فهرس الكتاب

الصفحة 232 من 443

وأما حكايته عنهم أنهم قالوا: { إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ } [ المائدة: 73 ] ، فالمفسرون يقولون: الله والمسيح وأمه، كما قال: { يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ } [ المائدة: 116 ] ، ولهذا قال في سياق الكلام: { مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ } [ المائدة: 75 ] أي غاية المسيح: الرسالة، وغاية أمه: الصديقية، لا يبلغان إلى اللاهوتية، فهذا حجة هذا، وهو ظاهر .

ومن الناس من يزعم أن المراد بذلك الأقانيم الثلاثة، وهي الآب والابن وروح القدس، وهذا فيه نظر .

فأما قوله: { وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إني يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عليمٌ } [ الأنعام: 100، 101 ] فإن قوله: { بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ } أي مبدعهما، كما ذكر مثل ذلك في البقرة، وليس المراد أنهما بديعة سمواته وأرضه، كما تحتمله العربية لولا السياق؛ لأن المقصود نفى ما زعموه من خرق البنين والبنات له، ومن كونه اتخذ ولدًا . / وهذا ينتفي بضده كونه أبدع السموات، ثم قال: { إني يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ } وذكر ثلاثة أدلة على نفي ذلك:

أحدها: كونه ليس له صاحبة، فهذا نفي الولادة المعهودة: وقوله: { وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ } نفى للولادة العقلية، وهي التولد؛ لأن خلق كل شيء ينافى تولدها عنه . وقوله: { وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عليمٌ } يشبه ـ والله أعلم ـ أن يكونَ لِمَا ادَّعَت النَّصَارَى أن المتحد به هو الكلمة التي يفسرونها بالعلم، والصابئة القائلون بالتولد والعلة، لا يجعلونه عالما بكل شيء ـ ذكر أنه بكل شيء عليم، لإثبات هذه الصفة له، ردًا على الصابئة، ونفيها عن غيره ردًا على النصارى .

وإذا كان كذلك فقول من قال بتولد العقول والنفوس ـ التي يزعمون أنها الملائكة ـ أظهر في كونهم يقولون: إنه ولد الملائكة، وإنهم بنوه وبناته فالعقول بنوه، والنفوس بناته من قول النصارى .

ودخل في هذا من تفلسف من المنتسبة إلى الإسلام، حتى إني أعرف كبيرًا لهم سئل عن العقل والنفس فقال: بمنزلة الذكر والأنثى، فقد جعلهم كالابن والبنت، وهم يجعلونهم متولدين عنه تولد المعلول عن العلة، فلا يمكنه أن يفك ذاته عن معلوله ولا معلوله عنه، كما لا يمكنه أن يفصل نفسه عن نفسه، بمنزلة شعاع الشمس مع الشمس وأبلغ .

/ وهؤلاء يقولون: إن هذه الأرواح التي ولدها متصلة بالأفلاك ـ الشمس والقمر والكواكب ـ كاتصال اللاهوت بجسد المسيح، فيعبدونها كما عبدت النصارى المسيح، إلا أنهم أكفر من وجوه كثيرة، وهم أحق بالشرك من النصارى، فإنهم يعبدون ما يعلمون أنه منفصل عن الله وليس هو إياه، ولا صفة من صفاته، والنصارى يزعمون أنهم ما يعبدون إلا ما اتحد بالله، لا لما ولده من المعلولات .

ثم من عَبَدَ الملائكة والكواكب وأرواح البشر وأجسادهم، اتخذ الأصنام على صورهم وطبائعهم، فكان ذلك أعظم أسباب عبادة الأصنام .

ولهذا كان الخليل إمام الحنفاء مخاطبًا لهؤلاء الذين عبدوا الكواكب والشمس والقمر، والذين عبدوا الأصنام مع إشراكهم واعترافهم بأصل الجميع .

وقد ذكر الله قصتهم في القرآن في غير موضع، وأولئك هم الصابئون المشركون الذين ملكهم نمروذ . وعلماؤهم الفلاسفة من اليونانيين وغيرهم، الذين كانوا بأرض الشام والجزيرة والعراق وغيرها، وجزائر البحر قبل النصارى، وكانوا بهذه البلاد في أيام بني إسرائيل، وهم الذين كانوا يقاتلون بني إسرائيل، فيغلبون تارة ويُغلبون تارة، وسنحاريب وبختنصر ونحوهما: هم ملوك الصابئة بعد الخليل، والنمروذ الذي كان في زمانه .

/ فتبين بذلك ما في القرآن من الرد لمقالات المتقدمين قبل هذه الأمة والكفار والمنافقين فيها، من إثبات الولادة لله، وإن كان كثير من الناس لا يفهم دلالة القرآن على هذه المقالات؛ لأن ذلك يحتاج إلى شيئين: إلى تصور مقالتهم بالمعنى لا بمجرد اللفظ، وإلى تصور معنى القرآن، والجمع بينهما . فتجد المعنى الذي عنوه قد دل القرآن على ذكره وإبطاله .

وأما اتحاد الولد فيفسر بعين الولادة . وهو من باب الأفعال، لا من باب الصفات، كما يقوله طائفة من النصارى في المسيح .

فصل -) الصحابة أعلم من جاء بعدهم )(1)

(1) - مجموع الفتاوى - (ج 4 / ص 9)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت