فهرس الكتاب

الصفحة 273 من 443

واعترض علينا بعض الأشعرية بأن قال: إن الله تعالى يقول:(إنك لا تهتدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء)فصح أن محبته عليه السلام لمن أحب ليس فضلا؛ لأنه قد أحب عمه وهو كافر.(1)

قال أبو محمد: فقلنا: إن هذه الآية ليست على ما ظن، وإنما مراد الله تعالى: (إنك لا تهتدي من أحببت) أي أحببت هداه.

برهان ذلك: قوله تعالى: (ولكن الله يهدي من يشاء) أي من يشاء هداه، وفرض على النبي صلى الله عليه وسلم وعلينا أن نحب الهدى لكل كافر، لا أن نحب الكافر.

وأيضا فلو صح أن معنى الآية (من أحببت) كما ظن هذا المعترض لما كان علينا بذلك حجة؛ لأن هذه آية مكية نزلت في أبي طالب، ثم أنزل الله تعالى في المدينة: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم) ، وأنزل الله تعالى في المدينة: (لقد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله، كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده) وإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب أبا طالب فقد حرم الله تعالى عليه بعد ذلك، ونهاه عن محبته، وافترض عليه عداوته، وبالضرورة يدري كل ذي حس سليم أن العداوة والمحبة لا يجتمعان أصلا، والمودة: هي المحبة في اللغة التي بها نزل القرآن بلا خلاف من أحد من أهل اللغة، فقد بطل أن يحب النبي صلى الله عليه وسلم أحدا غير مؤمن، ومن قد صحت النصوص والإجماع على أن محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن أحب فضيلة، وذلك كقوله عليه السلام لعلي: (لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله) .

فإذ لا شك ولا خلاف في أن محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلاف ما قال أهل الجهل والكذب؛ فقد صح يقينا أن كل من كان أتم حظا في الفضيلة فهو أفضل ممن هو أقل حظا في تلك الفضيلة، هذا شيء يعلم ضرورة، فإذا كانت عائشة أتم حظا في المحبة التي هي أتم فضيلة فهي أفضل ممن حظه في ذلك أقل من حظها، ولذلك لما قيل له عليه السلام: من الرجال، قال: (أبوها) ثم عمر، فكان ذلك موجبا لفضل أبي بكر، ثم عمر على سائر الصحابة رضي الله عنهم، فالحكم بالباطل لا يجوز في أن يكون يقدم أبو بكر ثم عمر في الفضل من أجل تقدمها في المحبة عليهما، وما نعلم نصا في وجوب القول بتقديم أبي بكر ثم عمر على سائر الصحابة، إلا هذا الخبر وحده.

قال أبو محمد: وقد نص النبي صلى الله عليه وسلم على ما ينكح له من النساء، فذكر الحسب والمال والجمال والدين، ونهى صلى الله عليه وسلم عن كل ذلك بقوله: (فعليك بذات الدين تربت يداك) فمن المحال الممتنع أن يكون يحض على نكاح النساء واختيارهن للدين فقط، ثم يكون هو عليه السلام يخالف ذلك فيحب عائشة لغير الدين.

وكذلك قوله عليه السلام: (فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام) لا يحل لمسلم أن يظن في ذلك شيئا غير الفضل عند الله تعالى في الدين، فوصف الرجل امرأته للرجال لا يرضى به إلا خسيس نذل ساقط، ولا (الجزء/الصفحة:4/100) يحل لمن له أدنى مسكة من عقل أن يمر هذا في باله عن فاضل من الناس، فكيف عن المقدس المطهر البائن فضله على جميع الناس صلى الله عليه وسلم.

قال أبو محمد: ولولا أنه بلغنا عن بعض من تصدر لنشر العلم من زماننا؛ وهو المهلب بن أبي صفرة التميمي صاحب عبد الله بن إبراهيم الأصيل، أنه أشار إلى هذا المعنى القبيح، وصرح به؛ ما انطلق لنا بالإيماء إليه لسان، ولكن المنكر إذا ظهر وجب على المسلمين تغييره، فرضا على حسب طاقتهم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

قال أبو محمد: وكذلك عرض الملك لها رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ولادتها في سرقة من حرير، يقول له: هذه زوجتك، فيقول عليه السلام: (إن يكن من عند الله يمضيه) فهل بعد هذا في الفضل غاية.

وفي هداية الحيارى: الفصل الرابع: نصوص الكتب المتقدمة في البشارة به وصفته ونعت أمته. (2)

(1) -الفصل في الملل والأهواء والنحل - (ج 1 / ص 477)

(2) - هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى - (ج 1 / ص 48)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت