فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 443

فإن قيل: فخشوع القلب لذكر اللّه وما نزل من الحق واجب . قيل: نعم، لكن الناس فيه على قسمين: مقتصد وسابق، فالسابقون يختصون بالمستحبات، والمقتصدون الأبرار: هم عموم المؤمنين المستحقين للجنة، ومن لم يكن من هؤلاء، ولا هؤلاء، فهو ظالم لنفسه، وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( اللّهم، إني أعوذ بك من عِلْمٍ لا ينفع، وقلب لا يخشع، ونَفْسٍ لا تَشْبَعُ، ودعاء لا يُسْمَع ) .

فصل

( قول الأشعري في الإيمان ) (1)

وأبو الحسن الأشعري نصر قول جهم في [ الإيمان ] مع أنه نصر المشهور عن أهل السنة من أنه يستثني في الإيمان فيقول: أنا مؤمن إن شاء الله ; لأنه نصر مذهب أهل السنة في أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة ولا يخلدون في النار وتقبل فيهم الشفاعة ونحو ذلك .

وهو دائما ينصر - في المسائل التي فيها النزاع بين أهل الحديث وغيرهم - قول أهل الحديث لكنه لم يكن خبيرا بمآخذهم فينصره على ما يراه هو من الأصول التي تلقاها عن غيرهم ; فيقع في ذلك من التناقض ما ينكره هؤلاء وهؤلاء , كما فعل في مسألة الإيمان ونصر فيها قول جهم مع نصره للاستثناء ; ولهذا خالفه كثير من أصحابه في الاستثناء كما سنذكر مأخذه في ذلك واتبعه أكثر أصحابه على نصر قول جهم في ذلك . ومن لم يقف إلا على كتب الكلام ولم يعرف ما قاله السلف وأئمة السنة في هذا الباب ; فيظن أن ما ذكروه هو قول أهل السنة ; وهو قول لم يقله أحد من أئمة السنة بل قد كفر أحمد بن حنبل ووكيع وغيرهما من قال بقول جهم في الإيمان الذي نصره أبو الحسن . وهو عندهم شر من قول المرجئة ; ولهذا صار من يعظم الشافعي من الزيدية والمعتزلة ونحوهم يطعن في كثير ممن ينتسب إليه يقولون: الشافعي لم يكن فيلسوفا ولا مرجئا وهؤلاء فلاسفة أشعرية مرجئة وغرضهم ذم الإرجاء ونحن نذكر عمدتهم لكونه مشهورا عند كثير من المتأخرين المنتسبين إلى السنة . قال القاضي أبو بكر في [ التمهيد ] : فإن قالوا: فخبرونا ما الإيمان عندكم ؟ قيل: الإيمان هو التصديق بالله وهو العلم , والتصديق يوجد بالقلب فإن قال: فما الدليل على ما قلتم ؟ قيل: إجماع أهل اللغة قاطبة على أن الإيمان قبل نزول القرآن وبعثة النبي صلى الله عليه وسلم هو التصديق لا يعرفون في اللغة إيمانا غير ذلك ويدل على ذلك قوله تعالى: { وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا } [ يوسف: 17 ] أي بمصدق لنا . ومنه قولهم: فلان يؤمن بالشفاعة وفلان لا يؤمن بعذاب القبر أي: لا يصدق بذلك . فوجب أن الإيمان في الشريعة هو الإيمان المعروف في اللغة ; لأن الله ما غير اللسان العربي ولا قلبه ولو فعل ذلك لتواترت الأخبار بفعله وتوفرت دواعي الأمة على نقله ولغلب إظهاره على كتمانه , وفي علمنا بأنه لم يفعل ذلك بل إقرار أسماء الأشياء والتخاطب بأسره على ما كان دليل على أن الإيمان في الشريعة هو الإيمان اللغوي ومما يبين ذلك قوله تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ } [ إبراهيم: 4 ] وقوله: { إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا } [ الزخرف: 3 ] . فأخبر أنه أنزل القرآن بلغة العرب وسمى الأسماء بمسمياتهم ولا وجه للعدول بهذه الآيات عن ظواهرها بغير حجة لا سيما مع القول بالعموم وحصول التوقيف على أن القرآن نزل بلغتهم ; فدل على ما قلناه من أن الإيمان ما وصفناه دون ما سواه من سائر الطاعات من النوافل والمفروضات , هذا لفظه . وهذا عمدة من نصر قول الجهمية في [ مسألة الإيمان ] وللجمهور من أهل السنة وغيرهم عن هذا أجوبة .

أحدها: قول من ينازعه في أن الإيمان في اللغة مرادف للتصديق ويقول هو بمعنى الإقرار وغيره .

والثاني: قول من يقول: وإن كان في اللغة هو التصديق ; فالتصديق يكون بالقلب واللسان وسائر الجوارح كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( والفرج يصدق ذلك أو يكذبه ) .

والثالث: أن يقال: ليس هو مطلق التصديق بل هو تصديق خاص مقيد بقيود اتصل اللفظ بها وليس هذا نقلا للفظ ولا تغييرا له فإن الله لم يأمرنا بإيمان مطلق بل بإيمان خاص وصفه وبينه .

والرابع: أن يقال: وإن كان هو التصديق ; فالتصديق التام القائم بالقلب مستلزم لما وجب من أعمال القلب والجوارح فإن هذه لوازم الإيمان التام , وانتفاء اللازم دليل على انتفاء الملزوم , ونقول: إن هذه اللوازم تدخل في مسمى اللفظ تارة وتخرج عنه أخرى .

والخامس: قول من يقول: إن اللفظ باقٍ على معناه في اللغة، ولكن الشارع زاد فيه أحكامًا .

والسادس: قول من يقول: إن الشارع استعمله في معناه المجازي، فهو حقيقة شرعية، مجاز لغوي .

/السابع: قول من يقول: إنه منقول .

فهذه سبعة أقوال:

الأول: قول من ينازع في أن معناه في اللغة التصديق، ويقول: ليس هو التصديق، بل بمعنى الإقرار وغيره .

قوله: إجماع أهل اللغة قاطبة على أن الإيمان قبل نزول القرآن هو التصديق . فيقال له: من نقل هذا الإجماع ؟ ومن أين يعلم هذا الإجماع ؟ وفي أي كتاب ذكر هذا الإجماع ؟

الثاني: أن يقال: أتعني بأهل اللغة: نقلتها، كأبي عمرو، والأصمعي، والخليل، ونحوهم، أو المتكلمين بها ؟ فإن عنيت الأول؛ فهؤلاء لا ينقلون كل ما كان قبل الإسلام بإسناد، وإنما ينقلون ما سمعوه من العرب في زمانهم، وما سمعوه في دواوين الشعر وكلام العرب وغير ذلك بالإسناد . ولا نعلم فيما نقلوه لفظ الإيمان، فضلًا عن أن يكونوا أجمعوا عليه، وإن عنيت المتكلمين بهذا اللفظ قبل الإسلام، فهؤلاء لم نشهدهم، ولا نقل لنا أحد عنهم ذلك .

(1) - مجموع الفتاوى - (ج 7 / ص 120)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت