فهرس الكتاب

الصفحة 361 من 443

وهذا بيان من الله تعالى لحكم أعمال القلوب من محبة ووداد وبراء من الكافرين، وبغضهم وبغض ما ارتكبوه من غي وضلال، أما المعاملات الدنيوية من بيع وشراء وسائر تبادل المنافع فتابع للسياسة الشرعية والنواحي الاقتصادية، فمن كان بيننا وبينهم موادعة جاز أن نتبادل معهم المنافع من بيع وإجارة وكراء وقبول الهدايا والهبات والمكافأة عليها بالمعروف والإحسان؛ إقامة للعدل ومراعاة لمكارم الأخلاق، على أن لا يخالف ذلك أصلا شرعيا، ولا يخرج عن سنن المعاملات التي أحلها الإسلام، قال الله تعالى: سورة الممتحنة الآية 8 لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ

ومن كان بيننا وبينهم حرب أو اعتدوا علينا فلا يجوز أن نتولاهم في المعاملات الدنيوية، بل يحرم ذلك كما حرم توليهم بالمحبة والإخاء، قال الله تعالى: سورة الممتحنة الآية 9 إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بيانا عمليا في السلم والحرب مع اليهود بالمدينة وخيبر ، ومع النصارى وغيرهم من الكفار، ثم بين الله تعالى السبب الذي كان منه بغضهم للكافرين فقال: سورة المجادلة الآية 22 أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ إن هؤلاء الذين صدقوا الله ورسوله هم الذين قرر الله في قلوبهم الإيمان وثبته في نفوسهم وأيدهم ببرهان منه ونور وهدى، فوالوا أولياءه، وعادوا أعداءه، وساروا على الشريعة التي رضيها الله تعالى لهم دينا، ثم بين جزاءهم بقوله: سورة المجادلة الآية 22 وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أي: أنه يتفضل الله عليهم بمنه وكرمه فيدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار، فيها من النعيم المقيم مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فينعم بذلك النعيم أولئك المخلصون الأطهار، مقيمين فيها أبد الآباد، لا يفنى نعيمها ولا يزول، وما هم منها بمخرجين، رضي الله عنهم بما حققوه من إيمان صادق وعمل صالح، ورضوا عن قضائه وتشريعه وجزائه، وأثنوا عليه بما هو أهله، ثم ختم السورة بقوله: سورة المجادلة الآية 22 أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ فأخبر تعالى بأنهم جنده الذين تولوه بالطاعة فتولاهم بنصره وفضله وإحسانه في الدنيا والآخرة، وكانوا هم الفائزين دون من خادع الله ورسوله وتولى الكافرين، ومن ذلك يتبين ما يأتي: أولا: أن من أحب الكفار ووادهم دينا فهو كافر كفرا يخرج من ملة الإسلام. ثانيا: من أبغضهم بقلبه وتبادل معهم المنافع من بيع وشراء وإجارة وكراء في حدود ما شرع الله فلا حرج عليه. ثالثا: من أبغضهم في الله ولكن عاشرهم وعاش بين أظهرهم لمصلحة دنيوية وآثر ذلك على الحياة مع المسلمين في ديارهم فهو آثم، لما في ذلك من تكثير سوادهم والتعاون معهم دون المسلمين، ولأنه عرض نفسه للفتن وحرمها من التعاون مع المسلمين على أداء شعائر الإسلام وحضور مشاهده، والتناصح والتشاور مع المسلمين فيما يعود على الأمة الإسلامية بالقوة والنهوض إلى ما تسعد به في الدنيا والآخرة إلا إذا كان عالما يأمن على نفسه الفتنة، ويرجو من إقامته بينهم أن ينفع الله به في الدعوة إلى الإسلام ونشره بينهم.

وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس

عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز

الدعوة إلى الإسلام تستلزم إقامة علاقات شخصية مع الكفار(1)

السؤال الخامس من الفتوى رقم ( 4214 )

س5: الدعوة إلى الإسلام تستلزم إقامة علاقات شخصية مع الكفار؛ أولا لإزالة الغربة والتمهيد للدعوة، فهل إذا دعاني أحدهم إلى طعام أو شراب ليس من المحرمات مثل الجبن والسمك والشاي يجوز لي تناوله؟ إذا كان هناك احتمال استخدام الأوعية قبل ذلك في تناول الخنزير والخمر رغم غسلها بالماء والصابون؟

(1) - فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء - (ج 12 / ص 325)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت