ويوسف لما قال لأهله: {وَقَالَ ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ آمِنِينَ} [ يوسف: 99 ] ، وقال موسى: {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ} [ المائدة: 21 ] ، وقال الله تعالى: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ} [ الفتح: 27 ] : فإذا قدر أنه كان بمصر بعضهم، أو كان بالأرض المقدسة بعض، أو كان بعض الصحابة قد دخل الحرم قبل ذلك: هل كان هؤلاء يؤمرون بالخروج ثم الدخول ؟
فإذا قيل: هذا لم يقع، قيل: وكذلك غسل الرجل قدميه في الخف ليس واقعًا في العادة فلهذا لم يحتج إلى ذكره؛ لأنه ليس إذًا فعل يحتاج إلى إخراج وإدخال . فهذا وأمثاله من باب الأولى .
وقد تنازع العلماء فيما إذا استجمر بأقل من ثلاثة أحجار، أو استجمر بمنهى عنه كالروث والرمة وباليمين: هل يجزئه ذلك ؟ والصحيح أنه إذا استجمر بأقل من ثلاثة أحجار فعليه تكميل المأمور به، وأما إذا استجمر بالعظم واليمين فإنه يجزئه؛ فإنه قد حصل المقصود بذلك ـ وإن كان عاصيًا ـ والإعادة لا فائدة فيها، ولكن قد يؤمر بتنظيف العظم مما لوثه به، كما لو كان عنده خمر فأمر بإتلافها فأراقها في المسجد فقد حصل المقصود من إتلافها لكن هو آثم بتلويث المسجد فيؤمر بتطهيره، بخلاف الاستجمار بتمام الثلاث فإن فيه فعل تمام المأمور وتحصيل المقصود .
وَسئل ـ رَحمه اللّه ـ عن رجل حنفي صلى في جماعة، وأسر نيته، ثم رفع يديه في كل تكبيرة، فأنكر عليه فقيه الجماعة، وقال له: هذا لا يجوز في مذهبك وأنت مبتدع فيه، وأنت مذبذب، لا بإمامك اقتديت، ولا بمذهبك اهتديت . فهل ما فعله نقص في صلاته ومخالفة للسنة ولإمامه أم لا ؟ (1)
فأجاب:
الحمد للّه، أما الذي أنكر عليه إسراره بالنية، فهو جاهل؛ فإن الجهر بالنية لا يجب ولا يستحب، لا في مذهب أبي حنيفة، ولا/أحد من أئمة المسلمين، بل كلهم متفقون على أنه لا يشرع الجهر بالنية، ومن جهر بالنية فهو مخطئ، مخالف للسنة باتفاق أئمة الدين، بل مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وسائر أئمة المسلمين أنه إذا نوى بقلبه ولم يتكلم بلسانه بالنية ـ لا سرًا ولا جهرًا ـ كانت صحيحة، ولا يجب التكلم بالنية: لا عند أبي حنيفة، ولا عند أحد من الأئمة، حتى أن بعض متأخري أصحاب الشافعي لما ذكر وجها مخرجا أن اللفظ بالنية واجب، غَلَّطَه بقية أصحابه، وقالوا: إنما أوجب الشافعي النطق في أول الصلاة بالتكبير، لا بالنية .
وأما أبو حنيفة وأصحابه، فلم يتنازعوا في أن النطق بالنية لا يجب، وكذلك مالك وأصحابه، وأحمد وأصحابه، بل تنازع العلماء: هل يستحب التلفظ بالنية سرًا ؟ على قولين:
فقال طائفة من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد: يستحب التلفظ بالنية، لا الجهر بها، ولا يجب التلفظ، ولا الجهر .
وقال طائفة من أصحاب مالك وأحمد وغيرهم: بل لا يستحب التلفظ بالنية، لا سرًا ولا جهرًا، كما لا يجب باتفاق الأئمة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يكونوا يتلفظون بالنية، لا سرًا ولا جهرًا، وهذا القول هو الصواب الذي جاءت به السنة .
/وأما رفع اليدين في كل تكبيرة حتى في السجود، فليست هي السنة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعلها، ولكن الأمة متفقة على أنه يرفع اليدين مع تكبيرة الافتتاح .
وأما رفعهما عند الركوع، والاعتدال من الركوع، فلم يعرفه أكثر فقهاء الكوفة . كإبراهيم النَّخَعي، وأبي حنيفة، والثوري، وغيرهم . وأما أكثر فقهاء الأمصار، وعلماء الآثار، فإنهم عرفوا ذلك ـ لما إنه استفاضت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم ـ كالأوزاعي، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبي عبيد، وهو إحدى الروايتين عن مالك .
فإنه قد ثبت في الصحيحين، من حديث ابن عمر وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وإذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع، ولا يفعل ذلك في السجود، ولا كذلك بين السجدتين، وثبت هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح من حديث مالك بن الحويرث، ووائل بن حجر، وأبي حُمَيْد السَّاعدي: في عشرة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ـ أحدهم أبو قتادة ـ وهو معروف من حديث علي بن أبي طالب، وأبي هريرة، وعدد كثير من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم . وكان ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ إذا رأى من يصلي ولا يرفع يديه في الصلاة، حصبه . وقال عقبة بن عامر: له بكل إشارة عشر حسنات .
/والكوفيون حجتهم أن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ لم يكن يرفع يديه . وهم معذورون قبل أن تبلغهم السنة الصحيحة . فإن عبد الله بن مسعود هو الفقيه الذي بعثه عمر ابن الخطاب ليعلم أهل الكوفة السنة . لكن قد حفظ الرفع عن النبي صلى الله عليه وسلم كثير من الصحابة ـ رضوان الله تعالي عليهم . وابن مسعود لم يصرح بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرفع إلا أول مرة، لكنهم رأوه يصلي ولا يرفع، إلا أول مرة . والإنسان قد ينسي، وقد يذهل، وقد خفي على ابن مسعود التطبيق في الصلاة، فكان يصلي، وإذا ركع طبق بين يديه، كما كانوا يفعلون أول الإسلام . ثم إن التطبيق نسخ بعد ذلك، وأمروا بالركب، وهذا لم يحفظه ابن مسعود . فإن الرفع المتنازع فيه ليس من نواقض الصلاة، بل يجوز أن يصلي بلا رفع وإذا رفع كان أفضل وأحسن .
(1) - مجموع الفتاوى - (ج 22 / ص 245)