـ مما ينبغي الاعتناء به، فإن كثيرًا ممن تكلم في مسألة الإيمان: هل تدخل فيه الأعمال ؟ وهل هو قول وعمل ؟ يظن أن النزاع إنما هو في أعمال الجوارح، وأن المراد بالقول قول اللسان، وهذا غلط؛ بل القول المجرد عن اعتقاد الإيمان ليس إيمانًا باتفاق المسلمين، فليس مجرد التصديق بالباطن هو الإيمان عند عامة المسلمين إلا من شذ من أتباع جهم والصالحي، وفي قولهم من السفسطة العقلية والمخالفة في الأحكام الدينية أعظم مما في قول ابن كرام، إلا من شذ من أتباع ابن كرام، وكذلك تصديق القلب الذي ليس معه حب الله ولا تعظيم، بل فيه بغض وعداوة لله ورسله ليس إيمانًا باتفاق المسلمين .

وقول ابن كرام فيه مخالفة في الاسم دون الحكم، فإنه ـ وإن سمى المنافقين مؤمنين ـ يقول: إنهم مخلدون في النار، فيخالف الجماعة في الاسم دون الحكم، وأتباع جهم يخالفون في الاسم والحكم جميعًا .

سئل ـ رحمه الله : عن الإيمان بالله ورسوله : هل فوقه مقام من المقامات أو حال من الأحوال أم لا ؟ وهل يدخل فيه جميع المقامات والأحوال المحمودة عند الله ورسوله أم لا ؟(1)

وهل تكون صفة الإيمان نورًا يوقعه الله في قلب العبد، ويعرف العبد عند وقوعه في قلبه الحق من الباطل أم لا ؟ وهل يكون لأول حصوله سبب من الأسباب ـ مثل رؤية أهل الخير أو مجالستهم وصحبتهم أو تعلم عمل من الأعمال أو غير ذلك ؟

فإن كان لأول حصوله سبب، فما هو ذلك السبب ؟ وما الأسباب ـ أيضًا ـ التي يقوى بها الإيمان إلى أن يكمل، على ترتيبها ؟ هل يبدأ بالزهد حتى يصححه ؟ أم بالعلم حتى يرسخ فيه ؟ أم بالعبادة حتى يجهد نفسه، أم يجمع بين ذلك على حسب طاقته ؟ أم كيف يتوصل إلى حقيقة الإيمان الذي مدحه الله ورسوله ؟ بينوا لنا الأسباب وأنواعها وشرحها، التي يتوصل بها إلى حقيقة الإيمان، وما وصف صاحبه ـ رضى الله عنكم ؟

/فأجاب:

(1) - مجموع الفتاوى - (ج 7 / ص 641)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت