ولهذا كان جنس عذاب صاحبه أعظم من جنس عذاب صاحب الفحشاء، ومنشؤه من قوة الغضب، كما أن الفحشاء منشؤها عن قوة الشهوة، ولكل من النفوس لذة بحصول مطلوبها، فالفواحش والبغي مقرونان بالمنكر، وأما الإشراك والقول على اللّه بلا علم فإنه منكر / محض ليس في النفوس ميل إليهما؛ بل إنما يكونان عن عناد وظلم، فهما منكر وظلم محض بالفطرة .
فهذه الخصال فساد في القوة العلمية والعملية، فالصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر، ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر، سواء كان الضمير عائدًا إلى الشيطان، أو إلى من يتبع خطوات الشيطان، فإن من أتي الفحشاء والمنكر سواء، فإن كان الشيطان أمره فهو متبعه مطيعه عابد له، وإن كان الآتي هو الآمر فالأمر بالفعل أبلغ من فعله، فمن أمر بها غيره رضيها لنفسه .
ومن الفحشاء والمنكر استماع العبد مزامير الشيطان، والمغني هو مُؤَذِّنُه الذي يدعو إلى طاعته، فإن الغناء رُقْيةُ الزنا، وكذلك من اتباع خطوات الشيطان القول على اللّه بلا علم { قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } [ الأعراف: 28 ] ، وهذه حال أهل البدع والفجور، وكثير ممن يستحل مؤاخاة النساء والمردان وإحضارهم في سماع الغناء، ودعوي محبة صورهم لله، وغير ذلك مما فتن به كثير من الناس فصاروا ضالين مضلين .
ثم إنه ـ سبحانه ـ نهي المظلوم بالقذف أن يمنع ما ينبغي له فعله من الإحسان إلى ذوي قرابته، والمساكين، وأهل التوبة، وأمره بالعفو / والصفح؛ فإنهم كما يحبون أن يغفر اللّه لهم فليعفوا وليصفحوا وليغفروا، ولا ريب أن صلة الأرحام واجبة، وإيتاء المساكين واجب، وإعانة المهاجرين واجب، فلا يجوز ترك ما يجب من الإحسان للإنسان بمجرد ظلمه وإساءته في عرضه، كما لا يمنع الرجل ميراثه وحقه من الصدقات والفيء بمجرد ذنب من الذنوب، وقد يمنع من ذلك لبعض الذنوب .
وفي الآية دلالة على وجوب الصلة والنفقة وغيرها لذوي الأرحام ـ الذين لا يرثون بفرض ولا تعصيب ـ فإنه قد ثبت في الصحيح عن عائشة في قصة الإفك أن أبا بكر الصديق حلف ألا ينفق على مِسْطَح بن أثاثة، وكان أحد الخائضين في الإفك في شأن عائشة، وكانت أم مِسْطَح بنت خالة أبي بكر، وقد جعله اللّه من ذوي القربي الذين نهي عن ترك إيتائهم، والنهي يقتضي التحريم، فإذا لم يجز الحلف على ترك الفعل كان الفعل واجبًا؛ لأن الحلف على ترك الجائز جائز .
وأما قوله تعالى: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } الآية [ الأنفال: 2 ] فهذه الآية أثبت فيها الإيمان لهؤلاء، ونفاه عن غيرهم، كما نفاه النبي صلى الله عليه وسلم عمن نفاه عنه في الأحاديث مثل قوله: ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، فإياكم وإياكم ) وكذلك قوله: ( لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له ) ، ومن هذا / الباب قوله تعالى: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا } الآية [ الحجرات: 15 ] ، وقوله: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ على أَمْرٍ جَامِعٍ } الآية [ النور: 62 ] .
وهذه المواضع قد تنازع الناس في نفيها، والذي عليه جماهير السلف وأهل الحديث وغيرهم: أن نفي الإيمان لانتفاء بعض الواجبات فيه، والشارع دائمًا لا ينفي المسمي الشرعي إلا لانتفاء واجب فيه، وإذا قيل: المراد بذلك نفي الكمال فالكمال نوعان: واجب، ومستحب، فالمستحب؛ كقول بعض الفقهاء: الغسل ينقسم إلى كامل ومجزئ، أي: كامل المستحبات، وليس هذا الكمال هو المنفي في لفظ الشارع، بل المنفي هو الكمال الواجب وإلا فالشارع لم ينف الإيمان ولا الصلاة ولا الصيام ولا الطهارة، ولا نحو ذلك من المسميات الشرعية لانتفاء بعض مستحباتها؛ إذ لو كان كذلك لانتفي الإيمان عن جماهير المؤمنين، بل إنما نفاه لانتفاء الواجبات، كقوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ: ( لا صيام لمن لم يبيت النية ) ، و ( لا صلاة إلا بأم القرآن ) .
وقد رويت عنه ألفاظ تنازع الناس في ثبوتها عنه، مثل: قوله: ( لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل ) ، ( ولا صلاة إلا بوضوء، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه ) ، ( لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد ) ، من ثبتت عنده هذه الألفاظ فعليه أن يقول بموجبها، /فيوجب ما تضمنته من التبييت، وذكر اسم الله، وإجابة المؤذن، ونحو ذلك . ثم إذا ترك الإنسان بعض واجبات العبادة، هل يقال: بطلت كلها، فلا ثواب له عليها ؟ أم يقال: يثاب على ما فعله، ويعاقب على ما تركه ؟ وهل عليه إعادة ذلك ؟ هذا يكون بحسب الأدلة الشرعية، فمن الواجبات في العبادة ما لا تبطل العبادة بتركه ولا إعادة على تاركه، بل يجبر المتروك؛ كالواجبات في الحج التي ليست أركانًا، مثل: رمي الجمار، وأن يحرم من غير الميقات، ونحو ذلك .
وكذلك الصلاة عند الجمهور؛ كمالك وأحمد، وغيرهم، فيها واجب لا تبطل الصلاة بتركه عندهم، كما يقول أبو حنيفة في الفاتحة والطمأنينة . وكما يقول مالك وأحمد في التشهد الأول، لكن مالك وأحمد يقولان: ما تركه من هذا سهوًا فعليه أن يسجد للسهو، وأما إذا تركه عمدًا فتبطل صلاته، كما تبطل الصلاة بترك التشهد الأول عمدًا في المشهور من مذهبيهما، لكن أصحاب مالك يسمون هذا سنة مؤكدة، ومعناه معني الواجب عندهم .
(1) - مجموع الفتاوى - (ج 18 / ص 267)