فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 443

لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ رضوان الله عليهم . لِأَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى قِسْمَيْنِ فَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَرْكَعُ حِينَ دُخُولِهِ الْمَسْجِدَ وَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يَصْعَدَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ فَإِذَا جَلَسَ عَلَيْهِ قَطَعُوا تَنَفُّلَهُمْ . وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَرْكَعُ وَيَجْلِسُ حَتَّى يُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ وَلَمْ يُحْدِثُوا رُكُوعًا بَعْدَ الْأَذَانِ الْأَوَّلِ وَلَا غَيْرِهِ فَلَا الْمُتَنَفِّلُ يَعِيبُ عَلَى الْجَالِسِ وَلَا الْجَالِسُ يَعِيبُ عَلَى الْمُتَنَفِّلِ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا هُمْ الْيَوْمَ يَفْعَلُونَهُ فَإِنَّهُمْ يَجْلِسُونَ حَتَّى إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ قَامُوا لِلرُّكُوعِ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ هَذَا وَقْتٌ يَجُوزُ فِيهِ الرُّكُوعُ . وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم { بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ قَالَهَا ثَلَاثًا وَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ لِمَنْ شَاءَ } . فَالْجَوَابُ أَنَّ السَّلَفَ رضوان الله عليهم أَفْقَهُ بِالْحَالِ وَأَعْرَفُ بِالْمَقَالِ فَمَا يَسَعُنَا إلَّا اتِّبَاعُهُمْ فِيمَا فَعَلُوهُ وَهَذَا عَلَى قَاعِدَةِ مَذْهَبِ مَالِكٍ رحمه الله تعالى لِأَنَّ اتِّبَاعَ السَّلَفِ أَوْلَى , فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ الرُّكُوعُ إنَّمَا هُوَ لِلْجُمُعَةِ . فَالْجَوَابُ أَنَّ السُّنَّةَ فِي هَذَا مَا كَانَ السَّلَفُ يَفْعَلُونَهُ مِنْ رُكُوعِهِمْ الْمُتَقَدِّمُ . أَلَا تَرَى أَنَّ وَقْتَ الْجُمُعَةِ قَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ هَلْ هُوَ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ كَصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ أَوْ مِنْ الزَّوَالِ فَذَهَبَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي جَمَاعَةٍ إلَى أَنَّهُ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَإِذَا كَانَ الْخِلَافُ فِي وَقْتِهَا عَلَى مَا وَصَفْنَا تَأَكَّدَ الِاقْتِدَاءُ بِفِعْلِ السَّلَفِ الْمُتَقَدِّمِ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَعَلَى مَا قَرَّرْتُمُوهُ لَا يَجُوزُ لِمَنْ رَكَعَ وَجَلَسَ يَنْتَظِرُ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ أَنْ يَقُومَ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَرْكَعُ وَهَذَا جَائِزٌ فَكَيْفَ تَمْنَعُونَهُ . فَالْجَوَابُ إنَّا لَا نَمْنَعُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ وَقْتٌ يَجُوزُ فِيهِ الرُّكُوعُ لِمَنْ أَرَادَهُ وَإِنَّمَا الْمَنْعُ عَنْ اتِّخَاذِ ذَلِكَ عَادَةً بَعْدَ الْأَذَانِ لَا قَبْلَهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ . عَلَى أَنَّ هَذَا الْأَذَانَ الْمَفْعُولَ الْيَوْمُ أَوَّلًا لَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلَا زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رضي الله عنهما وَإِنَّمَا فَعَلَهُ عُثْمَانُ رضي الله عنه عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فَالْأَذَانُ الَّذِي فُعِلَ فِي السُّوقِ وَالرُّكُوعُ لِلْجُمُعَةِ لَا يَكُونُ فِي السُّوقِ وَمَنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ لَا يَسْمَعُهُ حَتَّى يَرْكَعَ عِنْدَهُ . ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّ هِشَامًا لَمَّا أَنْ نَقَلَهُ كَانُوا يَرْكَعُونَ بَعْدَهُ عَلَى أَنَّا لَوْ قَدَّرْنَا أَنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّ فِعْلَ هِشَامٍ لَيْسَ بِحُجَّةٍ . فَإِنْ قَالَ الْإِمَامُ مَثَلًا إنَّ النَّاسَ لَا يَرْجِعُونَ إلَيْهِ فِيمَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْهُ وَأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ رِجَالٌ يَأْمُرُونَ وَيَنْهَوْنَ حَتَّى تُزَالَ بِهِمْ الْحُرْمَةُ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُؤَذِّنِينَ هُمْ رِجَالُهُ وَجُنْدُهُ وَحِزْبُهُ { أَلَا إنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْمُفْلِحُونَ } فَإِنْ قَالَ مَثَلًا إنَّ النَّاسَ لَا يَرْجِعُونَ بِذَلِكَ . فَالْجَوَابُ إنَّهُمْ إنْ لَمْ يَرْجِعُوا بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يُوَصِّلَ كُلَّ ذَلِكَ لِلْمُحْتَسِبِ فَيَمْنَعُ مِنْ كُلِّ مَا ذُكِرَ بِالْيَدِ الْقَوِيَّةِ , فَإِنْ فَعَلَ فَبِهَا وَنِعْمَتْ وَقَدْ بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ وَذِمَّةُ غَيْرِهِ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ هَذَا فَقَدْ بَرِئَتْ ذِمَّةُ الْإِمَامِ وَأَمَّا قَبْلَ إيصَالِ ذَلِكَ فَإِنَّ الذِّمَّةَ لَا تَبْرَأُ لِأَجْلِ أَنَّ كُلَّ مَا ذُكِرَ مِنْ رَعِيَّتِهِ وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَسْجِدَ وَمَا حَوْلَهُ وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ رَعِيَّةِ الْإِمَامِ . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ رَعِيَّتِهِ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ فِيمَا ذُكِرَ كُلِّهِ بِشَرْطٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ .

وفي إعلام الموقعين :[ شُبُهَاتٌ لِنُفَاتِ الْقِيَاسِ وَأَمْثِلَةٌ لَهَا ](1)

(1) - إعلام الموقعين عن رب العالمين - (ج 1 / ص 153)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت