وليجتهد كل مؤمن ناصح لنفسه حريص على نجاتها من غضب الله ولعنته في الدنيا والآخرة في تحقيق العلم والإيمان ، وليتخذ الله هاديا ونصيرا ، وحاكما ووليا ، فإنه نعم المولى ونعم النصير ، وكفى بربك هاديا ونصيرا ، وليدع بدعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -: صحيح مسلم صلاة المسافرين وقصرها (770) ,سنن الترمذي الدعوات (3420) ,سنن النسائي قيام الليل وتطوع النهار (1625) ,سنن أبو داود الأدب (5085) ,سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1357) ,مسند أحمد بن حنبل (6/156) . اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل ، فاطر السماوات والأرض ، عالم الغيب والشهادة ، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم والحمد لله رب العالمين .
وبالله التوفيق ، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... عضو ... الرئيس
بكر أبو زيد ... صالح الفوزان ... عبد الله بن غديان ... عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ
د.سلمان بن فهد العودة 20/2/1428
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من مولود يولد إلا على الفطرة) متفق عليه،إن الناس كلهم يعرفون هذا القدر المشترك من العلاقات والمعاملات، ويمارسون علاقاتهم بطبيعة تامة وبعفوية فطرية، فالإسلام جاء لينظم هذه الشبكة من العلاقات الإنسانية لا ليحرم الناس منها، أو يقطعهم عنها، بل إن القرآن جعل من سمات الضالين أن يقطعوا الصلة، ولم يجعل أبد الصلة بالناس خطأ أو جرمًا، يقول جل وعلا:"ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض.."الآية، فحب القريب وحب الصديق وحب الزوجة وحب الوطن وحب القبيلة من الولاء الفطري العام، الذي لا يتناقض مع الولاء الإسلامي، والمسلمون الأوائل كانوا يتعاملون مع القضايا التعاملية بفطرية طبيعية، وبأريحية تامة، بعيدًا عن العقد التي تلبس بها بعض المتأخرين، فصنعت خليطًا من المفاهيم المغلوطة التي تجنح إما إلى إفراط أو تفريط.
إن المقصود بالولاء موالاة المؤمنين بالقرب منهم، ومحبتهم، والإخاء بينهم، والنصرة لهم، والتعاطف معهم، وبدون هذا المعنى لا يمكن أن نتصور أمة مسلمة؛ لأن وجود الأمة الإسلامية هو بوجود هذا العقد القلبي في الولاء بين أفراد هذه الأمة، يقول الله تعالى:"إنما المؤمنون إخوة"، ويقول سبحانه:"وأن هذه أمتكم أمة واحدة.."، ويقول تبارك اسمه:"إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون"، وانظر إلى معنى النصرة والتعاطف والولاء المعقود في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) متفق عليه، وقوله صلى الله عليه وسلم: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا) متفق عليه، فهذا الولاء بين المؤمنين والبراء من أعدائهم من عناصر التوحيد، فالولاء معنى روحي قلبي بالحب والتعاطف والرحمة، ومعنى حياتي عملي بالمؤازرة والنصرة والمعرفة، والنصرة في الحق: الإعانة عليه، وفي الباطل: الردع عنه، ولذلك ورد في الحديث عن الظالم: (تأخذ فوق يديه) ، فعقد الولاء عقد ديني لا عنصري، ومن سمات العقد الديني أنه يوجب ربط الولاء بالمبدأ الذي هو فوق الأشخاص، فإذا خالف الأشخاص هذا المبدأ كان أعظم الولاء في منعهم وردعهم، وليس تأييدهم على هذا الباطل أو مجاراتهم فيه.
والبراء في الإسلام هو براءة من الشرك والكفر والظلم والعدوان والبغي، والبراءة ممن يقوم عليها أو يدعو إليها:"قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد، لكم دينكم ولي دين".
إن معنى"البراءة"هو إخلاص الحب العقائدي لهذا الدين، دون أن يشترط في ذلك خلو القلب من الحب الفطري والعلاقات الإنسانية التي يتخللها نوع من الحب والمودة حتى مع غير المسلمين؛ لأن الأصل في العلاقات مع غير المحاربين: حسن التعامل وتبادل السلم، هذا من محكمات ما نص الله عليه، يقول الله تعالى:"لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين"، فذكر البر وهو الإحسان والعطاء، وذكر الإقساط وهو العدل، ليجمع المسلم بين المعاملة بالعدل وليخبر بأن اختلاف العقائد لا يبيح الظلم، وبين الإحسان وهو الفضل والعطاء والزيادة.
والأمم المختلفة ليسوا على فئة واحدة تجاه المسلمين، وليسوا سواء من حيث القرب والبعد من هذا الدين أو من أهله، أو من حيث التطرف والاعتدال، أو من حيث الظلم والعدل، أو غيره، وحتى في العقائد يقول الله تعالى:"ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون".