فهرس الكتاب

الصفحة 201 من 443

وكره العلماء الغزل من الشعر الذي يرغب فيها، وكذلك ذكرها غيبة محرمة سواء كان بنظم أو نثر، وكذلك التشبه بمن يفعلها منهي عنه؛ مثل الأمر بها، فإن الفعل يطلب بالأمر تارة، وبالإخبار تارة، فهذان الأمران لفجرة الزناة اللوطية؛ مثل ذكر قصص الأنبياء والصالحين للمؤمنين، أولئك يعتبرون من الغيرة بهم، وهؤلاء يعتبرون من الاغترار، فإن أهل الكفر والفسوق والعصيان يذكرون من قصص / أشباههم ما يكون به لهم فيهم قدوة وأسوة، ومن ذلك قوله تعالى: { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا } [ لقمان: 6 ] ، قيل: أراد الغناء، وقيل: أراد قصص الملوك من الكفار من الفرس .

وبالجملة، كل ما رَغَّبَ النفوس في طاعة الله ونهاها عن معصيته من خبر أو أمر فهو من طاعته، وكل ما رَغَّبَها في معصيته ونهي عن طاعته فهو من معصيته، فأما ذكر الفاحشة وأهلها بما يجب أو يستحب في الشريعة؛ مثل النهي عنها وعنهم . والذم لها ولهم، وذكر ما يبغضها وينفر عنها، وذكر أهلها مطلقًا حيث يسوغ ذلك، وما يشرع لهم من الذم في وجوههم ومغيبهم؛ فهذا كله حسن يجب تارة، ويستحب أخري، وكذلك ما يدخل فيها من وصفها ووصف أهلها من العشق على الوجه المشروع الذي يوجب الانتهاء عما نهي الله عنه، والبغض لما يبغضه .

وهذا كما أن الله قص علينا في القرآن قصص الأنبياء والمؤمنين والمتقين، وقصص الفجار والكفار؛ لنعتبر بالأمرين؛ فنحب الأولين وسبيلهم ونقتدي بهم، ونبغض الآخرين وسبيلهم ونجتنب فعالهم .

وقد ذكر الله عن أنبيائه وعباده الصالحين من ذكر الفاحشة / وعلائقها على وجه الذم ما فيه عبرة، قال تعالى: { وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ } [ الأعراف: 80 ] ، إلى آخر القصة في مواضع من كتابه . فهذا لوط خاطب أهل الفاحشة ـ وهو رسول الله ـ بتقريعهم بها بقوله: { أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ } وهذا استفهام إنكار ونهي، إنكار ذم، ونهي، كالرجل يقول للرجل: أتفعل كذا وكذا ؟ أما تتقي الله ؟ ثم قال: { أ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء } [ النمل: 55 ] ، وهذا استفهام ثان فيه من الذم والتوبيخ ما فيه، وليس هذا من باب القذف واللمز .

وكذلك قوله: { كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ } [ الشعراء: 160 ] ، إلى آخر القصة، فقد واجههم بذمهم وتوبيخهم على فعل الفاحشة، ثم إن أهل الفاحشة توعدوهم وتهددوهم بإخراجهم من القرية، وهذا حال أهل الفجور إذا كان بينهم من ينهاهم طلبوا نفيه وإخراجه، وقد عاقب الله أهل الفاحشة اللوطية بما أرادوا أن يقصدوا به أهل التقوي؛ حيث أمر بنفي الزاني ونفي المخنث، فمضت سنة رسول الله صلي الله عليه وسلم بنفي هذا وهذا، وهو ـ سبحانه ـ أخرج المتقين من بينهم عند نزول العذاب .

وكذلك ما ذكره تعالى في قصة يوسف: { وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ } إلى قوله: { فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } [ يوسف: 32ـ 34 ] ، وما ذكره بعد ذلك فمن كلام يوسف من قوله: { مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ } [ يوسف: 50 ] ، وهذا من باب الاعتبار الذي يوجب انتهار النفوس عن معصية الله والتمسك بالتقوي، وكذلك ما بينه في آخر السورة بقوله: { لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ } [ يوسف: 111 ] .

ومع هذا فمن الناس والنساء من يحب سماع هذه السورة لما فيها من ذكر العشق وما يتعلق به؛ لمحبته لذلك ورغبته في الفاحشة، حتي إن من الناس من يقصد إسماعها للنساء وغيرهن لمحبتهم للسوء، ويعطفون على ذلك، ولا يختارون أن يسمعوا ما في سورة النور من العقوبة والنهي عن ذلك، حتي قال بعض السلف: كل ما حصلته في سورة يوسف أنفقته في سورة النور . وقد قال تعالى { وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ } ثم قال: { وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا } [ الإسراء: 82 ] وقال: { وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ } [ التوبة: 124، 125 ] . فكل أحد يحب سماع ذلك لتحريك المحبة المذمومة، ويبغض سماع ذلك إعراضًا عن دفع هذه المحبة وإزالتها، فهو مذموم .

ومن هذا الباب ذكر أحوال الكفار والفجار وغير ذلك مما فيه ترغيب في معصية الله وصد عن سبيل الله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت