أما التعامل معه في الأمور المباحة؛ فلا بأس إذا كان الكافر عنده تجارة تبيع معه وتشتري، لا بأس بالبيع والشِّراء معه، هذا من المعاملات المباحة، النبي صلى الله عليه وسلم تعامل مع اليهود، اشترى منهم، استدان منهم عليه السلام، كذلك إذا كان عندهم خبرات في بعض الأمور، ولا يوجد عند المسلمين من يقوم بها؛ فلا بأس أن نستفيد من خبراتهم، لكن لا نحبُّهُم، ولا نواليهم، وإنما نؤاجِرُهم أجرةً، يؤدُّون لنا عملًا بالأجرة، مع بغضهم ومع عداوتهم .
لا يجوز للمسلم أن يجامل الكفار على حساب دينه، أو أن يوافقهم في أفعالهم؛ لأن أفعالهم ربما تكون كفرًا وشركًا وكبائر من كبائر الذنوب؛ فلا يجوز للمسلم أن يوافقهم على ذلك، أو أن يشاركهم في ذلك باختياره، بل الواجب عليه أن يُظهِرَ دينه .
ولا يجوز له الإقامة مع الكفار والبقاء في بلادهم إلا إذا كان يقدر على إظهار دينه؛ بأن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويدعو إلى الله عز وجل، هذا هو إظهار الدين؛ فإذا كان لا يستطيع ذلك؛ وجب عليه أن يُهاجِر إلى بلاد المسلمين من بلاد الكفار، ولا يبقى فيها على حساب دينه وعقيدته .
وحالة الإكراه لها حكم خاص؛ قال سبحانه وتعالى: { مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [ النحل: 106 . ] ، والمسموح به في هذه الحالة إنما هو القول باللسان دون موافقة القلب .
150 ـ ما حكم زيارة الكفَّار وقبول هداياهم والقيام لجنائزهم وتهنئتهم في المناسبات ؟
زيارة الكفار من أجل دعوتهم إلى الإسلام لا بأس بها؛ فقد زار النبيُّ صلى الله عليه وسلم عمَّه أبا طالب وهو يحتضرُ، ودعاه إلى الإسلام (3) ، وزار اليهوديَّ، ودعاه إلى الإسلام (4) ، أما زيارة الكافر للانبساط له والأنس به؛ فإنها لا تجوزُ؛ لأنَّ الواجب بغضهم وهجرهم .
ويجوز قبول هداياهم؛ لأنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قبل هدايا بعض الكفَّار؛ مثل هديَّة المقوقس ملك مصر (5) .
ولا تجوز تهنئتُهم بمناسبة أعيادهم؛ لأنَّ ذلك موالاة لهم وإقرارًا لباطلهم .
153 ـ هل التأريخ بالتاريخ الميلادي يُعتبَرُ من موالاة النصارى ؟
لا يُعتبَرُ موالاة، لكن يعتبر تشبُّهًا بهم .
والصَّحابة رضي الله عنهم كان التاريخ الميلادي موجودًا، ولم يستعملوه، بل عدلوا عنه إلى التاريخ الهجريِّ، وضعوا التاريخ الهجريَّ، ولم يستعملوا التاريخ الميلادي، مع أنه كان موجودًا في عهدهم، هذا دليل على أنَّ المسلمين يجب أن يستقلُّوا عن عادات الكفَّار وتقاليد الكفَّار، لا سيَّما وأنَّ التَّاريخ الميلاديَّ رمز على دينهم؛ لأنه يرمز إلى تعظيم ميلاد المسيح والاحتفال به على رأس السَّنة، وهذه بدعة ابتدعها النصارى؛ فنحن لا نشاركهم ولا نشجِّعهم على هذا الشيء، وإذا أرَّخنا بتاريخهم؛ فمعناه أنَّنا نتشبَّه بهم، وعندنا ولله الحمد التاريخ الهجريُّ، الذي وضعه لنا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخليفة الرَّاشد بحضرة المهاجرين والأنصار، هذا يغنينا .
154 ـ ما حكم السَّفر إلى بلاد غير إسلامية بقصد السُّكنى والاستيطان فيها ؟
الأصل أنَّ السفر إلى بلاد الكفَّار لا يجوز لمن لا يقدر على إظهار دينه، ولا يجوز إلا لضرورة؛ كالعلاج وما أشبه ذلك؛ مع القدرة على إظهار الدِّين، والقيام بما أوجب الله سبحانه وتعالى، وأن لا يداهن ولا يُماري في دينه، ولا يتكاسل عن أداء ما أوجب الله عليه .
أمَّا السُّكنى؛ فهي أشدُّ، السُّكنى بين أظهر المشركين لا تجوز للمسلم؛ لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم نهى المسلم أن يقيم بين أظهر المشركين (6) ؛ إلا إذا كان في إقامته مصلحة شرعيَّة؛ كأن يدعو إلى الله سبحانه وتعالى، ويكون لوجوده بين أظهر الكفَّار تأثير بالدَّعوة إلى الله وإظهار دينه ونشر الإسلام؛ فهذا شيء طيبٌ لهذا الغرض، وهو الدَّعوة على الله سبحانه وتعالى، ونشر دينه، وتقويةُ المسلمين الموجودين هناك، أمَّا إذا كان لمجرَّد الإقامة والبقاء معهم من غير أن يكون هناك مصلحة شرعيَّة؛ فإنه لا يجوز له الإقامة في بلاد المشركين .
ومن الأغراض المُبيحة للسَّفر إلى بلاد الكفَّار تعلُّمُ العلوم التي يحتاج إليها المسلمون؛ كالطِّبِّ، والصناعة؛ مما لا يمكن تعلُّمه في بلاد المسلمين .
155 ـ معنى هذا أنه لو كان مثلًا لغرض التجارة فقط؛ فيجوزُ له ذلك ؟
يجوز السَّفر لبلاد المشركين بشرطين: بشرط أن يكون هذا السَّفر لحاجة، وأن يكون يقدر على إظهار دينه؛ بأن يدعو إلى الله، ويؤدِّي الواجبات، ولا يترُكَ أيَّ شيء ممَّا أوجب الله تعالى عليه، ولا يُخالط الكفَّار في محلاَّت فسقهم ومجونهم، ولا يغشى المجامع الفاسدة التي توجد في بلاد الكفَّار .
بهذه الشُّروط لا بأس أن يسافر، أمَّا إذا اختلَّ شرطٌ منها؛ فلا يجوز له .
وفي فتاوى الشيخ عبد الله بن عقيل: [462] السفر إلى بلاد المشركين (1)
(1) -فتاوى الشيخ عبدالله بن عقيل - (ج 2 / ص 36)