فهرس الكتاب

الصفحة 255 من 443

وهذا ـ أيضًا ـ مما استشهد به البخاري في صحيحه فإن كتاب [ الإيمان ] الذي افتتح به [ الصحيح ] قرر مذهب أهل السنة والجماعة، وضمنه الرد على المرجئة، فإنه كان من القائمين بنصر السنة والجماعة مذهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان .

وقد اتفق العلماء على أن اسم المسلمين في الظاهر يجري على المنافقين؛ لأنهم استسلموا ظاهرًا، وأتوا بما أتوا به من الأعمال الظاهرة بالصلاة الظاهرة، والزكاة الظاهرة، والحج الظاهر، والجهاد الظاهر، كما كان النبي يجري عليهم أحكام الإسلام الظاهر، واتفقوا على أنه من لم يكن معه شيء من الإيمان فهو كما قال تعالى: { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ } [ النساء: 145 ] وفيها قراءتان: دَرْك ودَرَك قال أبو الحسين بن فارس: الجنة درجات والنار دركات، قال الضحاك: الدرج: إذا كان بعضها فوق بعض . والدرك: إذا كان بعضها أسفل من بعض، فصار المظهرون للإسلام بعضهم في أعلى درجة في الجنة وهو رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، كما قال في الحديث الصحيح: ( إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم سلوا اللّه لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد اللّه، وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد، فمن سأل اللّه لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم/ القيامة ) وقوله صلى الله عليه وسلم: ( وأرجو أن أكون ) مثل قوله: ( إني لأرجو أن أكون أخشاكم للّه وأعلمكم بحدوده ) ولا ريب أنه أخشى الأمة للّه، وأعلمهم بحدوده .

وكذلك قوله: ( اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة،فهي نائلة إن شاء اللّه من مات لا يشرك باللّه شيئًا ) ،وقوله: ( إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة ) وأمثال هذه النصوص،وكان يستدل به أحمد وغيره على الاستثناء في الإيمان،كما نذكره في موضعه .

والمقصود أن خير المؤمنين في أعلى درجات الجنة، والمنافقون في الدرك الأسفل من النار، وإن كانوا في الدنيا مسلمين ظاهرًا تجري عليهم أحكام الإسلام الظاهرة، فمن كان فيه إيمان ونفاق يسمى مسلمًا؛ إذ ليس هو دون المنافق المحض، وإذا كان نفاقه أغلب لم يستحق اسم الإيمان، بل اسم المنافق أحق به، فإن ما فيه بياض وسواد، سواده أكثر من بياضه، هو باسم الأسود أحق منه باسم الأبيض، كما قال تعالى: { هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ } [ آل عمران: 167 ] ، وأما إذا كان إيمانه أغلب ومعه نفاق يستحق به الوعيد، لم يكن ـ أيضًا ـ من المؤمنين الموعودين بالجنة، وهذا حجة لما ذكره محمد بن نصر عن أحمد، ولم أره أنا فيما بلغني من كلام أحمد ولا ذكره الخلال ونحوه .

وقال محمد بن نصر: وحكى غير هؤلاء عن أحمد أنه قال: من أتى هذه الأربعة: الزنا، والسرقة، وشرب الخمر، والنُّهْبَة التي يرفع الناس فيها أبصارهم إليه، أو مثلهن أو فوقهن، فهو مسلم ولا أسميه/مؤمنًا،ومن أتى دون الكبائر نسميه مؤمنًا ناقص الإيمان، فإن صاحب هذا القول يقول: لما نفى عنه النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان، نفيته عنه كما نفاه عنه الرسول صلى الله عليه وسلم والرسول لم ينفه إلا عن صاحب كبيرة، وإلا فالمؤمن الذي يفعل الصغيرة هي مكفرة عنه بفعله للحسنات واجتنابه للكبائر، لكنه ناقص الإيمان عمن اجتنب الصغائر، فما أتى بالإيمان الواجب، ولكن خلطه بسيئات كفرت عنه بغيرها، ونقصت بذلك درجته عمن لم يأت بذلك .

فَصْل وأما قول القائل : إن النبي صلى الله عليه وسلم خص كل قوم بما يصلح لهم . . . إلخ، فهذا الكلام له وجهان :(1)

إن أراد به أن الأعمال المشروعة يختلف الناس فيها بحسب اختلاف أحوالهم، فهذا لاريب فيه؛ فإنه ليس ما يؤمر به الفقير كما يؤمر به الغني، ولا ما يؤمر به المريض كما يؤمر به الصحيح، ولا ما يؤمر به عند المصائب هو ما يؤمر به عند النعم،ولا ما تؤمر به الحائض كما تؤمر به الطاهرة، ولا ما تؤمر به الأئمة كالذي تؤمر به الرعية، فأمر اللّه لعباده قد يتنوع بتنوع أحوالهم،كما قد يشتركون في أصل الإيمان باللّه وتوحيده،والإيمان بكتبه ورسله .

وإن أراد به أن الشريعة في نفسها تختلف، وأن النبي صلى الله عليه وسلم خاطب زيدًا بخطاب يناقض ما خاطب به عَمْرًا، أو أظهر لهذا شيئًا يناقض ما أظهره لهذا ـ كما يرويه الكذابون: أن عائشة سألته هل رأيت ربك ؟ فقال: ( لا ) . وسأله أبو بكر فقال: ( نعم ) . وأنه أجاب عن مسألة واحدة بجوابين متناقضين لاختلاف حال السائلين ـ فهذا من كلام الكذابين المفترين، بل هو من كلام الملاحدة المنافقين؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ما ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين ) ، والحديث في سنن أبي داود وغيره . وكان عام الفتح قد أهدر دم جماعة منهم ابن أبي سَرْح، فجاء به عثمان ليبايع النبي صلى الله عليه وسلم فأعرض عنه مرتين أو ثلاثًا ثم بايعه، ثم قال: ( أما كان فيكم رجل رشيد ينظر إلى وقد أعرضت عن هذا فيقتله ؟ ) فقال بعضهم: هلا أومضت إلىَّ يارسول اللّه ؟ فقال: ( ما ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين ) وهذا مبالغة في استواء ظاهره وباطنه وسره وعلانيته، وأنه لا يبطن خلاف ما يظهر على عادة المكارين المنافقين .

ولا ريب أن القرامطة ـ وأمثالهم من الفلاسفة ـ يقولون: إنه أظهر خلاف ما أبطن، وأنه خاطب العامة بأمور أراد بها خلاف ما أفهمهم لأجل مصلحتهم؛ إذ كان لا يمكنه صلاحهم إلا بهذا الطريق . وقد زعم ذلك ابن سينا وأصحاب ( رسائل إخوان الصفا ) وأمثالهم من الفلاسفة والقرامطة الباطنية؛ فإن ابن سينا كان هو وأهل بيته من أتباع الحاكم القرمطي العبيدي، الذي كان بمصر .

(1) - مجموع الفتاوى - (ج 13 / ص 248)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت