فهرس الكتاب

الصفحة 200 من 443

/وأيضًا [ كرامات الأولياء ] لابد أن يكون سببها الإيمان والتقوى فما كان سببه الكفر والفسوق والعصيان فهو من خوارق أعداء الله لا من كرامات أولياء الله، فمن كانت خوارقه لا تحصل بالصلاة والقراءة والذكر وقيام الليل والدعاء، وإنما تحصل عند الشرك: مثل دعاء الميت والغائب، أو بالفسق والعصيان وأكل المحرمات: كالحيات والزنابير والخنافس والدم وغيره من النجاسات، ومثل الغناء والرقص، لا سيما مع النسوة الأجانب والمردان، وحالة خوارقه تنقص عند سماع القرآن وتقوى عند سماع مزامير الشيطان فيرقص ليلا طويلا، فإذا جاءت الصلاة صلى قاعدًا أو ينقر الصلاة نقر الديك، وهو يبغض سماع القرآن وينفر عنه ويتكلفه ليس له فيه محبة ولا ذوق ولا لذة عند وجده، ويحب سماع المكاء والتصدية ويجد عنده مواجيد . فهذه أحوال شيطانية، وهو ممن يتناوله قوله تعالى: { وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ } [ الزخرف: 36 ] .

فالقرآن هو ذكر الرحمن، قال الله تعالى: { وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى } [ طه: 124: 126 ] يعني تركت العمل بها، قال ابن عباس رضي الله عنهما: تكفل الله لمن قرأ كتابه وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة؛ ثم قرأ هذه الآية .

فصل -وكما عظم الله الفاحشة عظم ذكرها بالباطل وهو القذف0(1)

فقال بعد ذلك: { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ } [ النور: 4 ] ، ثم ذكر رمي الرجل امرأته، وما أمر فيه من التلاعن، ثم ذكر قصة أهل الإفك، وبين ما في ذلك من الخير للمقذوف المكذوب عليه، وما فيه من الإثم للقاذف، وما يجب على المؤمنين إذا سمعوا ذلك أن يظنوا بإخوانهم من المؤمنين الخير، ويقولون: هذا إفك مبين؛ لأن دليله كذب ظاهر، ثم أخبر أنه قول بلا حجة، فقال: { لَوْلَا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ } [ النور: 13 ] ، ثم أخبر أنه لولا فضله عليهم ورحمته لعذبهم بما تكلموا به .

/وقوله: { إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ } [ النور: 15 ] ، فهذا بيان لسبب العذاب، وهو تلقي الباطل بالألسنة والقول بالأفواه، وهما نوعان محرمان: القول بالباطل، والقول بلا علم . ثم قال سبحانه: { وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ } [ النور: 16 ] . فالأول تحضيض على الظن الحسن، وهذا نهي لهم عن التكلم بالقذف . ففي الأول قوله: { اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ } [ الحجرات: 12 ] ، ويقول النبي صلي الله عليه وسلم: ( إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث ) ، وكذا قوله: { ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا } [ النور: 12 ] ، دليل على حسن مثل هذا الظن الذي أمر الله به، وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلي الله عليه وسلم قال لعائشة: ( ما أظن فلانا وفلانا يدريان من أمرنا هذا شيئًا ) . فهذا يقتضي جواز بعض الظن كما احتج البخاري بذلك، لكن مع العلم بما عليه المرء المسلم من الإيمان الوازع له عن فعل الفاحشة، يجب أن يظن به الخير دون الشر .

وفي الآية نهي عن تلقي مثل هذا باللسان، ونهي عن أن يقول الإنسان ما ليس له به علم لقوله تعالى: { وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } [ الإسراء: 36 ] ، والله ـ تعالى ـ جعل في فعل الفاحشة والقذف من العقوبة ما لم يجعله في شيء من المعاصي؛ لأنه جعل فيها الرجم،وقد رجم هو ـ تعالى ـ قوم /لوط إذ كانوا هم أول من فعل فاحشة اللواط، وجعل العقوبة على القذف بها ثمانين جلدة، والرمي بغيرها فيه الاجتهاد، ويجوز عند بعض العلماء أن يبلغ الثمانين عند كثير منهم، كما قال على: لا أوتي بأحد يفَضِّلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري . وكما قال عبد الرحمن بن عوف: إذا شرب هذي، وإذا هذي افتري، وحد الشرب ثمانون، وحد المفتري ثمانون .

وقوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ } الآية [ النور: 19 ] . وهذا ذم لمن يحب ذلك، وذلك يكون بالقلب فقط ويكون مع ذلك باللسان والجوارح، وهو ذم لمن يتكلم بالفاحشة أو يخبر بها محبة لوقوعها في المؤمنين؛ إما حسدًا أو بغضًا، وإما محبة للفاحشة وإرادة لها، وكلاهما محبة للفاحشة وبغضًا للذين آمنوا، فكل من أحب فعلها ذكرها .

(1) - مجموع الفتاوى - (ج 15 / ص 330)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت