/قلنا: الذي يفضل إيمانه على إيمان من عداه باستمرار تصديقه وعصمة اللّه إياه من مُخَامَرَة الشُّكُوك واخْتِلاج الرَّيَب . والتصديق عَرَض من الأعراض لا يبقى وهو متوال للنبي صلى الله عليه وسلم ثابت لغيره في بعض الأوقات، وزائل عنه في أوقات الفترات، فيثبت للنبي صلى الله عليه وسلم أعداد من التصديق، ولا يثبت لغيره إلا بعضها، فيكون إيمانه لذلك أكثر وأفضل، قال: ولو وصف الإيمان بالزيادة والنقصان، وأريد به ذلك، كان مستقيمًا .
قلت: فهذا هو الذي يفضل به النبي غيره في الإيمان عندهم، ومعلوم أن هذا في غاية الفساد من وجوه كثيرة، كما قد بسط في مواضع أخرى .
ومما يدل من القرآن على أن الإيمان المطلق مستلزم للأعمال قوله تعالى: { إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ } [ السجدة: 15 ] ، فنفى الإيمان عن غير هؤلاء، فمن كان إذا ذكر بالقرآن لا يفعل ما فرضه اللّه عليه من السجود لم يكن من المؤمنين، وسجود الصلوات الخمس فرض باتفاق المسلمين، وأما سجود التلاوة ففيه نزاع، وقد يحتج بهذه الآية من يوجبه، لكن ليس هذا موضع بسط هذه المسألة، فهذه الآية مثل قوله: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ } [ الحجرات: 15 ] ، وقوله: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } [ الأنفال: 2 ] ، وقوله {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ } [ النور: 62 ] ،ومن ذلك قوله تعالى: { عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ } [ التوبة: 43: 45 ] .
وهذه الآية مثل قوله { لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } [ المجادلة: 22 ] ، وقوله: { وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء } [ المائدة: 81 ] ، بين ـ سبحانه ـ أن الإيمان له لوازم وله أضداد موجودة تستلزم ثبوت لوازمه وانتفاء أضداده ومن أضداده موادة من حاد اللّه ورسوله، ومن أضداده استئذانه في ترك الجهاد، ثم صرح بأن استئذانه إنما يصدر من الذين لا يؤمنون باللّه واليوم الآخر، ودل قوله: { وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ } [ التوبة: 44 ] على أن المتقين هم المؤمنون .
ومن هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم: ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ) وقوله: ( لا يؤمن من لا يأمن جاره بَوَائِقَه ) وقوله: ( لا تؤمنوا حتى تحابوا ) وقوله: ( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين ) وقوله: ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه من الخير ما يحب لنفسه ) وقوله: ( من غَشَّنَا فليس مِنَّا ومن حَمَل علينا السِّلاحَ فليس منا ) .
فَصْل -وأما إذا قُيِّدَ الإيمان، فقرن بالإسلام أو بالعمل الصالح، فإنه قد يراد به ما في القلب من الإيمان باتفاق الناس0 (2)
وهل يراد به ـ أيضًا ـ المعطوف عليه، ويكون من باب عطف الخاص على العام، أو لا يكون حين الاقتران داخلًا في مسماه ؟ بل يكون لازمًا له، على مذهب أهل السنة، أو لا يكون بعضًا ولا لازمًا، هذا فيه ثلاثة أقوال للناس، كما سيأتي إن شاء اللّه، وهذا موجود في عامة الأسماء يتنوع مسماها بالإطلاق والتقييد، مثال ذلك اسم المعروف والمنكر إذا أطلق كما في قوله تعالى: { يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ } [ الأعراف: 157 ] ، وقوله: { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ } [ آل عمران: 110 ] ، وقوله: { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ } [ التوبة: 71 ] ، يدخل في المعروف كل خير، وفي المنكر كل شر .
ثم قد يقرن بما هو أخص منه كقوله: { لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ } [ النساء: 114 ] ،فغاير بين المعروف وبين الصدقة والإصلاح بين الناس ـ كما غاير بين اسم الإيمان والعمل، واسم الإيمان والإسلام ـ وكذلك قوله تعالى: { إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء } [ العنكبوت: 45 ] ، غاير/ بينهما وقد دخلت الفحشاء في المنكر في قوله: { وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ } ثم ذكر مع المنكر اثنين في قوله: { إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ } [ النحل: 90 ] ، جعل البغي هنا مغايرًا لهما، وقد دخل في المنكر في ذينك الموضعين .
(1) - مجموع الفتاوى - (ج 7 / ص 160)
(2) - مجموع الفتاوى - (ج 7 / ص 162)