إن المهم في قضية"البراءة"أن لا تحب غير المسلمين لعقيدتهم أو دينهم فتلك هي الباقرة التي تقوم على ركن البراءة بالنقض، فمعنى ذلك تقديم غير دين الإسلام عليه، وذلك لا يحصل من مسلم رضي بهذا الدين واعتنقه وأحبه،"لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون"، القضية في هذه الآية لهؤلاء المحاربين الذين يحادون الله ورسوله ويحاربون أولياءه، وهذا ما صرح به الطبري وابن عطية وغيرهم.
وكل الآيات التي جاءت تحرم موالاة غير المؤمنين فالمقصود بها المحاربون، كقوله تعالى:
"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي.."الآية، فنهى سبحانه عن موالاتهم ما داموا محاربين أو إفشاء الأسرار الحربية لهم، لأنه في نفس السورة قال:"لا ينهاكم.."الآية.
إن"الكره"إذًا هو كره الكافر وعقيدته وكره ظلمه وعدوانه والبراء من قادة الحروب والدماء والعدوان على الناس والأبرياء من المسلمين، والبراء من كل ممارسة ظالمة جائرة تزيد الظالم قوة والضعيف البريء ضعفًا، فالإسلام جاء لينصر المظلوم ويأخذ على يد الظالم.
أما الولاء النسبي -إن صحت العبارة- كحب كافر لشخصه أو قرابته أو حسن معاملته أو صداقته فلا بأس به، وذلك نوع من الولاء الفطري الذي أباحه الإسلام ولم يقف ضده أو يحرمه، فالإسلام أمر بصحبة الأبوين المشركين بالمعروف، وأباح الزواج من الكتابيات مع أن الله قال عن العلاقة الزوجية:"وجعل بينكم مودة ورحمة"، والمودة هي الحب، وسيتبادل الزوجان معاني الحب والرحمة، بل قال الله عن نبيه صلى الله عليه وسلم:"إنك لا تهدي من أحببت"يعني: أبا طالب، فالنبي صلى الله عليه وسلم يحب أبا طالب، ولم يكن هذا الحب محرمًا أو ناقضًا لمعنى الولاء الإسلامي الذي جاء به الإسلام وأرساه ليدل ذلك على مستوى رعاية الإسلام للمعاني النظرية عند المسلم وترسيخها.
ذكر البخاري في الأدب المفرد بإسناد صحيح عن ابن عباس أنه قال: لو قال لي فرعون: بارك الله فيك، لقلت: وفيك. لأن الخلق الإسلامي يحث على رد التحية بالمثل وجزاء الإحسان بالإحسان.
يقول الله عن المؤمنين:"ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم.."الآية، فأثبت أن المؤمنين يحبونهم، وعاتب المؤمنين؛ لأنهم يعطون الحب أحدًا لا يبادلهم هذا المعنى، ويتسامحون ويرحمون من يسومهم خطط الخسف والجور، ولم يكن الحب المتبادل مجالًا محرمًا في الإسلام، فالعلاقات الفطرية المبنية على المسالمة والمسامحة والإخاء جاء الإسلام ليرسخها، ويستفيد منها لبث الدعوة والقدوة، لا ليقطعها وينافر أهلها العداء، أما قصة إبراهيم عليه السلام فيقول الله تعالى:"قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير"، فالآية واضحة في تبادل العداء"وبدا بيننا وبينكم العداوة"، ولم يأت إبراهيم عليه السلام إلى المشركين ابتداء ليبادلهم هذا العداء، بل جاء ليدعوهم إلى الإسلام والإخلاص، ولكن لما ناصبوه العداء والبغضاء كان واجبًا طبيعيًا أن يبادلهم ذلك حفاظًا على العقيدة التي يحملها من الانحسار والذوبان،"وما كان استغفار إبراهيم لأبيه.."الآية، فلم يتبرأ إبراهيم من أبيه إلا بعد أن أشهر أبوه العداوة لهذا الدين، فخالف أصل العلاقة الطبيعية بين البشر التي حث عليها الإسلام المبنية على الرحمة:"وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين".
إن الأخلاق العفوية الفطرية معنى جاء الإسلام ليكمله ويرسخه ليجمع المسلم بين ولائه الطبيعي لقومه وذاته ووطنه.. الخ، وبين ولائه الأهم لعقيدته ودعوته، فكان الولاء الأخير متممًا للولاء الأول: يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق) .
د.سلمان بن فهد العودة
بقلم الشيخ؛ إبراهيم بن عبد العزيز بركات
شيخنا الفاضل حفظك الله ورعاك ونفع بعلمك، ما هو حكم المشاركة في الإنتخابات التشريعية الفلسطينية وغيرها من التشريعات الوضعية وجزاك الله خيرًا؟
الجواب:
الحمد لله رب العالمين.
ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد:
فليس غريبًا أن يرفع بعض المنسلخين عن الشريعة الداعين إلى الخروج عن الأخلاق والقيم راية الكفر والزندقة، ولكن المستغرب حقًا أن تدخل بعض الجماعات التي ترفع راية التوحيد في صفوف الداعين إلى تطبيق أنظمة الكفر والشرك والنفاق على المسلمين، وقد علم هؤلاء يقينًا أن الواجب على المسلم هو الانقياد إلى حكم الله ورسوله ظاهرًا وباطنًا، قال سبحانه: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا} [النساء: 65] .
(1) - موقع الشيخ http://tawhed.ws/r?i=3419