فهرس الكتاب

الصفحة 202 من 443

/ ومن هذا الباب سماع كلام أهل البدع والنظر في كتبهم لمن يضره ذلك ويدعوه إلى سبيلهم وإلى معصية الله، فهذا الباب تجتمع فيه الشبهات والشهوات، والله ـ تعالى ـ ذم هؤلاء في مثل قوله: { يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا } [ الأنعام: 112 ] ، وفي مثل قوله: { وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ } [ الشعراء: 224 ] ، ومثل قوله: { هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ } الآية [ الشعراء: 221 ] ، وما بعدها، ومثل قوله: { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا } [ لقمان: 6 ] ، وقوله: { مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ } [ المؤمنون: 76 ] ، ومثل قوله: { وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا } [ الأعراف: 146 ] ، ومثل قوله: { وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ } الآية [ الأنعام: 116 ] .

ومثل هذا كثير في القرآن، فأهل المعاصي كثيرون في العالم، بل هم أكثر، كما قال تعالى: { وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ } الآية . وفي النفوس من الشبهات المذمومة والشهوات قولا وعملا ما لا يعلمه إلا الله،وأهلها يدعون الناس إليها، ويقهرون من يعصيهم، ويزينونها لمن يطيعهم . فهم أعداء الرسل وأندادهم، فرسل الله يدعون الناس إلى طاعة الله ويأمرونهم بها بالرغبة والرهبة، ويجاهدون عليها، وينهونهم عن معاصي الله، ويحذرونهم منها بالرغبة والرهبة، ويجاهدون من يفعلها . وهؤلاء يدعون الناس إلى معصية الله / ويأمرونهم بها بالرغبة والرهبة قولا وفعلا، ويجاهدون على ذلك قال تعالى: { الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } [ التوبة: 67 ] ، ثم قال: { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ } [ التوبة: 71 ] ، وقال تعالى: { الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ } [ النساء: 76 ] .

ومثل هذا في القرآن كثير، والله ـ سبحانه ـ قد أمرنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأمر بالشيء مسبوق بمعرفته، فمن لا يعلم المعروف لا يمكنه الأمر به، والنهي عن المنكر مسبوق بمعرفته، فمن لا يعلمه لا يمكنه النهي عنه، وقد أوجب الله علىنا فعل المعروف وترك المنكر، فإن حب الشيء وفعله وبغض ذلك وتركه لا يكون إلا بعد العلم بهما، حتي يصح القصد إلى فعل المعروف وترك المنكر، فإن ذلك مسبوق بعلمه، فمن لم يعلم الشيء لم يتصور منه حب له ولا بغض ولا فعل ولا ترك، لكن فعل الشيء والأمر به يقتضي أن يعلم علمًا مفصلا يمكن معه فعله والأمر به إذا أمر به مفصلا .

ولهذا أوجب الله على الإنسان معرفة ما أمر به من الواجبات؛ مثل صفة الصلاة، والصيام، والحج، والجهاد، والأمر بالمعروف / والنهي عن المنكر، إذا أمر بأوصاف فلا بد من العلم بثبوتها، فكما أنا لا نكون مطيعين إذا علمنا عدم الطاعة فلا نكون مطيعين إلا إذا لم نعلم وجودها، بل الجهل بوجودها كالعلم بعدمها، وكون كل منهما معصية، فإن الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل في بيع الأموال الربوية بعضها بجنسه، فإن لم نعلم المماثلة كان كما لو علمنا المفاضلة . وأما معرفة ما يتركه وينهي عنه فقد يكتفي بمعرفته في بعض المواضع مجملًا، فالإنسان يحتاج إلى معرفة المنكر وإنكاره، وقد يحتاج إلى الحجج المبينة لذلك، وإلي الجواب عما يعارض به أصحابها من الحجج، وإلي دفع أهوائهم وإراداتهم، وذلك يحتاج إلى إرادة جازمة وقدرة على ذلك، وذلك لا يكون إلا بالصبر، كما قال تعالى: { وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ } [ سورة العصر ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت