أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الْمُخْتَلِفَتَيْنِ فِي الْحُكْمِ الْوَاحِدِ ; أَلَا تَرَى أَنَّ السَّوَادَ وَالْبَيَاضَ قَدْ اجْتَمَعَا فِي مُنَافَاةِ الْحُمْرَةِ وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهَا مِنْ الْأَلْوَانِ ; فَإِنَّ الْقُعُودَ فِي الْمَوْضِعِ الْوَاحِدِ قَدْ يَكُونُ حَسَنًا إذَا كَانَ فِيهِ نَفْعٌ لَا ضَرَرَ فِيهِ , وَقَدْ يَكُونُ قَبِيحًا إذَا كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ مِنْ غَيْرِ نَفْعٍ يُوفِي عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ الْقُعُودُ الْمَقْصُودُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مُتَيَقِّنًا , وَقَدْ يَكُونُ الْقُعُودُ فِي مَكَانَيْنِ مُجْتَمِعَيْنِ فِي الْحُسْنِ بِأَنْ يَكُونَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا نَفْعٌ لَا ضَرَرَ فِيهِ وَإِنْ كَانَا مُخْتَلِفَيْنِ , عَلَى أَنَّ ذَلِكَ يُؤَكِّدُ صِحَّةَ الْقِيَاسِ , وَذَلِكَ أَنَّ الْمِثْلَيْنِ فِي الْعَقْلِيَّاتِ إنَّمَا وَجَبَ تَسَاوِي حُكْمُهُمَا ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ سَاوَى الْآخَرَ فِيمَا لِأَجْلِهِ قَدْ وَجَبَ لَهُ الْحُكْمُ إمَّا لِذَاتِهِ كَالسَّوَادَيْنِ أَوْ لِعِلَّةٍ أَوْجَبَتْ ذَلِكَ كَالْأَسْوَدَيْنِ , وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي الْمُخْتَلِفَيْنِ , وَعَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ بِعَيْنِهَا يَجْرِي الْقِيَاسُ ; لِأَنَّا إنَّمَا نَحْكُمُ لِلْفَرْعِ بِحُكْمِ الْأَصْلِ إذَا شَارَكَهُ فِي عِلَّةِ الْحُكْمِ , كَمَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا نَصَّ عَلَى حُكْمٍ وَاحِدٍ فِي الشَّيْئَيْنِ إذَا اشْتَرَكَا فِيمَا أَوْجَبَ الْحُكْمَ فِيهِمَا , فَقَدْ بَانَ بِذَلِكَ صِحَّةَ مَا ذَكَرْنَاهُ . وَأَجَابَ عَنْهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ الْمَالِكِيُّ بِأَنْ قَالَ: دَعْوَاكُمْ بِأَنَّ هَذِهِ الصُّوَرَ الَّتِي اخْتَلَفَتْ أَحْكَامُهَا مُتَمَاثِلَةٌ فِي نَفْسِهَا دَعْوَى , وَالْأَمْثِلَةُ لَا تَشْهَدُ لَهَا , أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَتَّفِقَ الصَّوْمُ وَالصَّلَاةُ فِي امْتِنَاعِ أَدَائِهَا مِنْ الْحَائِضِ وَيَفْتَرِقَانِ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ , وَالتَّمَاثُلُ فِي الْعَقْلِيَّاتِ لَا يُوجِبُ التَّسَاوِي فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّاتِ . وَأَيْضًا فَهَذَا يُوجِبُ مَنْعَ الْقِيَاسِ فِي الْعَقْلِيَّاتِ . وَأَيْضًا فَإِنَّ الْقِيَاسَ جَائِزٌ عَلَى الْعِلَّةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا مَعَ وُجُودِ الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ .
وفي فتح العلي المالك (1) : ( مَا قَوْلُكُمْ ) فِي إقْلِيمٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ هَجَمَ الْكَافِرُ الْعَدُوُّ عَلَى بِلَادِهِمْ وَأَخَذَهَا وَتَمَلَّكَ بِهَا وَبَقِيَتْ جِبَالٌ فِي طَرَفِ الْإِقْلِيمِ الْمَذْكُورِ لَمْ يَصِلْهَا , وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا وَهِيَ مَحْرُوسَةٌ بِأَهْلِهَا وَهَاجَرَ إلَيْهَا بَعْضُ أَهْلِ الْإِقْلِيمِ الْمَذْكُورِ بِالْأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْوَلَدِ وَبَقِيَ مَنْ بَقِيَ تَحْتَ حُكْمِ الْكَافِرِ وَفِي رَعِيَّتِهِ , وَضَرَبَ عَلَيْهِمْ خَرَاجًا يُشْبِهُ الْجِزْيَةَ الْمَعْلُومَةَ يَأْخُذُهُ مِنْهُمْ , وَفِيمَنْ هَاجَرَ بَعْضٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَفِيمَنْ بَقِيَ بَعْضٌ كَذَلِكَ فَصَارَ التَّشَاجُرُ بَيْنَ فَرِيقَيْ الْعُلَمَاءِ , فَمَنْ هَاجَرَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ إلَى الْجِبَالِ الْمَذْكُورَةِ يَقُولُ: الْهِجْرَةُ وَاجِبَةٌ وَيُفْتِي بِأَنَّ مَنْ بَقِيَ تَحْتَ الْكَافِرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْهِجْرَةِ يُبَاحُ دَمُهُ وَمَالُهُ وَسَبْيُ أَهْلِهِ وَذَرَارِيِّهِ مُسْتَدِلًّا هَذَا الْقَائِلُ بِأَنَّ مَنْ بَقِيَ مَعَهُ صَارَ مُعِينًا لَهُ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ وَنَهْبِ أَمْوَالِهِمْ وَسَاعِيًا فِي غَلَبَةِ الْكَافِرِ عَلَيْهِمْ وَبِأَدِلَّةٍ غَيْرِ ذَلِكَ , وَمَنْ بَقِيَ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي جُمْلَةِ مَنْ بَقِيَ تَحْتَ الْكَافِرِ , وَلَمْ يُهَاجِرْ يَقُولُ: الْهِجْرَةُ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ وَيَسْتَدِلُّ بِدَلَائِلَ مِنْ جُمْلَتِهَا قوله تعالى { إلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً } وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم { لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ } وَغَيْرُ ذَلِكَ . فَأَفِيدُوا الْجَوَابَ الْوَافِيَ بِالدَّلِيلِ الشَّافِي الَّذِي لَا غُبَارَ عَلَيْهِ وَلَكُمْ الثَّوَابُ مِنْ الْمَلِكِ الْوَهَّابِ .
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ:
(1) - جامع الفقه الإسلامي