فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 443

وقوله: أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ يقول جلّ ثناؤه: هؤلاء الذين لا يوادّون من حادّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم, أو أبناءهم, أو إخوانهم, أو عشيرتهم, كتب الله في قلوبهم الإيمان. وإنما عُنِي بذلك: قضى لقلوبهم الإيمان, ففي بمعنى اللام, وأخبر تعالى ذكره أنه كتب في قلوبهم الإيمان لهم, وذلك لمّا كان الإيمان بالقلوب, وكان معلوما بالخبر عن القلوب أن المراد به أهلها, اجتزى بذكرها مِنْ ذكر أهلها.

وقوله: وأيّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ يقول: وقوّاهم بِبرْهان منه ونور وهدى وَيُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأنهارُ يقول: ويدخلهم بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار خالِدِينَ فِيها يقول: ماكثين فيها أبدا رِضِيَ اللّهُ عَنْهُمُ بطاعتهم إياه في الدنيا وَرَضُوا عَنْهُ في الاَخرة بإدخاله إياهم الجنةَ أُولَئِكَ حِزْبُ اللّهِ يقول: أولئك الذين هذه صفتهم جند الله وأولياؤه ألا إنّ حِزْبَ اللّهِ يقول: ألا إن جند الله وأولياءه هُمُ المُفْلِحون يقول: هم الباقون المُنْجَحون بإدراكهم ما طلبوا, والتمسوا ببيعتهم في الدنيا, وطاعتهم ربهم.

وفي تفسير ابن الجوزي(1):

قوله تعالى: {لاَّ تَجِدُ قَوْمًا } الآية. اختلفوا فيمن نزلت على أربعة أقوال:

أحدها: نزلت في أبي عبيدة بن الجراح، قتل أباه يوم أحد، وفي أبي بكر دعا ابنه يوم بدر إلى البراز، فقال: يا رسول الله دعني أكون في الرعلة الأولى فقال: متعنا بنفسك يا أبا بكر، وفي مصعب بن عمير، قتل أخاه عبيد بن حمنة يوم أحد، وفي عمرو قتل خاله العاص بن هشام يوم بدر، وفي علي وحمزة قتلا عتبة وشيبة يوم بدر، قاله ابن مسعود.

والثاني: أنها نزلت في أبي بكر الصديق، وذلك أن أبا قحافة سب رسول الله صلى الله عليه وسلم فصكه أبو بكر الصديق صكة شديدة سقط منها ثم ذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أو فعلته» قال: نعم. قال: فلا تعد إليه، فقال أبو بكر: والله لو كان السيف قريبا مني لقتلته، فنزلت هذه الآية، قاله ابن جريج.

والثالث: نزلت في عبد الله بن عبد الله بن أبي، وذلك أنه كان جالسا إلى جنب رسول الله، فشرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ماء، فقال عبد الله: يا رسول الله أبق فضلة من شرابك، قال: وما تصنع بها؟ قال: أسقيها أبي، لعل الله سبحانه يطهر قلبه، ففعل فأتى بها أباه، فقال: ما هذا؟ قال: فضلة من شراب رسول الله جئتك بها لتشربها،

لعل الله يطهر قلبك، فقال: لهلا جئتني ببول أمكا فرجع لى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ائذن لي في قتل أبي، قال: فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: ارفق به، وأحسن إليه، فنزلت هذه الآية قاله السدي.

والرابع: أنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكة يخبرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عزم على قصدهم، قاله مقاتل واختاره الفراء والزجاج.

وهذه الآية قد بينت أن مودة الكفار تقدح في صحة الإيمان، وأن من كان مؤمنا لم يوال كافرا وإن كان أباه أو ابنه أو أحدا من عشيرته.

قوله تعالى: {أُوْلَئِكَ } الذين، يعني: الذين لا يوادون من حاد الله ورسوله {كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ } وقرأ المفضل عن عاصم «كتب» برفع الكاف والنون من «الإيمان» . وفي معنى «كتب» خمسة أقوال.

أحدها: أثبت في قلوبهم الإيمان، قاله الربيع بن أنس.

والثاني: جعل، قاله مقاتل.

والثالث: كتب في اللوح المحفوظ أن في قلوبهم الإيمان حكاه الماوردي.

والرابع: حكم لهم بالإيمان. وإنما ذكر القلوب، لأنها موضع الإيمان ذكره الثعلبي.

والخامس: جمع في قلوبهم الإيمان حتى استكملوه، قاله الواحدي.

قوله تعالى: {وَأَيَّدَهُمْ } أي: قواهم {بِرُوحٍ مّنْهُ } وفي المراد «بالروح» ها هنا خمسة أقوال:

أحدها: أنه النصر، قاله ابن عباس، والحسن. فعلى هذا سمي النصر روحا، لأن أمرهم يحيا به.

والثاني: الإيمان، قاله السدي.

والثالث: القرآن، قاله الربيع.

والرابع: الرحمة، قاله مقاتل.

والخامس: جبريل عليه السلام أيدهم به يوم بدر ذكره الماوردي فأما {حِزْبُ اللَّهِ } فقال الزجاج هم الداخلون في الجمع الذين اصطفاهم وارتضاهم، و «ألا» كلمة تنبيه وتوكيد للقصة.

وفي الكشاف (2) :

{ لاَّ تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الأخر يوادُّون من حادَّ الله ورسوله ولو كانوا أباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أُولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيَّدهم بروحٍ مِّنه ويدخلهم جنَّاتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضى الله عنهم ورضوا عنه أُولئك حزب الله ألا إنَّ حزب الله هم المفلحون } { لاَّ نجد قومًا } من باب التخييل .

خيل أن من الممتنع المحال: أن تجد قومًا مؤمنين يوالون المشركين والغرض به أنه لا ينبغي أن يكون ذلك وحقه أن يمتنع ولا يوجد بحال مبالغة في النهي عنه والزجر عن ملابسته والتوصية بالتصلب في مجانية أعداء الله ومباعدتهم والاحتراس من مخالطتهم ومعاشرتهم وزاد ذلك تأكيدًا وتشديدًا بقوله:"ولو كانوا أباءهم"وبقوله:"أُولئك كتب في قلوبهم الإيمان"وبقابلة قوله:"أُولئك حزب الشيطان"بقوله:"أولئك حزب الله"فلا تجد شيئًا أدخل في الإخلاص من موالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه بل هو الإخلاص بعينه"كتب في قلوبهم الإيمان"أثبته فيها بما وفقهم فيه وشرح له صدورهم"وأيَّدهم بروحٍ مِّنه"بلطف من عنده حييت به قلوبهم .

ويجوز أن يكون الضمير للإيمان أي: بروح من الإيمان على أنه في نفسه روح لحياة القلوب به .

وعن الثوري أنه قال: كانوا يرون أنها نزلت فيمن يصحب السلطان .

(1) -زاد المسير - (ج 6 / ص 3)

(2) - الكشاف - (ج 7 / ص 21)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت