وقوله: { أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } أي: هؤلاء حزبُ الله، أي: عباد الله وأهل كرامته.
وقوله: { أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } تنويه بفلاحهم وسعادتهم ونصرهم في الدنيا والآخرة، في مقابلة ما أخبر عن أولئك بأنهم حزب الشيطان. ثم قال: { أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ }
وقد قال بن أبي حاتم: حدثنا هارون بن حميد الواسطي، حدثنا الفضل بن عَنْبَسة، عن رجل قد سماه-يقال هو عبد الحميد بن سليمان، انقطع من كتابي-عن الذَيَّال بن عباد قال: كتب أبو حازم الأعرج إلى الزهري: أعلم أن الجاه جاهان، جاه يجريه الله على أيدي أوليائه لأوليائه، وأنهم الخامل ذكرهم، الخفية شخوصهم، ولقد جاءت صفتهم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم."إن الله يحب الأخفياء الأتقياء الأبرياء، الذين إذا غابوا لم يُفتَقَدوا، وإذا حضروا لم يُدْعَوا، قلوبهم مصابيح الهدى، يخرجون من كل فتنة سوداء مظلمة" (4) فهؤلاء أولياء الله تعالى الذين قال الله: { أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }
وقال نُعَيم بن حَمّاد: حدثنا محمد بن ثور، عن يونس، عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اللهم، لا تجعل لفاجر ولا لفاسق عندي يدًا ولا نعمة، فإني وجدت فيما أوحيته إلي: { لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } قال سفيان: يرون أنها نزلت فيمن يخالط السلطان. ورواه أبو أحمد العسكري.صحيح مرسل"
{ لا تجد قومًا } ، قال الزمخشري ، من باب التخييل: خيل أن من الممتنع المحال أن تجد قومًا مؤمنين يوادون المشركين ، والغرض منه أنه لا ينبغي أن يكون ذلك ، وحقه أن يمتنع ، ولا يوجد بحال مبالغة في النهي عنه والزجر عن ملابسته والتصلب في مجانبة أعداء الله . وزاد ذلك تأكيدًا بقوله: { ولو كانوا آباءهم } . انتهى . وبدأ بالآباء لأنهم الواجب على الأولاد طاعتهم ، فنهاهم عن موادتهم .
وقال تعالى: { وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفًا } ثم ثنى بالأبناء لأنهم أعلق بالقلوب ، ثم أتى ثالثًا بالإخوان لأنهم بهم التعاضد ، كما قيل:
أخاك أخاك إن من لا أخًا له ... كساع إلى الهيجاء بغير سلاح
ثم رابعًا بالعشيرة ، لأن بها التناصر ، وبهم المقاتلة والتغلب والتسرع إلى ما دعوا إليه ، كما قال:
لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... في النائبات على ما قال برهانًا
وقرأ الجمهور: { كتب } مبنيًا للفاعل ، { في قلوبهم الإيمان } نصبًا ، أي كتب الله . وأبو حيوة والمفضل عن عاصم: كتب مبنيًا للمفعول ، والإيمان رفع . والجمهور: { أو عشيرتهم } على الإفراد؛ وأبو رجاء: على الجمع ، والمعنى: أثبت الإيمان في قلوبهم وأيدهم بروح منه تعالى ، وهو الهدى والنور واللطف . وقيل: الروح: القرآن . وقيل: جبريل يوم بدر . وقيل: الضمير في منه عائد على الإيمان ، والإنسان في نفسه روح يحيا به المؤمن ، والإشارة بأولئك كتب إلى الذين لا يوادّون من حادّ الله ورسوله . قيل: والآية نزلت في أبي حاطب بن أبي بلتعة . وقيل: الظاهر أنها متصلة بالآي التي في المنافقين الموالين لليهود . وقيل:"نزلت في ابن أبيّ وأبي بكر الصديق ، رضى الله تعالى عنه ، كان منه سب للرسول صلى الله عليه وسلم ، فصكه أبو بكر صكة سقط منها ، فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام: «أوفعلته» ؟ قال: نعم ، قال: «لا تعد» ، قال: والله لو كان السيف قريبًا مني لقتلته"وقيل: في أبي عبيدة بن الجراح ، قتل أباه عبد الله بن الجراح يوم أُحد ، وفي أبي بكر دعا ابنه يوم بدر إلى البراز ، وفي مصعب بن عمير قتل أخاه بن عمير يوم أُحد . وقال ابن شوذب: يوم بدر ، وفي عمر قتل خاله العاصي بن هشام يوم بدر ، وفي عليّ وحمزة وعبيد بن الحارث ، قتلوا عتبة وشيبة ابني ربيعة ، والوليد بن عتبة يوم بدر . وقال الواقدي في قصة أبي عبيدة أنه قتل أباه ، قال: كذلك يقول أهل الشام ، وقد سألت رجالًا من بني فهر فقالوا: توفي أبوه قبل الإسلام . انتهى ، يعنون في الجاهلية قبل ظهور الإسلام . وقد رتب المفسرون . { ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم } على قصة أبي عبيدة وأبي بكر ومصعب وعمر وعليّ وحمزة وعبيد مع أقربائهم ، والله تعالى أعلم .
وفي تفسير الشوكاني (2) :
(1) -تفسير البحر المحيط - (ج 10 / ص 242)
(2) - فتح القدير - (ج 7 / ص 180)