وأختم هذه النماذج المباركة بإضاءة من حياة سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ـ رحمه الله ـ الذي كان ينبِّه بين وقت وآخر، في دروسه ومحاضراته وفي ردوده، على وجوب موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين. ومن ذلك ردّه على ما جاء في أحد الصحف، وهو خبر يتعلق بإقامة صلاة الجمعة في مسجد قرطبة، وذُكر فيه: إن الاحتفال بذلك يعد تأكيدًا لعلاقات الأخوة والمحبة بين أبناء الديانتين: الإسلام والمسيحية، فقال ـ رحمه الله ـ في رده عليهم: «... ونظرًا إلى ما في هذا الكلام من مصادمةِ الأدلةِ الشرعية الدالة على أنه: لا أخوةَ ولا محبة بين المسلمين والكافرين؛ وإنما ذلك بين المسلمين أنفسهم، وأنه لا اتحاد بين الدينين الإسلامي والنصراني؛ لأن دين الإسلام هو الحق الذي يجب على جميع أهل الأرض المكلفين اتباعُهُ، أما النصرانية فكفرٌ وضلال بنص القرآن الكريم» .
ومن ذلك قوله ـ رحمه الله ـ: «... فقد نشرت بعض الصحف المحلية تصريحًا لبعض الناس قال فيه ما نصه: «إننا لا نَكِنُّ العداء لليهود واليهودية، وإننا نحترم جميع الأديان السماوية» ، ولما كان هذا الكلامُ في شأن اليهود واليهوديةِ؛ يخالف صريحَ الكتاب العزيز والسُّنة المطهرة، ويخالف العقيدةُ الإسلامية، وهو صريح يُخشى أن يغتر به بعض الناس؛ رأيت التنبيه على ما جاء به من الخطأ نصحًا لله ولعباده، فقد دلَّ الكتابُ والسُّنة وإجماع المسلمين على أنه: يجب على المسلمين أن ىُعادوا الكافرين من اليهود والنصارى وسائر المشركين، وأن يحذروا مودتَهم واتخاذهم أولياء (6) » ا. هـ.
نعم.. تلك أفعال لا أقوال، وحقائق لا أوهام، وتلك نتفٌ يسيرة من سِيَر أقوام، نحسبهم ـ والله حسيبهم ـ رجالًا صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فهلاَّ اتبعنا أثرهم، واقتدينا بهم في هذا الزمان الذي وهنت فيه الأمة، وضعفت شوكتها، وهانت على بنيها قبل أعدائها! وما أصابها ما أصابها إلا من ضعف تحقيق هذا الأصل العظيم: الولاء لله ورسوله والمؤمنين، والبراءة من الكفار والمشركين وأعداء الدين.
(*) معيد في كلية الملك عبد العزيز.
(1) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (153/4) . (2) سير أعلام النبلاء للحافظ الذهبي (184/16 ـ 150) .
(1) أخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب (الإمداد بالملائكة في غزوة بدر) ، ح (1763) ، (1383/2) . (2) الروق: أي القرن، لسان العرب (131/10) .
(3) البداية والنهاية، لابن كثير (290/3) . (4) انظر: سير أعلام النبلاء (14/2) .
(5) انظر: صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب حديث كعب بن مالك، ح (4418) ، وفتح الباري (113/8) .
(6) الموالاة والمعاداة في الشريعة الإسلامية للشيخ محامس الجلعود (311/1) .
(1) المصدر السابق (325/1) . (2) البداية والنهاية لابن كثير (252/14) .
(3) الموالاة والمعاداة (121/1) . (4) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام (601/28 ـ 630) . الرسالة القبرصية.
(5) الدرر السنية (463/15) وما بعدها. (6) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة للشيخ عبد العزيز بن باز (173/2) وما بعدها.
إبراهيم الأزرق
-مكانة البراءة من الكافرين عند المؤمنين:
إن الحب في الله والبغض في الله أوثق عرى الإيمان، كما جاءت بذلك الآثار (1) ؛ فإذا انْتقَضت تلك العروة فلا تسل عن محل الإيمان من أهل الزمان. قال العلاَّمة ابن مفلح: «وقال أيضًا ـ يعني ابن عقيل ـ (2) : إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع، ولا ضجيجهم في الموقف بلبيك! وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة، عاش ابن الراوندي والمعري ـ عليهما لعائن الله ـ ينظمون وينثرون، هذا يقول: حديث خرافة (3) .
والمعري يقول:
تلوْ باطلًا وجلوْا صارمًا وقالوا صدقنا فقلنا نعم (4)
يعني بـ (الباطل) كتاب الله عز وجل. وعاشوا سنين وعظمت قبورهم واشتُريت تصانيفهم، وهذا يدل على برودة الدين في القلب». وهذا المعنى قاله الشيخ تقي الدين ابن تيمية رحمه الله تعالى» (5) ، وقال ابن عقيل عن ابن الراوندي أيضًا: «وعجبي! كيف عاش؛ وقد صنف (الدامغ) يزعم أنه قد دمغ به القرآن، والزمرد يزري به على النبوات ثم لا يقتل؟ وكم قد قُتل لصٌ في غير نصابٍ ولا هتْكِ حرزٍ؟ وإنما سلم مدة وعاش؛ لأن الإيمان ما صفا في قلوب أكثر الخلق، بل في القلوب شكوك وشبهات، وإلا فلمَّا صدق إيمان بعض الصحابة قتل أباه» (1) .