فالوعد بالجنة، والرحمة في الآخرة، وبالسلامة من العذاب،علق باسم الإيمان المطلق، والمقيد بالعمل الصالح، ونحو ذلك،وهذا ـ كما تقدم ـ أن المطلق يدخل فيه فعل ما أمر اللّه به ورسوله،ولم يعلق باسم الإسلام . فلو كان من أتى من الإيمان بما يقدر عليه وعجز عن معرفة تفاصيله قد يسمى مسلمًا لا مؤمنًا،لكان من أهل الجنة، وكانت الجنة يستحقها من يسمى مسلمًا وإن لم يسم مؤمنًا، وليس الأمر كذلك، بل الجنة لم تعلق إلا باسم الإيمان، وهذا ـ أيضًا ـ مما استدل به من قال: إنه ليس كل مسلم من المؤمنين الموعودين بالجنة؛ إذ لو كان الأمر كذلك لكان وعد الجنة معلقًا باسم الإسلام، كما علق باسم الإيمان وكما علق باسم التقوى واسم البر، في مثل قوله: { إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ } [ القمر: 54 ] ، وقوله: { إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ } [ الانفطار: 13 ] ، وباسم أولياء اللّّه، كقوله: { أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } [ يونس: 62: 64 ] ، فلما لم يجر اسم الإسلام هذا المجرى، علم أن مسماه ليس ملازمًا لمسمى الإيمان كما يلازمه اسم البر والتقوى وأولياء اللّه، وأن اسم الإسلام يتناول من هو من أهل الوعيد، وإن كان اللّه يثيبه على طاعته، مثل أن يكون في قلبه إيمان، ونفاق يستحق به العذاب، فهذا يعاقبه اللّه ولا يخلده في النار؛ لأن في قلبه مثقال ذرة أو أكثر من مثقال ذرة من إيمان .
/ وهكذا سائر أهل الكبائر إيمانهم ناقص، وإذا كان في قلب أحدهم شعبة نفاق عوقب بها إذا لم يعف اللّه عنه، ولم يخلد في النار، فهؤلاء مسلمون وليسوا مؤمنين ومعهم إيمان . لكن معهم ـ أيضًا ـ ما يخالف الإيمان من النفاق، فلم تكن تسميتهم مؤمنين بأولى من تسميتهم منافقين، لا سيما إن كانوا للكفر أقرب منهم للإيمان، وهؤلاء يدخلون في اسم الإيمان في أحكام الدنيا، كما يدخل المنافق المحض وأولى؛ لأن هؤلاء معهم إيمان يدخلون به في خطاب اللّه بـ { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ } ، لأن ذلك أمر لهم بما ينفعهم ونهى لهم عما يضرهم، وهم محتاجون إلى ذلك، ثم إن الإيمان الذي معهم إن اقتضى شمول لفظ الخطاب لهم فلا كلام، وإلا فليسوا بأسوأ حالًا من المنافق المحض، وذلك المنافق يخاطب بهذه الأعمال وتنفعه في الدنيا ويحشر بها مع المؤمنين يوم القيامة، ويتميز بها عن سائر الملل يوم القيامة كما تميز عنهم بها في الدنيا، لكن وقت الحقيقة يضرب { بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاء أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } [ الحديد: 13: 15 ] ، وقد قال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَاعْتَصَمُواْ بِاللّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا } [ النساء: 145، 146 ] .
فإذا عمل العبد صالحًا للّه،فهذا هوالإسلام الذي هو دين اللّه، ويكون/معه من الإيمان ما يحشر به مع المؤمنين يوم القيامة،ثم إن كان معه من الذنوب ما يعذب به عذب وأخرج من النار،إذا كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان وإن كان معه نفاق؛ولهذا قال تعالى في هؤلاء: { فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا } [ النساء: 146 ] ، فلم يقل: إنهم مؤمنون بمجرد هذا؛ إذ لم يذكر الإيمان باللّه وملائكته وكتبه ورسله، بل هم معهم، وإنما ذكر العمل الصالح وإخلاصه للّه، وقال: { فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ } فيكون لهم حكمهم .
وقد بين تفاضل المؤمنين في مواضع أخر، وأنه من أتى بالإيمان الواجب استحق الثواب، ومن كان فيه شعبة نفاق وأتى بالكبائر، فذاك من أهل الوعيد، وإيمانه ينفعه اللّه به، ويخرجه به من النار ولو أنه مثقال حبة خردل لكن لا يستحق به الاسم المطلق المعلق به وعد الجنة بلا عذاب . وتمام هذا أن الناس قد يكون فيهم من معه شعبة من شعب الإيمان، وشعبة من شعب الكفر أو النفاق، ويسمى مسلمًا، كما نص عليه أحمد .
وتمام هذا أن الإنسان قد يكون فيه شعبة من شعب الإيمان، وشعبة من شعب النفاق، وقد يكون مسلمًا وفيه كفر دون الكفر الذي ينقل عن الإسلام بالكلية، كما قال الصحابة ـ ابن عباس وغيره ـ: كفر دون كفر . وهذا قول عامة السلف، وهو الذي نص عليه أحمد وغيره ممن قال في السارق، والشارب، ونحوهم ممن قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: ( إنه ليس بمؤمن ) أنه يقال لهم: مسلمون لا مؤمنون، واستدلوا بالقرآن والسنة على نفي اسم الإيمان مع إثبات اسم الإسلام، وبأن الرجل قد يكون مسلمًا ومعه كفر /لا ينقل عن الملة، بل كفر دون كفر، كما قال ابن عباس وأصحابه في قوله: { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [ المائدة: 44 ] قالوا: كفر لا ينقل عن الملة، وكفر دون كفر، وفسق دون فسق، وظلم دون ظلم .