فهرس الكتاب

الصفحة 218 من 443

/فأئمة الدين هم على منهاج الصحابة ـ رضوان الله عليهم أجمعين ـ والصحابة كانوا مؤتلفين متفقين، وإن تنازعوا في بعض فروع الشريعة في الطهارة أو الصلاة أو الحج أو الطلاق أو الفرائض أو غير ذلك فإجماعهم حجة قاطعة .

ومن تعصب لواحد بعينه من الأئمة دون الباقين، فهو بمنزلة من تعصب لواحد بعينه من الصحابة دون الباقين، كالرافضي الذي يتعصب لعلي دون الخلفاء الثلاثة وجمهور الصحابة . وكالخارجي الذي يقدح في عثمان وعلي ـ رضي الله عنهما . فهذه طرق أهل البدع والأهواء الذين ثبت ـ بالكتاب والسنة والإجماع ـ أنهم مذمومون، خارجون عن الشريعة والمنهاج الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم . فمن تعصب لواحد من الأئمة بعينه، ففيه شبه من هؤلاء، سواء تعصب لمالك أو الشافعي أو أبي حنيفة أو أحمد أو غيرهم .

ثم غاية المتعصب لواحد منهم، أن يكون جاهلا بقدره في العلم والدين، وبقدر الآخرين، فيكون جاهلا ظالمًا، و الله يأمر بالعلم والعدل، وينهي عن الجهل والظلم . قال تعالي: { وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا } إلى آخر السورة [ الأحزاب: 72، 73 ] .

وهذا أبو يوسف ومحمد، أتبع الناس لأبي حنيفة وأعلمهم بقوله،/وهما قد خالفاه في مسائل لا تكاد تحصى، لما تبين لهما من السنة والحجة ما وجب عليهما اتباعه، وهما ـ مع ذلك ـ معظمان لإمامهما . لا يقال فيهما مذبذبان، بل أبو حنيفة وغيره من الأئمة يقول القول ثم تتبين له الحجة في خلافه فيقول بها، ولا يقال له مذبذب . فإن الإنسان لايزال يطلب العلم والإيمان . فإذا تبين له من العلم ما كان خافيًا عليه، اتبعه . وليس هذا مذبذبا، بل هذا مهتد زاده الله هدي . وقد قال تعالي: { وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا } [ طه: 114 ] .

فالواجب على كل مؤمن موالاة المؤمنين، وعلماء المؤمنين، وأن يقصد الحق ويتبعه حيث وجده، ويعلم أن من اجتهد منهم فأصاب فله أجران، ومن اجتهد منهم فأخطأ، فله أجر لاجتهاده، وخطؤه مغفور له . وعلي المؤمنين أن يتبعوا إمامهم إذا فعل ما يسوغ . فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إنما جعل الإمام ليؤتم به ) وسواء رفع يديه أو لم يرفع يديه، لا يقدح ذلك في صلاتهم، ولا يبطلها، لا عند أبي حنيفة ولا الشافعي ولا مالك ولا أحمد . ولو رفع الإمام دون المأموم، أو المأموم دون الإمام، لم يقدح ذلك في صلاة واحد منهما . ولو رفع الرجل في بعض الأوقات دون بعض لم يقدح ذلك في صلاته . وليس لأحد أن يتخذ قول بعض العلماء شعارا يوجب اتباعه، وينهي عن غيره مما جاءت به السنة، بل كل ما جاءت به السنة فهو واسع مثل الأذان والإقامة . فقد / ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بلالا أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة . وثبت عنه في الصحيحين: أنه علم أبا محذورة الإقامة شفعًا شفعًا، كالأذان . فمن شفع الإقامة فقد أحسن ومن أفردها، فقد أحسن . ومن أوجب هذا دون هذا، فهو مخطئ ضال . ومن والي من يفعل هذا دون هذا ـ بمجرد ذلك ـ فهو مخطئ ضال .

وبلاد الشرق من أسباب تسليط الله التتر عليها كثرة التفرق والفتن بينهم في المذاهب وغيرها، حتى تجد المنتسب إلى الشافعي يتعصب لمذهبه على مذهب أبي حنيفة حتى يخرج عن الدين . والمنتسب إلى أبي حنيفة يتعصب لمذهبه على مذهب الشافعي وغيره حتى يخرج عن الدين . والمنتسب إلى أحمد يتعصب لمذهبه على مذهب هذا أو هذا . وفي المغرب تجد المنتسب إلى مالك يتعصب لمذهبه على هذا أو هذا . وكل هذا من التفرق والاختلاف الذي نهي الله ورسوله عنه .

وكل هؤلاء المتعصبين بالباطل، المتبعين الظن، وما تهوي الأنفس، المتبعين لأهوائهم بغير هدي من الله، مستحقون للذم والعقاب . وهذا باب واسع لا تحتمل هذه الفتيا لبسطه . فإن الاعتصام بالجماعة والائتلاف من أصول الدين، والفرع المتنازع فيه من الفروع الخفية، فكيف يقدح في الأصل بحفظ الفرع . وجمهور المتعصبين لا يعرفون من الكتاب/والسنة إلا ما شاء الله، بل يتمسكون بأحاديث ضعيفة، أو آراء فاسدة أو حكايات عن بعض العلماء والشيوخ قد تكون صدقًا، وقد تكون كذبا . وإن كانت صدقًا، فليس صاحبها معصومًا يتمسكون بنقل غير مصدق، عن قائل غير معصوم، ويدعون النقل المصدق عن القائل المعصوم وهو ما نقله الثقات الأثبات من أهل العلم ودونوه في الكتب الصحاح، عن النبي صلى الله عليه وسلم .

فإن الناقلين لذلك، مصدقون باتفاق أئمة الدين، والمنقول عنه معصوم لا ينطق عن الهوي، إن هو إلا وحي يوحي، قد أوجب الله ـ تعالي ـ على جميع الخلق طاعته واتباعه . قال تعالي: { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا } [ النساء: 65 ] ، وقال تعالي: { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [ النور: 63 ] .

و الله ـ تعالي ـ يوفقنا ـ وسائر إخواننا المؤمنين ـ لما يحبه ويرضاه من القول والعمل، والهدي والنية . و الله أعلم . والحمد للَّه وحده .

(1) - مجموع الفتاوى - (ج 28 / ص 190)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت