فهرس الكتاب

الصفحة 312 من 443

فأباح الله -تعالى- التعامل مع الطائفة الأولى بالبر والقسط وهو العدل، ومن ذلك الإحسان إليهم بالهدية ونحوها، ورحمتهم مما هم فيه من الكفر ومحاولة استمالة قلوبهم لإخراجهم مما هم فيه من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان.

كما حرم -تعالى- تولي الطائفة الثانية وجعل ذلك من الظلم"ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون" [الممتحنة:9] وفي الآية الأخرى"ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين" [المائدة:51] .

وحدد التعامل معهم بحسب حال المسلمين قوة وضعفًا، إما بـ"واهجرهم هجرًا جميلًا" [المزمل:10] و"ودع أذاهم" [الأحزاب:48] ، وإما"وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا..." [البقرة:190] أو بـ"وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة" [التوبة:36] وقوله:"وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله" [الأنفال:39] وقوله:"قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ" [التوبة:29] .

وعلى ضوء هذه القواعد الأساسية والنصوص المحكمة تفهم وتفسر النصوص الأخر؛ لأن من علامة الراسخين في العلم رد المتشابه إلى المحكم والإيمان بهما جميعًا؛ لأنها كلها من عند الله، وما كان من عند الله فهو الحق، وليس في الحق اختلاف أو تعارض أو تناقض، وإن بدر أحيانًا فهو بسبب نظر الناظر، وليس في كتاب الله -تعالى- ولا في كلام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اختلاف أو تناقض.

وعليه فما ذكره الأخ السائل من أن البر والإحسان والمعاملة الحسنة توجب محبة الكفار... فهذا ليس على إطلاقه، نعم هو من مقتضيات محبة إيمانهم ودخولهم في دين الله الحق، وهذا مطلب شرعي، وليس موجبًا لمحبة أشخاصهم وذواتهم فضلًا عما هم عليه من الكفر والضلال.

وكذلك حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-:"وتهادوا تحابوا"مالك (1731) فيفهم على ضوء ما تقدم، وإن كان ظاهره الخطاب للمؤمنين، ونحوه"ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم"مسلم (54) وهذا أيضًا خاص بالمؤمنين.

وكذلك ما أشار إليه الأخ السائل من المودة والرحمة بين الزوجين، وقد تكون الزوجة كتابية، فهذا يفهم أيضًا على ضوء ما تقدم، علمًا بأن الأصل في التزاوج مع اختلاف الدين هو المنع قال -تعالى-:"ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنّولا تُنْكِحُوا المشركين حتى يؤمنوا..." [البقرة:221] وقوله -تعالى-:"لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن" [الممتحنة:10] و"...لا تمسكوا بعصم الكوافر"إلا أن الشارع قد استثنى من هذا العموم جواز نكاح المسلم للكتابية المحصنة في قوله -تعالى-:"الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ..." [المائدة:5] .

ولعل من الحكم البالغة في ذلك -والله تعالى أعلم- أن المرأة بطبيعتها تغلب عليها العاطفة فإذا غمرها الزوج المسلم ببره وإحسانه ورحمته لها فحري بها أن ينقذها الله -تعالى- على يديه بسبب هذه العاطفة الجياشة وبسبب هذا التعامل الحسن إلى الدخول في دين الله الحق، بخلاف الكتابي فلا يجوز له أن ينكح المسلمة؛ لقوة تأثير الرجل وغلبته على المرأة، فقد يخرجها من دينها الحق.

وبهذه المناسبة نذكر قصة ذلك النصراني الذي ناظر أحد المسلمين وادعى تعصب المسلمين بإباحتهم للمسلم أن ينكح النصرانية دون النصراني، فلا يجوز له أن ينكح المسلمة، فأجابه المسلم بقوله: لا تعصب في ذلك، فالمسلم جاز له أن ينكح النصرانية؛ لأنه يؤمن بنبيها الذي تؤمن به، ولا يجوز للنصراني أن ينكح المسلمة؛ لأنه لا يؤمن بنبيها الذي تؤمن به"."

وعلى كل فلا يجوز معارضة النصوص المحكمة القطعية السابقة بمثل فهمنا لبعض النصوص المجملة التي ليست نصًا في المسألة، والمنهج الحق هو رد هذه النصوص إلى تلك المحكمات وفهمها على ضوئها.

وفق الله الجميع للفقه في دينه والعمل بسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن دعى بدعوته إلى يوم الدين.

أما بعد: فإني أبعث بهذه الرسالة إلى كافة إخواتنا المسلمين في"السنغال"حفظنا الله وإياهم بالإسلام ، ومن علينا وعليهم بالتمسك بسنة سيد إلأنام . والباعث لهذه الرسالة هو التذكير بنعم الله ، كما قال الله تعالى: (واذكروا بنعمة الله . عليكم إذ مكنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منه ) (1) وهذه الرابطة الدينية أقوى الروابط وأعمقها ، وكل رابطة بالنسبة لها كلا شيءء ، والإسلام هو العروة الوثقى التي لا انفصام لها فيه اهتدى المهتدون ، وإليه دعا إلأنبياء المرسلون (إن الذين عند الله . الإسلام) (2) ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل نه وهو في الآخرة من الخاسرين) (3)

(1) - فتاوى ورسائل محمد بن إبراهيم آل الشيخ - (ج 12 / ص 283)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت