فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 443

. { لاَّ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ الله وَرَسُولَهُ } الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو لكل من يصلح له أي: يحبون ويوالون من عادى الله ورسوله وشاقهما ، وجملة: { يُوَادُّونَ } في محل نصب على أنها المفعول الثاني لتجد إن كان متعدّيًا إلى مفعولين ، أو في محل نصب على الحال إن كان متعدّيًا إلى مفعول واحد ، أو صفة أخرى ل { قومًا } ، أي: جامعون بين الإيمان والموادّة لمن حادّ الله ورسوله { وَلَوْ كَانُواْ ءابَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إخوانهم أَوْ عَشِيرَتَهُمْ } أي: ولو كان المحادّون لله ورسوله آباء الموادّين ، إلخ ، فإن الإيمان يزجر عن ذلك ، ويمنع منه ، ورعايته أقوى من رعاية الأبوّة والبنوّة والأخوّة والعشيرة { أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ الإيمان } يعني: الذين لا يوادّون من حادّ الله ورسوله ، ومعنى { كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ الإيمان } : خلقه ، وقيل: أثبته ، وقيل: جعله ، وقيل: جمعه ، والمعاني متقاربة { وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مّنْهُ } قوّاهم بنصر منه على عدوّهم في الدنيا ، وسمى نصره لهم روحًا لأن به يحيا أمرهم ، وقيل: هو نور القلب .

وقال الربيع بن أنس: بالقرآن والحجة ، وقيل: بجبريل ، وقيل: بالإيمان ، وقيل: برحمة . قرأ الجمهور: { كتب } مبنيًا للفاعل ، ونصب الإيمان على المفعولية . وقرأ زرّ بن حبيش ، والمفضل عن عاصم على البناء للمفعول ، ورفع الإيمان على النيابة . وقرأ زرّ بن حبيش: ( عشيراتهم ) بالجمع ، ورويت هذه القراءة عن عاصم { وَيُدْخِلُهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا } على الأبد { رَّضِىَ الله عَنْهُمْ } أي: قبل أعمالهم ، وأفاض عليهم آثار رحمته العاجلة والآجلة { وَرَضُواْ عَنْهُ } أي: فرحوا بما أعطاهم عاجلًا وآجلًا { أُوْلَئِكَ حِزْبُ الله } أي: جنده الذين يمتثلون أوامره ، ويقاتلون أعداءه ، وينصرون أولياءه ، وفي إضافتهم إلى الله سبحانه تشريف لهم عظيم ، وتكريم فخيم { أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الله هُمُ المفلحون } أي: الفائزون بسعادة الدنيا والآخرة ، الكاملون في الفلاح الذين صار فلاحهم هو الفرد الكامل ، حتى كان فلاح غيرهم بالنسبة إلى فلاحهم كلا فلاح .

وقد أخرج أحمد ، والبزار ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والحاكم وصححه ، وابن مردويه ، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسًا في ظلّ حجرة من حجره ، وعنده نفر من المسلمين ، فقال: « إنه سيأتيكم إنسان ، فينظر إليكم بعين شيطان ، فإذا جاءكم ، فلا تكلموه » ، فلم يلبثوا أن طلع عليهم رجل أزرق ، فقال حين رآه: « علام تشتمني أنت وأصحابك » ؟ فقال: ذرني آتيك بهم ، فحلفوا ، واعتذروا ، فأنزل الله: { يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ الله جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ } الآية والتي بعدها . وأخرج ابن أبي حاتم ، والطبراني ، والحاكم ، وأبو نعيم في الحلية ، والبيهقي في سننه عن عبد الله بن شوذب قال: جعل والد أبي عبيدة بن الجرّاح يتقصد لأبي عبيدة يوم بدر ، وجعل أبو عبيدة يحيد عنه ، فلما أكثر قصده أبو عبيدة ، فقتله ، فنزلت: { لاَّ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بالله } الآية ..

وفي تفسير الطاهر بن عاشور(1):

{ لاَّ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الاخر يُوَآدُّونَ مَنْ } .

كان للمنافقين قرابة بكثير من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكان نفاقهم لا يخفى على بعضهم ، فحذر الله المؤمنين الخالصين من موادّة من يعادي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم

ورُويت ثمانية أقوال متفاوتة قوة أسانيد استقصاها القرطبي في نزول هذه الآية وليس يلزم أن يكون للآية سبب نزول فإن ظاهرها أنها متصلة المعنى بما قبلها وما بعدها من ذم المنافقين وموالاتهم اليهود ، فما ذكر فيها من قصص لسبب نزولها فإنما هو أمثلة لمقتضى حكمها .

وافتتاح الكلام ب { لا تجد قومًا } يثير تشويقًا إلى معرفة حال هؤلاء القوم وما سيساق في شأنهم من حكم .

والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم والمقصود منه أمره بإبلاغ المسلمين أن موادّة من يعلم أنه محادّ الله ورسوله هي مما ينافي الإِيمان ليكف عنها من عسى أن يكون متلبسًا بها . فالكلام من قبل الكناية عن السعي في نفي وجدان قوم هذه صفتهم ، من قبيل قولهم: لا أَرَيَنَّك هاهنا ، أي لا تحضر هنا .

ومنه قوله تعالى: { قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض } [ يونس: 18 ] أراد بما لا يكون ، لأن ما لا يعلمه الله لا يجوز أن يكون موجودًا ، وكانت هذه عادة المؤمنين قبل الهجرة أيام كانوا بمكة . وقد نقلت أخبار من شواهد ذلك متفاوتة القوة ولكن كان الكفر أيامئذٍ مكشوفًا والعداوة بين المؤمنين والمشركين واضحة . فلما انتقل المسلمون إلى المدينة كان الكفر مستورًا في المنافقين فكان التحرز من موادّتهم أجدر وأحذر .

والمُوادّة أصلها: حصول المودّة في جانبين . والنهي هنا إنما هو عن مودة المؤمن الكافرين لا عن مقابلة الكافر المؤمنين بالمودّة ، وإنما جيء بصيغة المفاعلة هنا اعتبارًا بأن شأن الودّ أن يجلب وُدًّا من المودود للوادّ .

(1) - التحرير والتنوير - (ج 14 / ص 473)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت