قلت: نظير هذه الآية من المحذوف: { أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا } [ فاطر: 8 ] ، كمن ليس كذلك، وقد قال بعد هذا: { وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ } ، وهذا هو القسم الآخر المعادل لهذا الذي هو على بينة من ربه، وعلى هذا يكون معناها أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم، ويكون ـ أيضًا ـ معناها: { أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ } أي: بصيرة في دينه، كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها، وهذا كقوله: { أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ } الآية [ الأنعام: 122 ] . وكقوله: { أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ } [ محمد: 14 ] وقوله: { أَفَمَن يَهْدِي إلى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّي } الآية [ يونس: 35 ] .
والمحذوف في مثل هذا النظم قد يكون غير ذلك، كقوله: { أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ } [ الزخرف: 18 ] أي: تجعلون له من ينشأ في الحلية، ولابد من دليل على المحذوف، وقد يكون المحذوف مثل أن يقال: أفمن هذه حاله يذم أو يطعن عليه أو يعرض عن متابعته، أو يفتن أو يعذب، كما قال: { أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء } [ فاطر: 8 ] .
وقد قيل في هذه الآية: أن المحذوف: { أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ } فرأى الباطل حقًا، والقبيح حسنًا، كمن هداه الله فرأي الحق حقًا والباطل باطلًا والقبيح قبيحًا والحسن حسنًا، وقيل: جوابه تحت قوله: { فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عليهِمْ حَسَرَاتٍ } [ فاطر: 8 ] ، لكن يرد عليه أن يقال: الاستفهام ما معناه إلا أن تقدر . أي: هذا تقدر أن تهديه، أو ربك ؟ أو تقدر أن تجزيه كما قال: { أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عليه وَكِيلًا } [ الفرقان: 43 ] . ولهذا قال: { فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء } [ فاطر: 8 ] . وكما قال: { أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ على عِلْمٍ } الآية [ الجاثية: 23 ] . وعلى هذا يكون معناها كمعنى قوله: { أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ } [ محمد: 14 ] .
وعلى هذا، فالمعنى هنا: { أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى } يذم ويخالف ويكذب ونحو ذلك، كقوله: { قُلْ إِنِّي على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ } [ الأنعام: 57 ] ، وحذف جواب / الشرط، وكقوله: { أَرَأَيْتَ إِن كَانَ على الْهُدَى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى } [ العلق: 11 ـ 13 ] .
فقد تبين أن معنى الآية من أشرف المعاني وهذا هو الذي ينتفع به كل أحد، وأن الآية ذكرت من كان على بينة من ربه، من الإيمان الذي شهد له القرآن، فصار على نور من ربه وبرهان من ربه على مادلت عليه البراهين العقلية والسمعية، كما قال: { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا } [ النساء: 174 ] ، فالنور المبين المنزل يتناول القرآن . قال قتادة: بينة من ربكم، وقال الثَّوْرِي: هو النبي صلي الله عليه وسلم، وقال البغوي: هذا قول المفسرين ولم أجده منقولًا عن غير الثاني، ولا ذكره ابن الجوزي عن غيره .
وذكر في البرهان ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الحجة . والثاني: أنه الرسول . وذكر أنه القرآن عن قتادة . والذي رواه ابن أبي حاتم عن قتادة بالإسناد الثابت أنه بينة من الله، والبينة والحجة تتناول آيات الأنبياء التي بعثوا بها، فكل ما دل على نبوة محمد صلي الله عليه وسلم فهو برهان . قال تعالي: { فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ } [ القصص: 32 ] ، وقال لمن قال: لا يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصاري، قل: هاتوا برهانكم .
ومحمد هو الصادق المصدوق، قد أقام الله على صدقه براهين كثيرة /وصار محمد نفسه برهانًا . فأقام من البراهين على صدقه؛ فدليل الدليل دليل، وبرهان البرهان برهان، وكل آية له برهان، والبرهان اسم جنس لا يراد به واحد،كما في قوله: { قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } [ البقرة: 111، والنمل: 46 ] ، ولو جاؤوا بعده ببراهين كانوا ممتثلين .
والمقصود أن ذلك البرهان يعلم بالعقل أنه دال على صدقه، وهو بينة من الله، كما قال قتادة، وحجة من الله، كما قال مجاهد والسُّدي: المؤمن على تلك البينة، ويتلوه شاهد من الله وهو النور الذي أنزله مع البرهان . والله أعلم .
(1) - مجموع الفتاوى - (ج 17 / ص 272)